روى خبر رسل يزيد مع ابن الزبير ابن أعثم والدينوري وغيرهما واللفظ لابن أعثم قال: وتحرّك عبد اللّه بن الزبير ودعا الناس إلى نفسه(107).
قال ولمّا بلغ يزيد بن معاوية ما فيه عبد اللّه بن الزبير من بيعة الناس له واجتماعهم عليه؛ دعا بعشرة نفر من وجوه أصحابه منهم النعمان بن بشير الانصاري، وعبد اللّه بن عضاءة الاشعري...
ثمّ قال لهم: إنّ عبد اللّه بن الزبير قد تحرّك بالحجاز وأخرج يده من طاعتي ودعا الناس إلى سبّي وسبّ أبي، وقد اجتمعت إليه قوم يعينونه على ذلك، ... صيروا إليه، فإذا دخلتم عليه فعظّموا حقّه وحقّ أبيه، وسلوه أن يلزم الطاعة ولا يفارق الجماعة؛ فإن أجاب فخذوا بيعته، وإن أبى فخوّفوه ما نزل بالحسين بن عليّ، وليس الزبير عندي بأفضل من عليّ بن أبي طالب ولا ابنه عبد اللّه بأفضل من الحسين، وانظروا أن لا تلبثوا عنده فاني متعلّق القلب بورود خبركم عليَّ، فخرج القوم إلى مكّة ودخلوا على ابن الزبير وأدوا إليه رسالة يزيد فقال: وما الّذي يريد منّي يزيد؟ انّما أنا رجل مجاور هذا البيت عائذ من شر يزيد وغير يزيد، فان تركني فيه وإلاّ انتقلت عنه إلى بلد غيره وكنت فيه إلى أن يأتيني الموت، ثمّ أمر لهم بمنزل فصاروا إليه يومهم ذلك ولمّا كان من الغد خرج فصلّى بأصحابه الفجر، ثمّ أقبل فجلس في الحجر واجتمع إليه أصحابه، وأقبل إليه هؤلاء الوفد الّذين قدموا عليه من عند يزيد، وتكلّموا كلاما يرجون به اتباعه ليزيد وطاعته له، قال: فأقبل إليه النعمان بن بشير فقال: بلغ يزيد عنك أنّك تصعد المنبر فتذكره وتذكر أباه معاوية بكلّ قبيح، وأنت تعلم أنّه امام وقد بايعه الناس، ولا نحبّ لك أن تخرج يدك من الطاعة وتفارق الجماعة، وبعد فانّ الغيبة لا خير فيها، قال: فقطع عليه الكلام عبد اللّه بن الزبير، ثمّ قال: يا ابن بشير! انّ الفاسق لا غيبة له، وما قلت فيه إلاّ ما قد علمه الناس منه، ولو كان على ما كان عليه الائمة الاخيار سمعنا وأطعنا ولذكرناه بكلّ جميل، وبعد فانّي أنا في هذا البيت بمنزلة حمامة من حمام مكّة، أفتحلّ لكم أن تؤذوا حمام مكّة؟ قال: فغضب عبد اللّه بن عضاءة الاشعري، فقال: نعم واللّه يا ابن الزبير، نؤذي حمام مكّه ونقتل حمام مكّه، وما حرمة مكّة؟ يا ابن الزبير! أتصعد المنبر وتتكلم في أمير المؤمنين بكلّ قبيح ثمّ تشبه نفسك بحمام مكة؟ ثمّ قال: يا غلام، إئتني بقوسي وسهمي. قال: فأُتي بقوسه وسهامه فأخذ سهما فوضعه في كبد قوسه ثمّ سدّده نحو حمام مكّة وقال: يا حمامة! أيشرب أمير المؤمنين ويفجر؟ قولي نعم. أما واللّه لو قلت: نعم، لما أخطأك سهمي هذا، يا حمامة! أيلعب أمير المؤمنين بالقرود والفهود ويفسق في الدين؟ قولي: نعم. أما واللّه لئن قلت: نعم، لا أخطأك سهمي هذا، يا حمامة فتقبلين(108) أم تخلعين الطاعة وتفارقين الجماعة وتقيمين في الحرم عاصية؟ قولي: نعم. قال: ثمّ أقبل عبد اللّه بن عضاءة على ابن الزبير فقال له: مالي لا أرى الحمامة تنطق بشيء وأنت الناطق ما كلّمتها فيه على المنبر، أما واللّه يا ابن الزبير إنّي خائف عليك، وأقسم باللّه قسما صادقا لتبايعنّ يزيد طائعا أو كارها أو لتعرفنّي في هذه البطحاء وفي يدي راية الاشعريّين(109).
وذكر ابن أعثم وقايع بين ابن الزبير وعمرو بن سعيد، كانت الغلبة فيها لابن الزبير.
وذكر الطبري أنّه عزل عمرو بن سعيد وولى الوليد بن عتبة فأقام الحج سنة 61 هـ(110).
قال(111): وأقام الوليد يريد ابن الزبير فلا يجده إلاّ متحذّرا متمنّعا، وأفاض بالناس من عرفة ثمّ أفاض ابن الزبير بأصحابه، ثمّ انّ ابن الزبير عمل بالمكر في أمر الوليد فكتب إلى يزيد انّك بعثت إلينا رجلا أخرق لا يتجه لامر رشد، ولا يرعوي لعظة الحكيم، فلو
بعثت رجلا سهل الخلق رجوت أن يسهل من الامور ما استوعر منها، وان يجتمع ما تفرّق، فعزل يزيد الوليد وولىّ عثمان بن محمّد
بن أبي سفيان.
107 الاخبار الطوال للدينوري ص 263، وقد أوردتها ملخصة من فتوح ابن أعثم 5 / 262 ـ 290، وط. حيدر آباد الدكن الهند سنة 1392 هـ 5 / 279 ـ 281.
108 في المصدر فتقتلين وقد اشار المصحح إلى ما أثبتناه.
109 وقريب منه لفظ الاصبهاني في الاغاني 1 / 33.
110 الطبري 6 / 273 ـ 275 في آخر ذكر حوادث سنة احدى وستين.
111 الطبري 8 / 2 ـ 5، في ذكر حوادث سنة اثنين وستين. وتخيرت اللفظ من تاريخ ابن الاثير 4 / 40 ـ 42.