لم أقصد في ما أوردت من أخبار مقتل الامام الحسين (ع) استقصاء أخبار مقتله ولا تحقيق حوادثه، ولا بيان زمانها وتحديد مكانها، بل توخّيت في ما أوردت فهم آثار مقتله على مدرستي الامامة والخلافة في الاسلام، وكان يكفيني في هذا الصدد ما أوردته على سبيل التنبيه.
وكان من آثار مقتله على مدرسة الخلافة ثورات المسلمين المستمرّة على حكم آل أميّة وفي مقدّمتها ثورة أهل الحرمين كما نبينها في ما يلي:
قال المسعودي: لمّا شمل الناس جور يزيد وعمّاله، وعمّهم ظلمه وما ظهر من فسقه من قتله ابن بنت رسول اللّه (ص) وأنصاره، وما أظهر من شرب الخمور، وسيره سيرة فرعون، بل كان فرعون أعدل منه في رعيّته وأنصف منه لخاصّته وعامّته(104)، امتنع ابن
الزبير من بيعة يزيد، وكان يسمّيه السكِّير الخمّير، وكتب إلى أهل المدنية ينتقصه، ويذكر فسوقه، ويدعوهم إلى معاضدته على حربه(105).
وقال الطبري وغيره: لمّا قتل الحسين (ع) قام ابن الزبير في أهل مكة، وعظّم مقتله، وعاب على أهل الكوفة خاصّة، ولام أهل العراق عامّة، فقال بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على محمّد (ص):
أنّ أهل العراق غدر فجر إلاّ قليلا، وانّ أهل الكوفة شرار أهل العراق، وإنهم دعوا حسينا لينصروه ويولّوه عليهم؛ فلمّا قدم عليهم ثاروا إليه فقالوا له: إمّا أن تضع يدك في أيدينا فنبعث بك إلى ابن زياد ابن سميّة سلما فيمضي فيك حكمه، وإمّا أن تُحارب، فرأى واللّه أنَّه هو وأصحابه قليل في كثير وان كان اللّه عزّ وجلّ لم يطلع على الغيب أحدا انّه مقتول ولكنّه اختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة فرحم اللّه حسينا وأخزى قاتل حسين، لعمري لقد كان من خلافهم ايّاه وعصيانهم ما كان في مثله واعظ وناه عنهم، ولكنّه ما حمّ نازل، وإذا أراد اللّه أمرا لن يُدفَع، أفبعد الحسين نطمئنّ إلى هؤلاء القوم ونصدّق قولهم ونقبل لهم عهدا؟ لا، ولا نراهم لذلك أهلا، أما واللّه لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه، كثيرا في النهار صيامه، أحقّ بما هم فيه منهم، وأولى به في الدين والفضل، أما واللّه ما كان يبدّل بالقرآن الغناء ولا بالبكاء من خشية اللّه الحداء، ولا بالصيام شرب الحرام، ولا بالمجلس في حلق الذكر الركض في تطلاب الصيد ـ يعرّض بيزيد ـ فسوف يلقون غيّا، فثار إليه أصحابه، فقالوا له: أيّها الرجل! أظهر بيعتك فانّه لم يبق أحد ـ إذ هلك حسين ـ ينازعك هذا الامر، وقد كان يبايع الناس سرا ويظهر أنّه عائذ بالبيت، فقال لهم: لا تعجلوا. وعمرو بن سعيد بن العاص يومئذ عامل مكّة، وقد كان أشدّ شيء عليه وعلى أصحابه، وكان مع شدَّته عليهم يداري ويرفق فلمّا استقرّ عند يزيد ابن معاوية ما قد جمع ابن الزبير من الجموع بمكة؛ أعطى اللّه عهدا ليوثقنّه في سلسلة، فبعث بسلسلة من فضّة فمرّ بها البريد على مروان بن الحكم بالمدينة فأخبر خبر ما قدم له وبالسلسلة التي معه فقال مروان:
خذها فليست للعزيز بخطّة
وفيها مقال لامرىء متضعّف
ثمّ مضى من عنده حتّى قدم على ابن الزبير، فأتى ابن الزبير فأخبره بممرّ البريد على مروان وتمثّل مروان بهذا البيت فقال ابن الزبير: لا واللّه! لا أكون أنا ذلك المتضعّف، وردّ ذلك البريد ردّا رفيقا. وعلا أمر ابن الزبير بمكة وكاتبه أهل المدينة، وقال الناس: أما إذ هلك الحسين (ع) فليس أحد ينازع ابن الزبير(106).