قال الطبري: وكان أوّل قتيل من بني أبي طالب يومئذ عليّ الاكبر بن الحسين بن علي، وأمّه ليلى ابنة أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي(9)، وكانت أمّ أُمِّه ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب(10) ومن هذا اعطي له الامان يومذاك، وقالوا له كما ذكره المصعب
الزبيري: ((انّ لك قرابة بأمير المؤمنين ـ يعني يزيد ابن معاوية ـ ونريد أن يرعى هذا الرحم، فان شئت آمنّاك)).
فقال عليّ: ((لقرابة رسول اللّه (ص) أحّق أن ترعى)) وحمل وهو يقول...(11).
قال الخوارزمي: فلمّا رآه الحسين رفع شيبته نحو السماء، وقال: اللهمّ اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خَلْقا وخُلُقا ومنطقا برسولك محمّد (ص) وكنّا إذا اشتقنا إلى وجه رسولك نظرنا إلى وجهه، اللهمّ فامنعهم بركات الارض، وفرقهم تفريقا ومزّقهم تمزيقا، واجعلهم طرائق قددا، ولا ترض الولاة عنهم أبدا، فانّهم دعونا لينصرونا، ثمّ عدوا علينا يقاتلونا.
ثمّ صاح بعمر بن سعد: ما لكَ قطع اللّه رحمك، ولا بارك اللّه في أمرك وسلّط عليك من يذبحك على فراشك، كما قطعت رحمي
ولم تحفظ قرابتي من رسول اللّه. ثمّ رفع صوته وقرأ: (انّ اللّه اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذريّة
بعضها من بعض واللّه سميع عليم).
وحمل علي بن الحسين وهو يقول:
أنا علي بن الحسين بن عليّ
نحن وبيت اللّه أولى بالنبي
واللّه لا يحكم فينا ابن الدعيّ
أطعنكم بالرمح حتّى ينثني
أضربكم بالسيف حتّى يلتوي
ضرب غلام هاشميّ علويّ
فلم يزل يقاتل حتى ضجّ أهل الكوفة، ثمّ رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة، فقال: يا أبة! العطش قد قتلني وثقل الحديد أجهدني، فهل إلى شربة من ماء سبيل أتقوّى بها على الاعداء؟ فبكى الحسين وقال: يا بنيّ عزّ على محمّد، وعلى عليّ، وعلى أبيك أن تدعوهم فلا يجيبونك وتستغيث بهم فلا يغيثونك. ودفع إليه خاتمه، وقال له: خذ هذا الخاتم في فيك وارجع إلى قتال عدوّك، فانّي لارجو أن لا تمسي حتّى يسقيك جدّك بكأسه الاوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدا، فرجع علي بن الحسين إلى القتال وحمل وهو يقول:
الحرب قد بانت لها حقائق
وظهرت من بعدها مصادق
واللّه ربّ العرش لا نفارق
جموعكم أو تغمد البوارق(12)
قال الطبري: ففعل ذلك مرارا فبصر به مرّة بن منقذ بن النعمان العبديّ ثمّ الليثيّ فقال: عليّ آثام العرب ان مرّ بي يفعل مثل ما
كان يفعل ان لم أثكله أباه، فمرّ يشدّ على الناس بسيفه فاعترضه مرّة بن منقذ فطعنه فصرع واحتوشه(13) الناس فقطَّعوه بأسيافهم.
وقال الخوارزمي: ضربه منقذ بن مرّة العبدي على مفرق رأسه ضربة صرعه فيها، وضربه الناس بأسيافهم، فاعتنق الفرس فحمله الفرس إلى عسكر عدوّه، فقطعوه بأسيافهم اربا اربا، فلمّا بلغت روحه التراقي نادى باعلى صوته: يا أبتاه! هذا جدّي رسول اللّه قد سقاني بكأسه الاوفى شربة لا أظمأ بعدها أبدا وهو يقول لك: العجل فانّ لك كأسا مذخورة، فصاح الحسين...(14).
وروى الطبري: عن حُميد بن مسلم الازدي قال: سماع أذني يومئذ من الحسين يقول: قتل اللّه قوما قتلوك يا بنيّ، ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول، على الدنيا بعدك العفاء. قال: وكأنّي أنظر إلى أمرأة خرجت مسرعة كأنّها الشمس الطالعة تنادي: يا أُخيّاه ويا ابن أخاه! قال: فسألت عنها فقيل: هذه زينب أبنة فاطمة بنت رسول اللّه، فجاءت حتّى أكبَّت عليه، فجاءها الحسين، فأخذ بيدها فردّها إلى الفسطاط، وأقبل الحسين إلى ابنه، وأقبل فتيانه إليه فقال: إحملوا أخاكم. فحملوه من مصرعه حتّى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه.