سعيد الحنفي:

ثمّ اقتتلوا بعد الظهر فاشتدّ قتالهم ووُصِلَ إلى الحسين فاستقدم الحنفي أمامه فاستهدف لهم يرمونه بالنبل يمينا وشمالا قائما بين يديه، فَما زال يُرمى حتى سقط. وذكر الخوارزمي انّه كان يرتجز ويقول:

أقدم حسين اليوم تلقى أحمدا

وشيخك الخير عليا ذا الندى

وحسنا كالبدر وافى الاسعدا

وعمّك القرم الهجان الاصيدا

وحمزة ليث الاله الاسدا

في جنّة الفردوس تعلو صعدا(198)

زهير بن القين:

وقاتل زهير بن القين قتالا شديدا وأخذ يقول:

أنا زهير وأنا ابن القين

أذودهم بالسيف عن حسين

قال: وأخذ يضرب على منكب حسين ويقول:

أقدم هديت هاديا مهديّا

فاليوم تلقى جدّك النبيّا

وحسنا والمرتضى عليا

وذا الجناحين الفتى الكميّا

وأسد اللّه الشهيد الحيّا

فشدّ عليه كثير بن عبد اللّه الشعبي ومهاجر بن أوس فقتلاه.

نافع بن هلال الجملي:

قال: وكان نافع بن هلال الجملي قد كتب اسمه على أفواق نبله، فجعل يرمي بها مسمومة وهو يقول: أنا الجملي، أنا على دين عليّ.

وقال الخوارزمي: وكان يرمي ويقول:

أرمي بها معلمة أفواقها

والنفس لا ينفعها اشفاقها

مسمومة يجري بها أخفاقها

لتملانّ أرضها رشاقها

ويقول:

أنا على دين عليّ ابن هلال الجملي

أضربكم بمنصلي تحت عجاج القسطل(199)

فلم يزل يرميهم حتّى فنيت سهامه، ثمّ ضرب إلى قائم سيفه فاستلّه، وحمل وهو يقول:

أنا الغلام اليمنيّ الجمليّ

ديني على دين حسين وعلي

إن أُقتل اليوم فهذا أملي

وذاك رأيي وألاقي عملي

فقتل ثلاثة عشر رجلا...(200).

قال الطبري:

خرج إليه رجل يقال له مزاحم بن حريث فقال: أنا على دين عثمان، فقال له: أنت على دين شيطان! ثمّ حمل عليه فقتله، فصاح عمرو بن الحجّاج بالناس: يا حمقى! أتدرون من تقاتلون؟ فرسان المصر، قوما مستميتين. لا يبرزنّ لهم منكم أحد! فانّهم قليل، وقلّ ما يبقون، واللّه لو لم ترموهم إلاّ بالحجارة لقتلتموهم. فقال عمر بن سعد: صدقت، الرأي ما رأيت. وأرسل إلى الناس يعزم عليهم إلاّ يبارز رجل منكم رجلا منهم.

قال: ودنا عمرو بن الحجّاج من أصحاب الحسين يقول: يا أهل الكوفة الزموا طاعتكم وجماعتكم ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الامام، فقال له الحسين: يا عمرو بن الحجّاج! أعليّ تحرّض الناس؟!

أنحن مرقنا، وأنتم ثبّتم عليه؟! أما واللّه لتعلمنّ لو قد قبضت أرواحكم ومتّم على أعمالكم، أيّنا مرق من الدين!

ومن هو أولى بصليّ النار!

وقال الطبري: فقتل اثني عشر من أصحاب عمر بن سعد سوى من جرح. قال: فضُرب حتّى كسرت عضداه وأُخذ أسيرا. قال: فأخذه شمر بن ذي الجوشن ومعه أصحاب له يسوقون نافعا حتى أُتِيَ به عمر بن سعد، فقال له عمر بن سعد: ويحك يا نافع! ما حملك على ما صَنعتَ بنفسك!؟ قال: انّ ربيّ يعلم ما أردت، قال:

والدماء تسيل على لحيته وهو يقول: واللّه لقد قتلت منكم اثني عشر سوى من جرحت وما ألوم نفسي على الجهد، ولو بقيت لي عضد وساعد ما أسرتموني، فقال له شمر: اقتله أصلحك اللّه، قال: أنت جئت به فإن شئت فاقتله، قال: فانتضى شمر سيفه، فقال له نافع: أما واللّه ان لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقى اللّه

بدمائنا، فالحمد للّه الّذي جعل منايانا على يدي شرار خلقه، فقتله. قال: ثمّ أقبل شمر يحمل عليهم وهو يقول:

خلّوا عداة اللّه خلّوا عن شمر

يضربهم بسيفه ولا يفرّ

وهو لكم صاب وسمّ ومقرّ

قال فلمّا رأى أصحاب الحسين انهم قد كُثِروا وأنهم لا يقدرون على أن يمنعوا حسينا ولا أنفسهم؛ تنافسوا في أن يُقتلوا بين يديه.


198ـ مقتل الخوارزمي 2 / 20.

199ـ مقتل الخوارزمي 2 / 14 ـ 15.

200ـ مقتل الخوارزمي 2 / 20 ـ 21.