مقتل حبيب بن مظاهر:

وحمل حبيب وهو يقول:

أقسم لو كنّا لكم أعدادا

أو شطركم وليتم أكتادا(197)

يا شرّ قوم حسبا وآدا

وجعل يقول يومئذ:

أنا حبيب وأبي مظاهر

فارس هيجاء وحرب تسعر

أنتم أعدّ عدّة وأكثر

ونحن أوفى منكم وأصبر

ونحن أعلى حجّة وأظهر

حقّا وأتقى منكم وأعذر

وقاتل قتالا شديدا فحمل عليه رجل من بني تميم فطعنه فوقع، فذهب ليقوم فضربه الحسين بن تميم على رأسه بالسيف فوقع، ونزل إليه التميمي فاحتز رأسه فقال له الحصين: انيّ لشريكك في قتله، فقال الاخر: واللّه ما قتله غيري، فقال الحصين: أعطنيه أعلّقه في عنق فرسي كيما يرى الناس ويعلموا أنّي شركت في قتله ثمّ خذه أنت بعد فامض به إلى عبيد اللّه بن زياد فلا حاجة لي في ما تعطاه على قتلك أيّاه، قال: فأبى عليه فاصلح قومه فيما بينهما على هذا، فدفع إليه رأس حبيب بن مظاهر فجال به في العسكر قد علّقه في عنق فرسه ثمّ دفعه إليه بعد ذلك، فلمّا رجعوا إلى الكوفة، أخذ الاخر رأس حبيب فعلّقه في لبان فرسه، ثمَّ أقبل به إلى ابن زياد في القصر، فبصر به ابنه القاسم ابن حبيب وهو يومئذ قد راهق، فاقبل مع الفارس لا يفارقه، كلّما دخل القصر دخل معه وإذا خرج خرج معه، فارتاب به فقال: مالك يا بنيّ تتبعني؟ قال: لا شيء، قال: بلى يا بنيّ أخبرني، قال له: انّ هذا الرأس الذي معك رأس أبي أفتعطينيه حتى أدفنه. قال يا بنيّ لا يرضى الامير أن يدفن، وأنا أريد أن يثيبني الامير على قتله ثوابا حسنا، قال له الغلام: لكنّ اللّه لا يثيبك على ذلك إلاّ أسوأ الثواب، أما واللّه لقد قتلت خيرا منك وبكى، فمكث الغلام حتّى إذا أدرك لم يكن له هِمّة إلاّ أتّباع أثر قاتل أبيه ليجد منه غرّة فيقتله بأبيه، فلمّا كان زمان مصعب بن الزبير، وغزا مصعب باجُميرا؛ دخل عسكر مصعب، فإذا قاتل أبيه في فسطاطه، فأقبل في طلبه والتماس غرّته، فدخل عليه وهو قائل نصف النهار فضربه بسيفه حتى برد.

ولمّا قتل حبيب بن مظاهر، هدّ ذلك حسينا، وقال: عند اللّه أحتسب نفسي وحماة أصحابي، قال فأخذ الحرّ يرتجز ويقول:

آليت لا أقتل حتى أقتلا

ولن أصاب اليوم إلاّ مقبلا

أضربهم بالسيف ضربا مقصلا

لا ناكلا عنهم ولا مهلّلا

وأخذ يقول أيضا:

أضرب في أعراضهم بالسيف

عن خير من حلّ مني والخيف

فقاتل هو وزهير بن القين قتالا شديدا فكان إذا شدّ أحدهما فان استلحم شدّ الاخر حتى يخلّصه، ففعلا ذلك ساعة، ثمّ انّ رجّالة شدّت على الحرّ بن يزيد فقتل، وقتل أبو ثمامة الصائدي ابن عمّ له كان عدوا له، ثمّ صلّوا الظهر، صل بهم الحسين صلاة الخوف.


197ـ أكتادا: أي جماعات.