أربعة استشهدوا في مكان واحد:

قال الطبري: وبرز عمر بن خالد وجابر بن الحارث السلماني، وسعد مولى عمر بن خالد، ومجمّع بن عبد اللّه العائذي فشدّوا مقدمين بأسيافهم على الناس وقاتلوا فلمّا وغلوا؛ عطف عليهم الناس، فأخذوا يحوزونهم، وقطعوهم من أصحابهم غير بعيد، فحمل عليهم العبّاس بن عليّ فاستنقذهم، فجاؤوا قد جرحوا فلمّا دنا منهم عدوّهم، شدّوا بأسيافهم فقاتلوا في أوّل الامر حتّى قتلوا في مكان واحد.

مقتل برير:

وروى الطبري عن عفيف بن زهير بن أبي الاخنس وكان قد شهد مقتل الحسين، قال: خرج يزيد بن معقل من بني عميرة بن ربيعة، وهو حليف لبني سليمة من عبد القيس، فقال: يا برير بن حضير! كيف ترى اللّه صنع بك؟ قال: صنع اللّه واللّه بي خيرا، وصنع اللّه بك شرا. قال: كذبت! وقبل اليوم ما كنت كذّابا! هل تذكر وانا اماشيك في بني لوذان، وأنت تقول: إن عثمان ابن عفّان كان على نفسه مسرفا وإنّ معاوية بن أبي سفيان ضالّ، مضلّ، وإنّ إمام الهدى والحقّ عليّ بن أبي طالب؟ فقال له برير: أشهد أنَّ هذا رأي وقولي، فقال له يزيد بن معقل: فانّي أشهد أنّك من الضالين! فقال له برير بن حضير: هل لك فلاباهلك ولندع اللّه أن يلعن الكاذب وان يقتل المبطل، ثمّ اخرج، فلابارزك؟

قال فخرجا فرفعا أيديهما إلى اللّه يدعوانه أن يلعن الكاذب، وان يقتل المحقُّ المبطلَ ثمّ برز كلّ واحد منهما لصاحبه، فاختلفا ضربتين فضرب يزيد ابن معقل برير بن حضير ضربة خفيفة لم تضّره شيئا، وضربه برير بن حضير ضربة قدّت المغفر وبلغت الدماغ، فخرّ كأنما هوى من حالق، وإن سيف ابن حضير لثابت في رأسه فكأنّي انظر إليه ينضنضه من رأسه، وحمل عليه رضيّ بن مُنقذ العبديّ، فاعتنق بريرا فاعتركا ساعة، ثمّ انَّ بريرا قعد على صدره فقال رضيّ: أين أهل المصاع والدفاع؟!

قال فذهب كعب بن جابر بن عمرو الازديّ ليحمل عليه، فقلت: انّ هذا برير بن حضير القارىء الذي كان يقرئنا القرآن في المسجد! فحمل عليه بالرمح حتى وضعه في ظهره، فلمّا وجد مسّ الرمح، برك عليه، فعضّ بوجهه، وقطع طرف أنفه فطعنه كعب بن جابر حتّى القاه عنه، وقد غيّب السنان في ظهره، ثمّ أقبل عليه يضربه

بسيفه حتّى قتله.

قال عفيف: كأنّي أنظر إلى العبديّ الصريع، قام ينفض التراب عن قبائه، ويقول: أنعمت عليّ يا أخا الازد نعمة لن أنساها أبدا.

قال: فقلت أنت رأيت هذا؟ قال: نعم رأي عيني وسَمْعَ أُذني، فلمّا رجع كعب بن جابر قالت له امرأته، أو اخته النّوار بنت جابر: أعنت على ابن فاطمة! وقتلت سيّد القرّاء! لقد أتيت عظيما من الامر، واللّه لا اكلّمك من رأسي كلمة أبدا، وقال كعب بن جابر:

سلي تخبري عنّي وأنت ذميمة

غداة حسين والرماح شوارع

ألم آت أقصى ما كرهت ولم يُخِلْ

عليَّ غداة الروع ما أنا صانع

معي يزنيُّ لم تخنه كعوبه

وأبيض مخشوب الغرارين قاطع

فجردته في عصبة ليس دينهم

بديني وانّي بابن حرب لقانع

ولم ترَ عيني مثلهم في زمانهم

ولا قبلهم في الناس إذ أنا يافع

أشدّ قراعا بالسيوف لدى الوغى

ألاّ كلُّ من يحمي الذمار مقارع

وقد صبروا للطعن والضرب حسرّا

وقد نازلوا لو أن ذلك نافع

فأبلغ عبيد اللّه أمّا لقيته

بأنّي مطيع للخليفة سامع

قتلتُ بريرا ثمَّ حملت نعمة

أبا منقذ لمّا دعا من يماصع

وروى عن عبد الرحمن بن جندب قال: سمعته في امارة مصعب بن الزبير وهو يقول: يا ربّ إنّا قد وفينا فلا تجعلنا يا ربّ كمن قد غدر! فقال له أبي: صدق ولقد وفى وكرم وكسبت لنفسك شرّا، قال: كلاّ انّي لم أكسب لنفسي شّرا ولكني كسبت لها خيرا، قال: وزعموا ان رضيّ بن منقذ العبديّ ردّ بعد على كعب بن جابر جواب قوله فقال:

لو شاء ربيّ ما شهدت قتالهم

ولا جعل النعماء عندي ابن جابر

لقد كان ذاك اليوم عارا وسبّة

يعيّره الابناء بعد المعاشر

فياليت أنّي كنت من قبل قتله

ويوم حسين كنت في رمس قابر