قال وحمل عمرو بن الحجّاج وهو على ميمنة الناس في الميمنة، فلمّا ان دنا من حسين، جثوا له على الركب، واشرعوا الرماح نحوهم، فلم تقدم خيلهم على الرماح فذهبت الخيل لترجع، فرشقهم أصحاب الحسين بالنبل، فصرعوا منهم رجالا، وجرحوا منهم آخرين.
قال: وقاتلهم أصحاب الحسين قتالا شديدا وأخذت خيلهم تحمل وإنَّما هم اثنان وثلاثون فارسا، وأخذت لا تحمل على جانب من خيل أهل الكوفة إلاّ كشفته، فلمّا رأى ذلك عزرة بن قيس وهو على خيل أهل الكوفة انّ خيله تنكشف من كلّ جانب بعث إلى عمر بن سعد، عبد الرحمن بن حصن، فقال: أما ترى ما تلقى خيلي منذ اليوم من هذه العدّة اليسيرة؟ ابعث إليهم الرجال والرماة، فقال لشبث بن ربعيّ: الاّ تقدم اليهم، فقال:
سبحان اللّه أتعمد إلى شيخ مصر وأهل المصر عامّة، تبعثه في الرماة لم تجد من تندب لهذا ويجزي عنك غيري؟!
قال: وما زالوا يرون من شبث الكراهة لقتاله، قال: وقال أبو زهير العبسيّ: فانا سمعته في امارة مصعب يقول:
لا يعطي اللّه أهل هذا المصر خيرا أبدا! ولا يسدّدهم لرشد، ألا تعجبون انّا قاتلنا مع عليّ بن أبي طالب ومع ابنه من بعده آل أبي سفيان خمس سنين، ثمّ عدونا على ابنه وهو خير أهل الارض نقاتله مع آل معاوية، وابن سميّة الزانية! ضلال يا لك من ضلال. قال: ودعا عمر بن سعد الحصين بن تميم فبعث معه المجُففَّة وخمسمائة من المرامية فأقبلوا حتّى إذا دنوا من الحسين وأصحابه، رشقوهم بالنبل فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم، وصاروا رجّالة كلّهم.
قال: وكان أيّوب بن مشرح الخيواني يقول: انا واللّه عقرت بالحرّ بن يزيد فرسه حشأته سهما فما لبث ان أرعد الفرس واضطرب وكبا، فوثب عنه الحرّ كأنَّه ليث والسيف في يده وهو يقول:
ان تعقروا بي، فأنا ابن الحر
أشجع من ذي لبد هزبر
قال: فما رأيت أحدا قطّ يفري فريه، قال: فقال له أشياخ من الحيّ: أنت قتلته، قال: لا واللّه ما أنا قتلته، ولكن قتله غيري وما أحبّ أنّي قتلته، فقال له أبو الودّاك: ولِمَ؟! قال: انّه كان زعموا من الصالحين فوَاللّه لئن كان ذلك اثما لان القى اللّه بإثم الجراحة والموقف احبّ إليّ من ألقاه بإثم قتل أحد منهم، فقال له أبو الودّاك: ما أراك إلاّ ستلقى اللّه باثم قتلهم أجمعين، أرأيت لو أنَّك رميت ذا فعقرت ذا، ورميت آخر ووقفت موقفا وكررت عليهم وحرّضت أصحابك وكثرت أصحابك، وحمل عليك فكرهت أن تفرّ، وفعل آخر من أصحابك كفعلك وآخر وآخر، كان هذا وأصحابه يقتلون. أنتم شركاء كلّكم في دمائهم! فقال له: يا أبا الودّاك! انّك لتقنِّطنا من رحمة اللّه؛ ان كنت وليّ حسابنا يوم القيامة فلا غفر اللّه لك ان غفرت لنا. قال هو ما أقول لك.