موعظة الحرّ لاهل الكوفة:

فاستقدم أمام أصحابه ثمّ قال: أيّها القوم! ألا تقبلون من حسين خصلة من هذه الخصال التي عرض عليكم فيعافيكم اللّه من حربه وقتاله؟ قالوا: هذا الامير عمر بن سعد فكلّمه، فكلّمه بمثل ما كلّمه به قبل، وبمثل ما كلّم به أصحابه، قال عمر: قد حرصت، لو وجدت إلى ذلك سبيلا فعلت، فقال: يا أهل الكوفة! لامّكم الهبل والعبر إذ دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه، وزعمتم انكم قاتلو أنفسكم دونه ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه، أمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كلّ جانب، فمنعتموه التوجّه في بلاد اللّه العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته، وأصبح في أيديكم كالاسير لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع ضرا، وحلاتموه ونساءه وأصَيْبِيَتَهُ وأصحابه

عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهوديّ والمجوسيّ والنصرانيّ، وتمرّغُ فيه خنازير السواد وكلابه، وهاهم قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمّدا في ذريتّه، لا سقاكم اللّه يوم الظمأ، ان لم تتوبوا وتنزعوا عمّا أنتم عليه من يومكم هذا، في ساعتكم هذه، فحملت عليه رجّالة لهم ترميه بالنبل، فأقبل حتى وقف أمام الحسين.

خطبة الحسين الثانية:

قال سبط ابن الجوزي: ثمّ ان الحسين عليه السلام ركب فرسه، وأخذ مصحفا ونشره على رأسه، ووقف بازاء القوم وقال: يا قوم! انّ بيني وبينكم كتاب اللّه وسنة جدي رسول اللّه (ص)(188)

وقال الخوارزمي: لمّا عبّأ ابن سعد أصحابه، فأحاطوا بالحسين من كلّ جانب حتّى جعلوه في مثل الحلقة، خرج الحسين من أصحابه فأتاهم فاستنصتهم، فابوا أن ينصتوا فقال لهم: ويلكم! ما علكيم أن تنصتوا إليّ فتسمعوا قولي! وإنّما أدعوكم إلى سبيل الرشاد! فتلاوم أصحاب عمر بن سعد، وقالوا: أنصتوا له، فقال:

تبّا لكم أيتّها الجماعة وترحا! أحين استصرختمونا والهين، فأصرخناكم موجفين، سللتم علينا سيفا لنا في ايمانكم، وحششتم علينا نارا اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم، فأصبحتم ألبا لاعدائكم على أوليائكم، بغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، فهلاّ لكم الويلات تركتمونا والسيف مشيم والجأش طامن، والرأي لما يستحصف، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدبا، وتداعيتم عليها كتهافت الفراش، ثمّ نقضتموها، فسحقا لكم يا عبيد الامة! وشذاذ الاحزاب، ونبذة الكتاب، ومحرّفي الكلم، وعصبة الاثم ونفثة الشيطان، ومطفئي السنن، ويحكم! أهؤلاء تعضدون، وعنّا تتخاذلون؟! أجل واللّه غدر فيكم قديم، وشجت عليه أصولكم، وتأزرت فروعكم، فكنتم أخبث ثمر، شجى للناظر وأكلة للغاصب!

ألا وإن الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين، بين السلّة، والذلّة وهيهات منا الذلّة، يأبى اللّه لنا ذلك، ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وانوف حميّة ونفوس أبيّة من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإنّي زاحف بهذه الاسرة على قلّة العدد وخذلان الناصر، ثمّ أنشد أبيات فروة بن مسيك المرادي(189):

فان نهزم فهزّامون قدما

وإن نهزم فغير مهزّمينا

وما إن طبّنا جبن ولكن

منايانا ودولة آخرينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا

سيلقى الشامتون كما لقينا

إذا ما الموت رفع عن أناس

بكلكله أناخ بآخرينا

أما واللّه لا تلبثون بعدها إلاّ كريثما يُركب الفرس، حتّى تدور بكم دور الرحى، وتقلق بكم قلق المحور، عهدْ عهدهُ إليّ أبي عن جدّي رسول اللّه ((فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة ثمّ اقضوا إلي ولا تنظرون، إني توكلت على اللّه ربيّ وربكم ما من دابّة إلاّ هو آخذ بناصيتها إنّ ربيّ على صراط مستقيم))(190).

ثمّ رفع يديه نحو السماء وقال: اللّهم احبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنين كسني يوسف، وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبرة، فانهم كذبونا وخذلونا وأنت ربنا عليك توكلنا وإليك

المصير(191).

واللّه لا يدع أحدا منهم إلاّ انتقم لي منه، قتلة بقتلة وضربة بضربة، وإنه لينتصر لي ولاهل بيتي وأشياعي(192).


188ـ تذكرة الخواص ص 252.

189ـ قال ابن حجر في الاصابة ج 3 ص 205، في ترجمة فروة بن مسيك: وفد على النبي (ص) سنة تسع مع مذحج واستعمله النبي على مراد ومذحج وزبيد، وفي الاستيعاب سكن الكوفة أيام عمر.

190ـ تاريخ ابن عساكر ح 670، وتهذيبه ج 2 ص 334، والمقتل للخوارزمي ج 2 ص 7 وقد ذكرا البيتين الاول والثاني ولم ينسباهما إلى أحد.

191ـ اللهوف ص 56 ط. صيدا، والمقتل للخوارزمي ج 2 ص 7.

192ـ راجع: مقتل العوالم ص 84.