خطبة الحسين الاولى:

قال: فلمّا دنا منه القوم دعا براحلته، فركبها، ثمّ نادى بأعلى صوته دعاء يُسْمِعُ جلّ الناس: أيها الناس!

اسمعوا قولي، ولا تعجلوني حتى أعظكم بما الحقّ لكم عليّ، وحتى اعتذر إليكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري وصدّقتم قولي وأعطيتموني النصف كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليّ سبيل، وان لم تقبلوا مني العذر ولم تعطوا النصف من أنفسكم، فأجمعوا أمركم وشركاءكم، ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة، ثمّ اقضوا إليَّ ولا

تنظرون، انّ وليّي اللّه الذي نزّل الكتاب، وهو يتولى الصّالحين(187).

قال: فلمّا سمع اخواته كلامه هذا، صحن وبكين وبكت بناته، فارتفعت أصواتهنّ، فأرسل إليهنّ أخاه العبّاس بن عليّ، وعليّا ابنه، وقال لهما أسكتاهنّ فلعمري ليكثرنّ بكاؤهنّ. فلمّا سكتن، حمد اللّه وأثنى عليه، وذكر اللّه بما هو أهله، وصلّى على محمّد صلّى اللّه عليه وعلى ملائكته وأنبيائه فذكر من ذلك ما اللّه أعلم، وما لا

يحصى ذكره، قال:

فوَاللّه ما سمعت متكلِّما قطّ قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه، ثمّ قال: أمّا بعد فانسبوني فانظروا من أنا، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم (ص) وابن وصيه وابن عمّه واوّل المؤمنين باللّه والمصدّق لرسوله بما جاء به من عند ربهّ؟ أوليس حمزة سيّد الشهداء عمّ أبي؟ أوليس جعفر الشهيد الطيّار ذو الجناحين عمّي؟ أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم: ان رسول اللّه (ص) قال لي ولاخي ((هذان سيّدا شباب أهل الجنّة))؟ فإن صدّقتموني بما أقول وهو الحق، واللّه ما تعمّدت كذبا مذ علمت انّ اللّه يمقت عليه أهله، ويضرّ به من اختلقه! وان كذّبتموني فانّ فيكم من ان سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد اللّه الانصاري، أو أبا سعيد الخدريّ، أو سهل بن سعد الساعدي، أو زيد بن أرقم، أو أنس ابن مالك، يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول اللّه (ص) لي ولاخي، أفما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟ فقال له شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد اللّه على حرف، ان كان يدري ما تقول، فقال له حبيب بن مظاهر: واللّه انّي لاراك تعبد اللّه على سبعين حرفا، وأنا اشهد انّك صادق ما تدري ما يقول، قد طبع اللّه على قلبك، ثمّ قال لهم الحسين: فإن كنتم في شكّ من هذا القول أفتشكّون أثرا ما انّي ابن بنت نبيّكم؟ فوَاللّه ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيّ غيري منكم ولا من غيركم. أنا ابن بنت نبيّكم خاصّة، اخبروني أتطلبونني بقتيل منكم قتلته؟ أو مال لكم استهلكته؟! أو بقصاص من جراحة؟

قال: فأخذوا لا يكلّمونه، قال: فنادى: يا شبث بن ربعيّ! ويا حجّار ابن أبجر! ويا قيس بن الاشعث! ويا يزيد بن الحارث! ألم تكتبوا إليّ أن قد أينعت الثمار، واخضرَّ الجناب وطمّت الجمام، وانّما تقدم على جند لك مجنَّدة، فأقبل؟! قالوا له: لم نفعل. فقال: سبحان اللّه! بلى واللّه لقد فعلتم!

ثمّ قال: أيّها الناس! إذ كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الارض، قال: فقال له قيس بن الاشعث: أو لا تنزل على حكم بني عمّك، فانّهم لن يروك إلاّ ما تحب، ولن يصل إليك منهم مفكروه، فقال له الحسين: أنت أخو خيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل! لا واللّه لا أعطيهم بيدي اعطاء الذليل، ولا أُقرُّ اقرار العبيد. انّي عذت بربّي وربكم أن ترجمون. أعوذ بربّي وربكم من كلِّ متكبر لا يؤمن بيوم الحساب. قال: ثمّ انّه أناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان فعقلها، وأقبلوا يزحفون نحوه.


187ـ رواها ابن نما في مثير الاحزان في اليوم السادس من المحرم وراجع الطبري ط. اوربا 2 / 229 ـ 230.