بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

(فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعوُنَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وأُولَئِكَ هُمْ أُولوا الالبَابِ).

الزمر / 17 ـ 18.

البحث الرابع

قيام الاِمام الحسين(ع) ضدّ الانحراف عن سنَّة

رسول اللّه(ص) بسبب الاجتهاد والعمل بالرأي

المدخل

حال المسلمين قبل قيام الاِمام الحسين(ع)

ذكرنا في ما سبق كيف اجتهد الخلفاء بعد رسول اللّه في أحكام الاسلام حكما بعد حكم بما رأوا فيه مصلحة عامّة أو مصلحة خاصّة ممّا حفلت بذكره كتب الخلاف وأوردنا بعضها في ما سبق، وإلى جانب ذلك وجّه المسلمون توجيها خاصّا إلى تقديس مقام الخليفتين أبي بكر وعمر خاصة بحيث أصبح مستساغا لدى عامّتهم أن يشترط في البيعة بعد الخليفة عمر: العمل بكتاب اللّه وسنّة نبيّه وسيرة الشيخين، وبذلك أقرّ المسلمون أن تكون سيرة الشيخين في عداد كتاب اللّه وسنة نبيّه، مصدرا للتشريع في المجتمع الاسلامي، واستمرّ الامر كذلك حتى إذا جاء إلى الحكم الامام علي(ع) بقوة الجماهير بعد عثمان، لم يستطع أيضا أن يعيد إلى المجتمع الاحكام الاسلامية الّتي اجتهد فيها الخلفاء، وتعالت صيحات: وا سنّة عمراه، من جيشه عندما نهاهم عن إقامة صلاة النافلة جماعة في شهر رمضان، ولم يرضوا بسنّة الرسول بديلا عن سنّة عمر في هذا الحكم، ذلك لان الجماهير المسلمة عندما بايعته لم تكن تدرك أنّه مخالف في أتّجاهه في الحكم سيرة الشيخين، وهذا ما كان يحاول معاوية جاهدا أن ينبّه الجماهير الاسلامية اليه ليثوروا عليه. والامام إن لم يستطع أن يعيد إلى المجتمع الاحكام الاسلامية الّتي جاء بها الرسول بديلا عن اجتهادات الخلفاء، فقد استطاع هو وثُلّة من صحبه أن ينشروا بين المسلمين من حديث الرسول ماكان محظورا نشره قبل ذاك. فأنتجت هذه النهضة من الامام عليّ وجماعته في نشر الحديث المحظور عن الرسول، تيّارا فكريا مخالفا لما ألفه المسلمون زهاء خمس وعشرين سنة مدّة حكومة الخلفاء الثلاثة قبله، وهذا ماأشار اليه سليم بن قيس حين قال لامير المؤمنين:

((أني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئا من تفسير القرآن وأحاديث عن نبيّ اللّه(ص) أنتم تخالفونهم فيها، وتزعمون أن ذلك كلّه باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول اللّه متعمّدين ويفسّرون القرآن برأيهم...؟)).

كان ما سمعه سليم من سلمان وأبي ذر والمقداد وليس غيرهم قبل هذا، بتكتّم، وأتمان على سرّ ثمّ سمعه بعد ذلك من أمير المؤمنين وصحبه جهارا وفي غير سرٍّ من قبل مناشدة أمير المؤمنين الركبان في رحبة مسجد الكوفة: من سمع النبىٍّّ يقول في غدير خم: (من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه) فليشهد. فقام اثنا عشر بدريا

وشهدوا بذلك، وما كشفه عن واقع الامر في خطبته الشقشقية حين قال:

((أما واللّه لقد تقمّصها فلان ـ إبن أبي قحافة ـ وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحى، ينحدر عنّي السيل ولا يرقى إليّ الطير، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربّه ، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذىً وفي الحلق شجىً، أرى تراثي نهبا حتّى مضى الاول لسبيله فأدلى إلى فلان بعده.

شتّان ما يومي على كورهاويوم حيّان أخي جابر فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لاخر بعد وفاته، لشدّ ما تشطّرا ضرعيها، فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلامها، ويخشن مسُّها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصّعبة؛ إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحَّم، فمني النّاس ـ لعمر اللّه ـ بخط وشماس وتلوُّن واعتراض؛ فصبرت على طول المدَّة وشدَّة المحنة؛ حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنّي أحدهم، فيا للّه وللشورى! متى اعترض الريب فيَّ مع الاوّل منهم حتّى صرت أقرن إلى هذه النظائر!! لكنّي أسففت اذ أسفّوا، وطرت إذ طاروا؛ فصغى رجل منهم لضغنه، ومال الاخر لصهره، معن هن وهن إلى أن أقام ثالث القوم حضتيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال اللّه خضمة الاِبل نبتة الرّبيع، إلى أن انتكث فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته،

فما راعني إلاّ والنّاس كعرف الضّبع إليَّ ينثالون عليّ من كلّ جانب؛ حتّى لقد وطىء الحسنان، وشقّ عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم. فلمّا نهضت بالامر نكثت طائفة، ومرقت أُخرى، وقسط آخرون... الخطبة(1).

ومثل قوله: قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول اللّه(ص) متعمِّدين لخلافة، ناقضين لعهده مغيّرين لسنّته، ولو حملت الناس على تركها، وحوّلتها إلى مواضعها، وإلى ماكانت عليه في عهد رسول اللّه(ص)، لتفرّق عنّي جندي حتّى أبقى وحدي، أو قليل من شيعتي الّذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب اللّه عزّوجّل وسنّة رسول اللّه(ص).


1. روضة الكافي، ص 59، ط. الثانية سنة 1389 هـ، دار الكتب الاسلامية بطهران.