الامام يخبر الناس بقتل مسلم ويحلهم من بيعته
قال الطبري وغيره: كان الحسين لا يمرّ بأهل ماء إلاّ اتّبعوه حتى انتهى إلى زبالة وفيها جاءه خبر قتل ابن زياد عبد اللّه بن يقطر ـ وكان قد سرَّحه إلى أهل الكوفة ـ فأخرج الحسين(ع) للناس كتابا فقرأه علهيم:
بسم اللّه الرحمن الرحيم أمّابعد، فانّه قد أتانا خبر فظيع، قتل مسلم بن عقيل وهانىء بن عروة، وعبد اللّه بن يقطر، وقد خذلتنا شيعتنا فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف ليس عليه منّا ذمام، فتفرّق الناس عنه يمينا وشمالا حتّى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة وانّما فعل ذلك لانّه ظنّ انّما اتبعه الاعراب لانّهم ظنوا انّه يأتي بلدا استقامت له طاعة أهله فكره أن يسيروا معه ألاّ وهم يعلمون على ما يقدمون وقد علم أنّهم إذا بينَّ لهم لم يصحبه الا من يريد مواساته.
رجل من بني عكرمة:
قال الراوي: فلما كان من السحر أمر فتيانه فاستقوا الماء وأكثروا، ثم سار حتى نزل ببطن العقبة(157)، وفي هذا المكان لقيه رجل من بني عكرمة فسأله: أين تريد؟ فحدّثه الحسين فقال له: انّى ٍّأنشدك اللّه لما انصرفت، فو اللّه لا تقدم إلاّ على الاسنَّة وحدّ السيوف، فان هؤلاء الّذين بعثوا اليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال
ووطّأوا لك الاشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأيا، فاما على هذه الحال التي تذكرها فاني لا أرى لك ان تفعل. فقال له: يا عبد اللّه، انّه ليس يُخفى عليَّ، الرأي ما رأيت، ولكن اللّه لا يُغلبُ على أمره(158).
وفي الاخبار الطوال: واخبره بتوطيد ابن زياد الخيل ما بين القادسية إلى العذيب رصدا له ـ وفي لفظه ـ فلا تتكلن على الّذين كتبوا لك؛ فانّ أولئك أوّل الناس مبادرة إلى حربك... الحديث(159).
وفي رواية ثمّ قال: واللّه لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلّط اللّه عليهم من يذلّهم حتى يكونوا أذلّ فرق الامم(160).
نذير آخر:
وفي تاريخ ابن عساكر وابن كثير قال الراوي: رأيت أخبية مضروبة بفلاة من الارض، فقلت: لمن هذه؟
قالوا: هذه لحسين. قال: فأتيته فإذا شيخ يقرأ القرآن والدموع تسيل على خدّيه ولحيته، قلت: بأبي وأُمي يا ابن رسول اللّه! ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحد! فقال: هذه كتب أهل الكوفة اليَّ، ولا أراهم إلاّ قاتليَّ، فاذا فعلوا ذلك لم يدعوا للّه حرمة إلاّ انتهكوها، فيسلط اللّه عليهم من يذّلهم حتّى يكونوا أذلّ من فَرَمِ الامَةِ ـ يعني مقنعتها ـ(161).
ويبدو من مقارنة الروايات بعضها ببعض انّ الامام كان قد أخبر بأنهم سيقتلونه ويذلّهم اللّه ويسلطعليهم، في محاورته مع ثلاثة أشخاص وفي ثلاثة أماكن.
وكذلك كان يكرّر التصريح بأمثال هذه الاقوال. قال علي بن الحسين: خرجنا مع الحسين(ع) فما نزل منزلا ولا ارتحل منه إلاّ ذكر يحيى بن زكريّا ومقتله، وقال يوما: ومن هوان الدنيا على اللّه انّ رأس يحيى بن زكريّا أهدي إلى بغيّ من بغايا بني اسرائيل(162).
157. الطبري 6 / 226، وأنساب الاشراف ص 168، وابن كثير 8 / 168 ـ 169، وقد تخيرت لفظ الطبري في هذا الخبر
وما قبله إلاّ ما ذكرت مصدره، والعقبة أيضا من منازل الطريق.
158. الطبري 6 / 226، وابن الاثير 3 / 17 ـ 18، وابن كثير 8 / 168 ـ 171.
159. الاخبار الطوال ص 248.
160. ارشاد المفيد ص 206، وقد روي كلام الحسين هذا أيضا غيره ولم يذكروا أين خطب، مثل الطبري في 6 / 223، وابن الاثير 3 / 16، وابن كثير 8 / 169، وفي لفظهما ((حتى يكونوا أذل من فرام الامة)) أو فرمة الامة، قال ابن الاثير بعده ((والفرام خرقة تجعلها المرأة في قبلها إذا حاضت)) وطبقات ابن سعد ح 268.
161. تاريخ ابن عساكر ح 665، وتاريخ الاسلام للذهبي 2 / 345 وفي هامشه (فَرَم الامة أي خرقة حيضها))، وتاريخ ابن
كثير
8 / 169.
162. ارشاد المفيد ص 236، واعلام الورى ص 218.