ارسال مسلم بن عقيل الى الكوفة
وهكذا تلاقت الرسل وتكدّست الكتب لديه فكتب الامام في جوابهم:
الى الملا من المؤمنين والمسلمين. أمّا بعد... قد فهمت كلّ الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جلّكم أنّه ليس علينا امام فاقبل لعلّ اللّه أن يجمعنا بك على الهدى والحق، وقد بعثت اليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أن يكتب اليّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فان كتب إليّ انه قد اجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت عليّ به رسلكم وقرأت في كتبكم، أقدم عليكم وشيكا انْ شاء اللّه فلعمري ما الامام إلاّ العامل بالكتاب، والاخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات اللّه. والسلام(112).
وأرسل اليهم مسلم بن عقيل(113)، فأقبل حتّى دخل الكوفة، فاجتمع اليه الشيعة واستمعوا الى كتاب الحسين وهم يبكون، وبايعه ثمانية عشر ألفا(114).
فكتب مسلم بن عقيل الى الحسين:
أمّا بعد فإنّ الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفا، فعجّل الاقبال حين يأتيك كتابي، فانّ الناس كلّهم معك ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى والسلام(115).
وفي رواية بايع مسلم بن عقيل خمسة وعشرون ألفا.
وفي رواية أُخرى أربعون ألفا(116).
قال المؤلف ولعل أهل الكوفه استمروا على البيعه لمسلم بعد ارساله الكتاب الى الامام الحسين حتى بلغوا خمسة وعشرين او اربعين الفا .
قال الطبري: اجتمع ناس من الشيعة بالبصرة وتذاكروا أمر الحسين، والتحق بعضهم به وسار معه حتى استشهد، وكتب اليهم الحسين يستنصرهم(117).
قال: وعزل يزيد نعمان بن بشير عن ولاية الكوفة ووليّ عبيداللّه بن زياد عليها(118) بالاضافة الى ولايته على البصرة، وكتب إليه ان يطلب مسلم بن عقيل حتى يقتله فقدم الكوفة وتتبع الشيعة، فثار عليه مسلم بن عقيل، وخذله من بايعه من أهل الكوفة وبقي وحيدا يحارب جنود ابن زياد، فضرب بسيف قطع شفته العليا
ونصلت ثناياه وأخذوا يرمونه بالحجارة من فوق البيوت، ويلهبون النار في أطناب القصب ثم يقلبونها عليه، فتقدّم اليه محمّد بن الاشعث وقال: لك الامان لا تقتل نفسك، وكان قد أثخن بالحجارة وعجز عن القتال وانبهر وأسند ظهره الى جنب الدار. فدنا منه ابن الاشعث فقال: لك الامان قال: آمن أنا؟ قال: نعم. وقال القوم: أنت آمن. فقال: أما لو لم تؤمنوني ما وضعت يدي على أيديكم فاجتمعوا حوله وانتزعوا سيفه من عنقه فقال: هذا أوّل الغدر! أين أمانكم؟ ثمّ أقبل على ابن الاشعث وقال له: إنّي أراك واللّه ستعجز عن أماني فهل عندك خير؟ تستطيع أن تبعث من عندك رجلا على لساني يبلغ حسينا فانّي لا أراه إلاّ قد خرج اليكم اليوم مقبلا أو هو
خارج غدا وأهل بيته، وان ما ترى من جزعي لذلك فيقول: انّ ابن عقيل بعثني اليك وهو في أيدي القوم أسير لا يرى أن يمسي حتى يقتل، ارجع بأهل بيتك ولا يغرّك أهل الكوفة فإنَّهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل، انّ أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لمكذوب رأي. فقال الاشعث: واللّه لافعلنّ
ولاُعلمن ابن زياد انّي قد أمنتك.
وادخل مسلم على ابن زياد على تلك الحالة، وجرت بينهما محاورة فقال له ابن زياد: لعمري لتقتلنّ.
قال: كذلك؟ قال: نعم. قال: فدعني أوص الى بعض قومي. فنظر الى جلساء عبيد اللّه وفيهم عمر بن سعد. فقال: يا عمر! انّ بيني وبينك قرابة ، ولي اليك حاجة، وقد يجب لي عليك نجح حاجتي وهو سرُّ، فأبى أن يمكّنه من ذكرها. فقال له عبيد اللّه: لا تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمّك، فقام معه فجلس حيث ينظر اليه ابن زياد فقال له: انّ عليّ بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الكوفة سبعمائة درهم فاقضها عنّي، وانظر جثّتي فاستوهبها من ابن زياد فوارها، وابعث الى حسين من يردّه فانّي قد كتبت اليه أعلمه انّ الناس معه ولا أراه إلاّ مقبلا. فأخبر ابن سعد ابن زياد بما قال مسلم فقال ابن زياد: انّه لا يخونك الامين ولكن قد يؤتمن الخائن، وأمر بمسلم أن يصعد به فوق القصر ويضرب عنقه. فقال لابن الاشعث: أما واللّه لولا أنّك أمنتني ما استسلمت. قم بسيفك دوني فقد أخفرت ذمتك. فصعد به وهو يكبّر ويستغفر ويصلّي على ملائكة اللّه ورسله ويقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرّونا وكذبونا وأذلّونا. واشرف به وضربت عنقه وأتبع جسده رأسه.
وأمر ابن زياد بهانىء ب عروة فاخرج الى السوق فضربت عنقه، وأرسل ابن زياد برأسيهما مع كتاب الى يزيد، فكتب اليه يزيد: أمّا بعد فانّك لم تعد ان كنت كما أحبّ، علمت عمل الحازم، وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش، فقد أغنيت وكفيت وصدّقت ظني بك ورأيي فيك... الكتاب(119).
112. الطبري 6 / 198، والاخبار الطوال للدينوري 238.
113. الطبري 6 / 198.
114. الطبري 6 / 221، ومثير الاحزان ص 21، واللهوف ص 10.
115. الطبري 6 / 211.
116. تاريخ ابن عساكر 649.
117. الطبري 6 / 198 ـ 200.
118. الطبري 6 / 199 ـ 215.
119. الطبري 6 / 199 ـ 215، وارشاد المفيد 199 ـ 200.