مسير الامام الحسين(ع) الى مكّة المكرّمة

وروى الطبري والمفيد: أنّ الوليد أرسل الى ابن الزبير بعد خروج الحسين فطاوله حتى خرج في جوف الليل الى مكّة وتنكّب الطريق، فلمّا أصبحوا سرَّح في طلبه الرجال فلم يدركوه فرجعوا وتشاغلوا به عن الحسين(ع) فلمّا أمسوا، أرسل الى الحسين فقال لهم: اصبحوا ثم ترون ونرى، فكفوا عنه فسار من ليلته الى مكة وهو يتلو (فخرج منها خائفا يترقّب قال ربّ نجني من القوم الظالمين) وأبى أن يتنكب الطريق الاعظم مثل ابن الزبير(105).

وفي تاريخ الطبري وغيره، أنّ عبد اللّه بن عمر التقى بالحسين وابن الزبير في الطريق فقال لهما: اتّقيا اللّه ولا تفرّقا جماعة المسلمين(106).

ولقي الحسينَ ـ أيضا ـ عبد اللّه بن مطيع، فقال له: جُعلت فداك اين تريد؟ قال: أمّا الان فمكة وأمّا بعد فانّي استخير اللّه. قال: خارَ اللّه لك وجعلنا فداءك، فاذا أتيت مكّة فإيّاك أن تقرب الكوفة فإنّها بلدة مشؤومة؛ بها قتل أبوك وخذل أخوك واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه. الزم الحرم فانّك سيّد العرب لا تعدل بك أهل الحجاز أحدا، ويتداعى اليك الناس من كلّ جانب. لا تفارق الحرم فداك عمّي وخالي فوَ اللّه لئن هلكت لنسترقنّ بعدك.

وسار الحسين حتى دخل مكّة يوم الجمعة لثلاث مضين من شعبان وهو يقرأ: ( ولمّا توجه تلقاء مدين، قال عسى ربّي أن يهدين سواء السبيل)، ودخل ابن الزبير مكّة ولزم الكعبة، يصلّي عندها عامّة النهار، ويطوف ويأتي حسينا في من يأتيه، ويشير عليه بالرأي، وهو أثقل خلق اللّه على ابن الزبير، قد عرف انّ أهل الحجاز لا يبايعونه أبدا ما دام الحسين بالبلد، وأنّه أعظم في أعينهم وأنفسهم منه، وأطوع في الناس منه(107).

فأقبل أهلها يختلفون اليه ويأتيه المعتمرون وأهل الافاق(108).

وفيهذه السنة عزل يزيد الوليد وولىّ على الحرمين عمرو بن سعيد(109)، وبلغ أهل الكوفة موت معاوية وامتناع الحسين وابن الزبير وابن عمر عن البيعة؛ فاجتمعوا وكتبوا اليه كتابا واحدا... أمّا بعد: فالحمد للّه الذي قصم عدوّك الجبّار العنيد الذي انتزى على هذه الامّة فابتزها أمرها وتآمر عليها بغير رضى منها... فبعدا له كما بعدت ثمود. انّه ليس علينا امام فأقبل لعلّ اللّه أن يجمعنا بك على الحقّ، والنعمان بن بشير ـ الوالي ـ في قصر الامارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا عيد، ولو قد بلغنا أنّك قد أقبلت أخرجناه حتى نلحقه بالشام...

وبعثوا بالكتاب مع رجلين فأغذّا السير حتى قدما على الامام الحسين لعشر مضين من شهر رمضان. ثمّ مكثوا يومين وسرّحوا اليه ثلاثة رجال معهم نحو من ثلاث وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين والاربعة، ثمّ لبثوا يومين آخرين وأرسلوا رسولين وكتبوا معهما... الى الحسين بن علي من شيعته المؤمنين والمسلمين، أمّا بعد فحيّ هلا فإنّ الناس ينتظرونك ولا رأي لهم في غيرك، فالعجل العجل والسلام عليك.

وكتب اليه رؤوس من رؤساء الكوفة كتابا ورد فيه: فأقدم على جند لك مجنّدة والسلام عليك(110).

وفي رواية الطبري: كتب اليه أهل الكوفة ((أنّه معك مائة ألف))(111).


105. تاريخ الطبري 6 / 190، وارشاد المفيد ص 184.

106. تاريخ الطبري 6 / 191.

107. تاريخ الطبري 6 / 196 ـ 197.

108. الطبري 6 / 196.

109. الطبري 6 /191.

110. الطبري 6 / 197، وراجع أنساب الاشراف ص 157 ـ 158.

111. الطبري 6 / 221، ومثير الاحزان ص 16.