سبب استشهاد الامام الحسين(ع)

ينبغي أن نبحث في هذا المقام في أمرين:

أ ـ قاتل الامام الحسين لماذا أقدم على قتله؟

ب ـ الامام الحسين لماذا اختار القتل؟

لقد روى الطبري وغيره واللفظ للطبري(89) في بيان ذلك وقال: بويع ليزيد ابن معاوية بالخلافة بعد وفاة أبيه في رجب سنة ستين وأمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ولم يكن ليزيد هِمَّةٌ ـ حين ولي ـ إلاّ بيعة النفر الذين أبوا على معاوية الاجابة الى بيعة يزيد حين دعا الناس الى بيعته وانّه ولي عهده بعده والفراغ من أمرهم، فكتب الى الوليد يخبره بموت معاوية، وكتب اليه في صحيفة كأنّها أذُن فأرة: أمّا بعد. فخذ حسينا وعبد اللّه بن عمر، وعبد اللّه بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام.

فأشار عليه مروان أن يبعث اليهم في تلك الساعة ويدعوهم الى البيعة والدخول في الطاعة، فان فعلوا قبل منهم وكفّ عنهم، وان أبوا قدّمهم فضرب أعناقهم فإنّهم ان علموا بموت معاوية وثب كل منهم في جانب وأظهر الخلاف والمنابذة، ودعا الى نفسه، عدا ابن عمر فانّه لا يرى القتال الا أن يدفع الامر اليه عفوا.

فأرسل الوليد عبد اللّه بن عمرو بن عثمان الى الحسين وابن الزبير يدعوهما فوجدهما في المسجد فدعاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس. فقالا: انصرف، الان نأتيه. فقال: حسين لابن الزبير: أرى طاغيتهم قد هلك فبعث الينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر. فقال: وأنا ماأظنّ غيره. فقام الحسين وجمع اليه مواليه وأهل بيته وسار الى باب الوليد وقال لهم: إنّي داخل فأن دعوتكم او سمعتم صوته قد علا فأقتحموا علي، وإلاّ فلا تبرحوا حتى أخرج اليكم، فدخل على الوليد ومروان جالس عنده فأقرأه الوليد كتاب ودعاه الى البيعة، فاسترجع الحسين وقال: انّ مثلي لا يعطي بيعته سرا ولا أراك تجتزىء بها منّي سرا دون أن

تظهرها على رؤوس الناس علانية، قال: أجل. قال: فإذا خرجت الى الناس فدعوتهم الى البيعة دعوتنا مع الناس فكان أمرا واحدا. فقال له الوليد، وكان يحبّ العافية: انصرف على اسم اللّه، فقال له مروان: واللّه لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها حتّى تكثر القتلى بينكم وبينه؛ احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتّى يبايع أو تضرب عنقه. فوثب عند ذلك الحسين، فقال: يا ابن الزرقاء(90)! أنت تقتلني أم هو؟

كذبت واللّه وأثمت(91).

وفي تاريخ ابن أعثم، ومقتل الخوارزمي ومثير الاحزان(92)، واللهوف، واللفظ للاخير(93)، كتب يزيد الى الوليد يأمره بأخذ البيعة على أهلها عامّة وخاصّة على الحسين(ع) ويقول له: إن أبى عليك فاضرب عنقه، ثم أوردوا الخبر نظير ما ذكره الطبري الى قولهم، فغضب الحسين وقال: ويلي عليك يا ابن الزرقاء أنت تأمر

بضرب عنقي؟ كذبت ولؤمت، نحن أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ويزيد فاسق شارب الخمر وقاتل النفس ومثلي لا يبايع مثله.

قال الطبري: فقال: له الوليد ـ وكان يحبّ العافية ـ: انصرف عل اسم اللّه. وفي الرواية الاولى: فلمّا أصبح الحسين لقيه مروان فقال أطعني ترشد، قال: قل، قال: بايع أمير المؤمنين يزيد فهو خير لك في الدارين. فقال الحسين: ((إنّا للّه وإنّا إليه راجعون))(94) وعلى الاسلام السلام اذ قد بليت الامّة براع مثل يزيد(95).

امّا ابن الزبير فانّهم الحوا عليه وتعلّل ولم يحضر دار الوليد، وبعث الوليد الى عبد اللّه بن عمر فقال: بايع ليزيد. فقال: اذا بايع الناس بايعت، فانتظر حتى جاءت البيعة من البلدان فتقدّم الى الوليد فبايعه(96).

وفي رواية: أنّ الحسين خرج من منزله بعد ذلك وأتى قبر جدّه فقال: السلام عليك يا رسول اللّه أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك وسبطك والثقل الذي خلّفته في أمّتك، فاشهد عليهم يا نبي اللّه انّهم قد خذلوني وضيّعوني ولم يحفظوني، وهذه شكواي اليك حتى ألقاك صلّى اللّه عليك.

ثمّ صفّ قدميه فلم يزل راكعا ساجدا(97) الى الفجر.

وفي رواية أُخرى: فصلّى ركعات فلمّا فرغ من صلاته جعل يقول: اللهم هذا قبر نبيّك محمّد(ص) وأنا ابن بنت نبيّك وقد حضرني من الامر ما قد علمت، اللهم إنّي أحبّ المعروف وأُنكر المنكر وإنّي أسألك ياذا الجلال والاكرام بحق هذا القبر ومن فيه الاّ اخترت من أمري ما هو لك رضى ولرسولك رضى وللمؤمنين رضى، ثمّ جعل يبكي عند القبر حتى اذا كان قريبا من الصبح وضع رأسه على القبر فأغفى فإذا هو برسول اللّه قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وشماله وبين يديه ومن خلفه فجاء وضمّ الحسين الى صدره وقبّل بين عينه وقال ((حبيبي يا حسين كأنّي أراك عن قريب مرمّلا بدمائك، مذبوحا بأرض كربلاء، بين عصابة من أمّتي، وأنت في ذلك عطشان لا تسقى، وظمآن لا تروى، وهم في ذلك يرجون شفاعتي، مالهم لا أنالهم اللّه شفاعتي. مالهم لا أنالهم اللّه شفاعتي يوم القيامة، وما لهم عند اللّه من خلاق، حبيبي يا حسين! انّ أباك وأمّك وأخاك قدموا عليّ وهم اليك مشتاقون، وانّ لك في الجنّة لدرجات لن تنالها إلاّ بالشهادة(98). الحديث.

وذهب الى قبر أمّه وأخيه وودّعهما(99).

وروى عمر بن على الاطرف وقال:

لمّا امتنع أخي الحسين(ع) عن البيعة ليزيد بالمدينة دخلتُ عليه فوجدته خاليا، فقلت له: جُعلت فداك يا أبا عبد اللّه: حدّثني أخوك أبو محمّد الحسن عن أبيه(ع). ثم سبقتني الدمعة، وعلا شهيقي، فضمّني إليه، وقال:

أحدّثك أنّي مقتول؟ فقلت: حوشيت با ابن رسول اللّه. فقال: سألتك بحق أبيك، بقتلي خبّرك أبي؟ فقلتُ نعم، فلولا تأوّلت وبايعت. فقال: حدّثني أبي: انّ رسول اللّه(ص) أخبره بقتله وقتلي وأنّ تربتي تكون بقرب تربته، فتظنّ أنك علمت ما لم أعلمه؟! وانّي لا أعطي الدنية من نفسي أبدا، ولتلقينّ فاطمة أباها شاكية ما لقيت

ذريّتها من أمّته ولا يدخل الجنّة أحد آذاها في ذريتها(100).

كان حكّام ذلك العصر وأشياعهم قد اعتادوا على تسمية تغيير أحكام اللّه بالتأويل ـ كما شرحناه في بحث الاجتهاد ـ حتّى أصبح المتبادر الى الذهن من لفظ التأويل هو التغيير، وأصبح ذلك شائعا وسائغا، ومن ثمّ كان معاصرو الامام الحسين(ع) الذين بلغهم نبأ استشهاد الحسين في العراق عن رسول اللّه يلحّون على الامام

الحسين أن يؤول قضاء اللّه هذا، أي يغيّره بعدم ذهابه الى العراق ،وبعضهم كان يضيف الى ذلك طلبه من الامام أن يؤوله بالبيعة، أي يغيّره بالبيعة، وهذا ما عناه عمر بن علي بقوله: (فلولا تأوّلت وبايعت) أي فلولا أوّلت قضاء اللّه بقتلك ببيعتك، وكذلك كان قصد محمّد بن الحنفية في ما حاور أخاه الحسين وان لم يصرّح به.

كما روى الطبري والمفيد وغيرهما واللفظ للمفيد: انّ محمّد بن الحنفية قال للحسين(ع) لمّا عزم على الخروج من المدينة: يا أخي أنت أحبّ الناس إلىّ وأعزّهم عليّ ولست أدّخر النصيحة لاحد من الخلق، إلاّ لك وأنت أحقّ بها تنحّ ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الامصار ما استطعت، ثمّ ابعث رسلك الى الناس فادعهم الى نفسك فان بايعك الناس وبايعوا لك حمدت اللّه على ذلك، وان اجتمع الناس على غيرك لم ينقص اللّه بذلك دينك ولا عقلك، ولا تذهب به مروءتك ولا فضلك انّي أخاف عليك أن تدخل مصرا من هذه الامصار فيختلف الناس بينهم فمنهم طائفة معك وأُخرى عليك فيقتتلون فتكون لاوّل الاسنّة غرضا، فاذا خير هذه الامّة كلها نفسا وأبا وأما أضيعها دما وأذلها أهلا. فقال له الحسين(ع): فاين أذهب ياأخي؟ قال: انزل مكّة فان اطمأنَّت بك الدار بها فسبيل ذلك، وان نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد الى بلد

حتى تنظر الى ما يصير أمر الناس إليه، فاّنك أصوب ما تكون رأيا حين تستقبل الامر استقبالا(101).

وفي فتوح ابن أعثم ومقتل الخوارزمي بعده: فقال: له الحسين: يا أخي: واللّه لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية أبدا، وقد قال(ص): اللهم لا تبارك في يزيد. فقطع محمد بن الحنفية الكلام وبكى، فبكى معه الحسين ساعة ثمّ قال: جزاك اللّه يا أخي عنِّي خيرا لقد نصحت وأشرت بالصواب، وأنا أرجو أن يكون ان شاء اللّه رأيك موفّقا مسدّدا، واني قد عزمت على الخروج الى مكة، وقد تهيّأت لذلك أنا واخوتي وبنو اخوتي وشيعتي وأمرهم أمري ورأيهم رأيي وأما أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لي عينا عليهم، ولا تخف عليّ شيئا من أمورهم. ثمّ دعا بدواة وبياض وكتب(102) هذه الوصية لاخيه

محمّد.


89. الطبري، باب خلافة يزيد بن معاوية 6 / 188.

90. قال ابن الاثير في تاريخه الكامل 4 / 160 ط. أوربا وكان يقال له ـ أي لمروان ـ ولولده: بنو الزرقاء. ويقول ذلك من يريد ذمّهم وعيبهم وهي الزرقاء بنت موهب جدّة مروان بن الحكم لابيه وكانت من ذوات الرايات التي يُستَدَل بها على بيوت البغاء فلهذا كانوا يذمون بها، وقال البلاذري: اسمها مارية ابنة موهب وكان قينا، أنساب الاشراف 5 / 126.

91. الطبري 6 / 190.

92. مثير الاحزان، لابن نما: نجم الدين محمد بن جعفر بن أبي البقاء (ت: 645 هـ)ط. المطبعة الحيدرية في النجف سنة 1369 هـ ص 14 ـ 15.

93. اللهوف في قتل الطفوف ط. مكتبة الاندلس بيروت ص 9 ـ 10، تأليف علي بن موسى ابن جعفر بن طاووس الحسيني (ت: 614 هـ)، وفتوح ابن أعثم 5 / 10، ومقتل الخوارزمي 1 / 180 ، 185.

94. لم أجد الاسترجاع في اللهوف.

95. مثير الاحزان ص 14 ـ 15، اللهوف ص 9 ـ 10، وفتوح ابن أعثم ومقتل الخوارزمي.

96. الطبري 6 / 190 ـ 191.

97. مقتل الخوارزمي 1 / 186.

98. فتوح ابن أعثم 5 / 29، ومقتل الخوارزمي 1 / 187.

99. اللهوف، ص 11.

100. اللهوف، ص 11.

101. ارشاد الشيخ المفيد ص 183.

102. الفتوح لابن أعثم 5 / 32 ـ 33.