الامام الحسين(ع) امتنع من بيعة يزيد

فكيف كان يزيد في أفعاله وأقواله؟ ولماذا أبى الامام أن يبايعه؟ وهل كان يعرف مصيره حين أبى؟ وماذا كان أثر استشهاده على الاسلام والمسلمين؟

في ما يلي نحاول تفهّم كل ذلك من كتب الحديث والسيرة ان شاء اللّه تعالى.

أوّلا: يزيد في أفعاله وأقواله

في تاريخ ابن كثير: كان يزيد صاحب شراب، فأحب معاوية أن يعظه في رفق فقال: يا بنيّ ما أقدرك على أن تصل حاجتك من غير تهتّك يذهب بمروءتك وقدرك ويشمت بك عدوّك ويسيء بك صديقك، ثمّ قال: يابنيّ إنّي منشدك أبياتا فتأدّب بها واحفظها فأنشده:

انصب نهارا في طلاب العلا

واصبر على هجر الحبيب القريب

حتى إذا الليل أتى بالدجى

واكتحلت بالغمض عين الرقيب

فباشر الليل بما تشتهي

فإنّما الليّل نهار الاريب

كم فاسق تحسبه ناسكا قد

باشر الليل بأمر عجيب

غطّى عليه الليل أستاره

فبات في أمن وعيش خصيب

ولذّة الاحمق مكشوفة

يسعى بها كل عدوّ مريب(12)

وقال: وكان فيه أيضا اقبال على الشهوات وترك بعض الصلوات، في بعض الاوقات، واقامتها في غالب الاوقات(13).

لمّا أراد معاوية أن يأخذ البيعة ليزيد من الناس، طلب من زياد أن يأخذ بيعة المسلمين في البصرة، فكان جواب زياد له: ما يقول الناس إذا دعوناهم إلى بيعة يزيد، وهو يلعب بالكلاب، والقرود، ويلبس المصبّغات، ويدمن الشراب، ويمشي على الدفوف وبحضرتهم الحسين بن علي، وعبداللّه بن عباس، وعبداللّه بن الزبير، وعبداللّه بن عمر؟ ولكن تأمره يتخلّق بأخلاق هؤلاء حولا أو حولين فعسانا أن نموّه على الناس(14).

فاغزى معاوية يزيد الصائفة مع الجيش الغازي الروم ((فتثاقل واعتلّ وأمسك عنه أبوه))(15) فأصاب المسلمين حمّى وجدري في بلاد الروم ويزيد حينذاك كان مصطبحا بدير مرّان مع زوجته أم كلثوم بنت عبداللّه بن عامر، فلمّا بلغة خبرهم قال:

إذا ارتفقت على الانماط مصطبحا

بدير مرّان عندي أمّ كلثوم

فما أبالي بما لاقت جنودهم

بـ (الغذقدونة) من حمىّ ومن موم(16)

وبعده في معجم البلدان:

فبلغ معاوية ذلك فقال: لاجرم ليلحقّن بهم ويصيبه ما أصابهم وإلاّ خلعته فتهيّأ للرحيل وكتب اليه:

تجنّى لا تزال تعدُّ ذنبا

لتقطع حبل وصلك من حبالي

فيوشك أن يريحك من بلائي نزلي

في المهالك وارتحالي(17)

وأرسل معاوية يزيد إلى الحجّ وقيل بل أخذه معه فجلس يزيد بالمدينة على شراب فاستأذن عليه عبداللّه بن العبّاس والحسين بن علي فأمر بشرابه فرفع، وقيل له: انّ ابن عباس إن وجد ريح شرابك عرفه، فيحجبه واذن للحسين، فلما دخل وجد رائحة الشراب مع الطيب، فقال: ما هذا يا أبن معاوية؟ فقال: يا أبا عبداللّه هذا طيب يصنع لنا بالشام، ثمّ دعا بقدح فشربه ثمّ دعا بقدح آخر فقال: اسق أبا عبداللّه ياغلام. فقال الحسين:

عليك شرابك أيّها المءر... .

فقال يزيد:

ألا يا صاح للعجب

دعوتك ثم لم تجب

إلى القينات واللّذا

ت والصهباء والطرب

وباطية مكلّلة

عليها سادة العرب

وفيهنّ الّتي تبلت

فؤادك ثمّ لم تتب

فوثب الحسين عليه وقال: بل فؤادك يا ابن معاوية تبلت(18).

وحجّ معاوية: وحاول أن يأخذ البيعة من أهل مكّة والمدينة فأبى عبداللّه ابن عمر وقال: نبايع من يلعب بالقرود والكلاب ويشرب الخمر ويظهر الفسوق، ما حجّتنا عند اللّه؟

وقال ابن الزبير: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وقد أفسد علينا ديننا(19). وفي رواية: إنّ الحسين قال له:

كأنك تصف محجوبا أو تنعت غائبا أو تخبر عمّا كان احتويته لعلم خاصّ، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد في ما أخذ من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش، والحمام السبَّق لاترابهنّ، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي، تجده ناصرا، ودع عنك ما تحاول(20) انتهى.

قال المؤلّف: لست أدري أكان هذا الحوار من سبط النبي مع معاوية وحوار ابن الزبير وابن عمر معه في مجلس واحد أم في مجلسين، ومهما يكن من أمره فانّ معاوية لم يستطع أن يأخذ البيعة من هؤلاء، واستطاع أن يأخذ البيعة من أهل الحرمين ويموّه عليهم أمر العباد له في بيعة ابنه، وارتحل عنهم.

وجدنا يزيد في سفريه إلى الحجّ والغزو يتظاهر باللامبالاة بالمقدسات الاسلامية وعدم الاكتراث بنكبة الجيش الاسلامي الغازي، خلافا لرغبة أبيه معاوية ووصيّة دعيّه زياد بأن يتظاهر بالتخّلق بالاخلاق الاسلامية حولا أو حولين عساهم أن يموّهوا على الناس أمره، ولم يكتف بذلك حتى نظم في سكره واعلام أمره ما سارت به الركبان.

وأكثر يزيد من نظم الشعر في الخمر والغناء مثل قوله:

معشر الندمان قوموا

واسمعوا صوت الاغاني

واشربوا كأس مدام

واتركوا ذكر المثاني(21)

شغلتني نغمة العيدان

عن صوت الاذان

وتعوّضت من الحور

عجوزا في الدنان

وقوله:

ولو لم يمسّ الارض فاضل بردها

لما كان عندي مسحة للتيمّم

وأظهر ذات صدره في قصيدته التي يقول فيها:

عليّة هاتي وترنّمي

بذلك إنّي لا أحب التناجيا

حديث أبي سفيان قدما سما بها

إلى أحدٍ حتى أقام البواكيا

ألا هات سقّيني على ذاك قهوة

تخيّرها العنسي كرما شآميا

إذا ما نظرنا في أُمور قديمة

وجدنا حلالا شربها متواليا

وإن متّ يا أمّ الاحيمر فانكحي

ولاتأملي بعد الفِراق تلاقيا

فإنّ الّذي حدّثت عن يوم بعثنا

أحاديث طسم تجعل القلب ساهيا

ولابدّ لي من أن أزور محمدا

بمشمولة صفراء تروي عظاميا

إلى غير ذلك ممّا نقلت من ديوانه. انتهى نقلا عن تذكرة خواصّ الامّة(22).

يخاطب يزيد في هذه القصيدة حبيبته ويقول لها: ترنّمي وأعلني قصّة أبي سفيان لمّا جاء إلى أحد وفعل ما فعل، حتى أقام البواكي على حمزة وغيره من شهداء أُحد، أعلني ذلك ولا تذكريه في نجوى، واسقيني على ذلك خمرا تخيِّرها الساقي من كروم الشام، فإنّا إذا نظرنا في أُمور قديمة من أعراف قريش وآل أُميّة في الجاهلية وجدنا حلالا شربها متواليا وأمّا ما قيل لنا عن البعث فهو من قبيل أساطير (طسم) تشغل قلبنا، فلا بعث ولانشور، فإذا متّ فانكحي بعدي اذ لا تلاقي بعد الموت، ثمّ يستهزىء بالرسول، ويقول: ولابدَّ أن ألقاه بخمرة باردة تروي عظامي، كان يزيد يستهين بمشاعر المسلمين وينادم النصارى.

وروى صاحب الاغاني وقال: كان يزيد بن معاوية أوّل من سنّ الملاهي في الاسلام من الخلفاء، وآوى المغنّين، وأظهر الفتك، وشرب الخمر، وكان ينادم عليها سرجون النصراني مولاه، والاخطل ـ الشاعر النصراني ـ وكان يأتيه من المغنّين سائب خاثر فيقيم عنده فيخلع عليه...(23).

كان يزيد بن معاوية أوّل من أظهر شرب الشراب، والاستهتار بالغناء، والصيد واتخاذ القيان والغلمان، والتفكُّه بما يضحك منه المترفون من القرود والمعافرة بالكلاب والديكة(24).

وكان من الطبيعي أن تتأثر بيزيد حاشيته، ويتظاهر الخلعاء والماجنون بأمرهم كما ذكره المسعودي في مروجه قال: وغلب على أصحاب يزيد وعمّاله ما كان يفعله من الفسوق، وفي أيّامه ظهر الغناء بمكة والمدينة، واستعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب.

وكان له قرد يكنّى بأبي قيس يحضره مجلس منادمته، ويطرح له متّكأ، وكان قردا خبيثا، وكان يحمله على أتان وحشيّة قد ريضت وذللّت لذلك بسرج ولجام ويسابق بها الخيل يوم الحلبة، فجاء في بعض الايام سابقا، فتناول القصبة ودخل الحجرة قبل الخيل وعلى أبي قيس قباء من الحرير الاحمر والاصفر مشمّر، وعلى رأسه قلنسوة من الحرير ذات الالوان بشقائق، وعلى الاتان سرج من الحرير الاحمر منقوش ملمّع بأنواع من الالوان، فقال في ذلك بعض شعراء الشام في ذلك اليوم:

تمسّك أبا قيس بفضل عنانها

فليس عليها إن سقطت ضمان

ألا من رأى القرد الذي سبقت به

جياد أمير المؤمنين أتان(25)

وروى البلاذري عن قصّة هذا القرد وقال: كان ليزيد بن معاوية قرد يجعله بين يديه ويكنّيه أبا قيس، ويقول: هذا شيخ من بني اسرائيل أصاب خطيئة فمسخ وكان يسقيه النبيذ ويضحك ممّا يصنع، وكان يحمله على أتان وحشيّة ويرسلها مع الخيل فيسبقها، فحمله يوما وجعل يقول تمسّك... البيتين(26).

واشتهر يزيد بمنادمة القرود حتى قال فيه رجل من التنوخ:

يزيد صديق القرد ملّ جوارنا

فحنّ إلى أرض القرود يزيد

فتبّا لمن أمسى علينا خليفة

صحابته الادنون منه قرود(27)

وقال ابن كثير: اشتهر يزيد بالمعازف وشرب الخمور، والغناء والصيد، واتِّخاذ القيان والكلاب، والنطاح بين الاكابش والدباب والقرود، وما من يوم إلاّ ويصبح فيه مخمورا. وكان يشدّ القرد على فرس مسرجة بحبال ويسوق به، ويلبس القرد قلانس الذهب وكذلك الغلمان، وكان يسابق بين الخيل وكان إذا مات القرد حزن

عليه وقيل إن سبب موته أنّه حمل قردة وجعل ينقزها فعضّته...(28).

وروى البلاذري عن شيخ من أهل الشام: أنّ سبب وفاة يزيد أنّه حمل قردة على الاتان وهو سكران ثمّ ركض خلفها فسقط فاندقّت عنقه أو انقطع في جوفه شيء.

وروي عن ابن عيّاش أنّه قال: خرج يزيد يتصيّد بحوّارين وهو سكران فركب وبين يديه أتان وحشيّة قد حمل عليها قردا وجعل يركض الاتان ويقول:

أبا خلف احتل لنفسك حيلة

فليس عليها إن هلكت ضمان

فسقط واندقّت عنقه(29).

ولا منافاة بين هذه الروايات فمن الجائز أنّه أركب قردة على أتان وركب هو أيضا وركض خلفه وجعل ينقزها فعضّته وسقط واندقّت عنقه وانقطع في جوفه شيء وهكذا استشهد الخليفة قتيل القرد.

كان هذا شيئا من سيرة يزيد، وكان أبناء الامّة آنذاك قد تبلّد احساسهم وأخلدوا إلى سبات عميق، وما غيّر حالهم تلك عدا استشهاد الامام الحسين(ع) كما نشرحه في الباب التالي.


12. تاريخ ابن كثير 8 / 228.

13. تاريخ ابن كثير 8 / 230.

14. تاريخ اليعقوبي 2 / 220.

15. هذا نص ابن الاثير في تاريخه 3 / 181 في ذكر حوادث سنة 49.

16. تاريخ اليعقوبي 2 / 229، والاغاني ط. ساسي 16 / 33، وأنساب الاشراف 4 / 2 / 3.

17. ترجمة دير مرّان والغذقدونة: من معجم البلدان.

18. الاغاني 14 / 61، وتاريخ ابن الاثير 4 / 50 في ذكره سيرة يزيد. وقد أوردت الخبر بايجاز.

19. تاريخ اليعقوبي 2 / 228.

20. الامامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 170.

21. في الاصل: ((المعاني)) تحريف، ويقصد بالمثاني: السبع المثاني أي اتركوا قراءة الحمد في الصلاة.

22. تذكرة خواص الامة ـ ص 164 تأليف أبي المظفر يوسف بن قزاوغلي أي السبط وكان سبط جمال الدين عبد الرحمن ابن الجوزي، من مؤلفاته التاريخ المسمى بمرآة الزمان (ت: 654) راجع ترجمة جده في وفيات الاعيان لابن خلكان.

23. الاغاني 16 / 68.

24. أنساب الاشراف للبلاذري ج 4 القسم الاول ص 1، المعافرة كالمهارشة.

25. مروج الذهب 3 / 67 ـ 68.

26. أنساب الاشراف 4 / 1 / 1 ـ 2 وفي لفظ البيتين اختلاف يسير مع رواية المسعودي.

27. أنساب الاشراف 4 / 1 / 2.

28. ابن كثير 8 / 436.

29. أنساب الاشراف 4 / 1 / 2 ويبدو ان هذا القرد الذي كناه أبا خلف غير الذي كناه أبا قيس.