رواية الاحاديث تبريرا لفعل الخلفاء

ضربنا في ما سبق أمثلة من اجتهادات الخلفاء في مقابل نصوص الكتاب والسنّة وتشريعهم أحكاما جديدة في الاسلام.

والاعجب من ذلك تبرع بعض المحدّثين والرواة في مدرسة الخلفاء برواية أحاديث عن لسان رسول اللّه (ص) أنّه كان قد أمر بتلك الاجتهادات، هذا مضافا إلى ما فعله معاوية في مجال وضع الحديث تأييدا لسياسة الخلفاء كما أوضحنا كل ذلك في محلّه من هذا الكتاب وغيره(264).

ومن أمثلة ما رووا عن رسول اللّه في تأييد الخلفاء الروايات التالية:

رووا عن رسول اللّه (ص) أنّه نهى عن الخروج على الخلفاء، وفرض على المسلمين طاعتهم على كلّ حال، مثل ما رواه مسلم وابن كثير وغيرهما عن عبد اللّه ابن عمر، واللفظ لابن كثير، قال: لما خلع الناس يزيد بن معاويه جمع ابن عمر بنيه وأهله، ثمّ تشهّد، ثمّ قال: أمّا بعد فإنّا بايعنا هذا الرجل على بيع اللّه ورسوله، وقد سمعت رسول اللّه يقول: ((من خلع يدا من طاعة لقي اللّه يوم القيامة لا حجّة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)) فلا يخلعنّ أحد منكم يزيد ولا يسرفنّ أحد منكم في هذا الامر، فيكون الفيصل بيني وبينه(265).

وروى  مسلم عن حذيفة أنّه قال: قال رسول اللّه (ص): ((يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنّون بسنّتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس)) قال: قلت: كيف أصنع يا رسول اللّه إن أدركت ذلك؟ قال: ((تسمع وتطيع للامير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك))(266).

وروى الاحاديث الاربعة الاتية مسلم في صحيحه:

1 ـ عن زيد بن وهب، عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه (ص): ((إنّها ستكون بعدي أثرة واُمور تنكرونها)) قالوا: يا رسول اللّه كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: ((تؤدون الّذي عليكم وتسألون الّذي لكم)).

2 ـ عن وائل الحضرمي أنّ سلمة بن يزيد سأل رسول اللّه فقال: يا نبيّ اللّه أرأيت إن قامت علينا اُمراؤنا يسألون حقّهم ويمنعوننا حقّنا فما تأمرنا ـ إلى ـ : اِسمعوا وأطيعوا فإنّما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم.

3 ـ عن أبي هريرة عن النبي أنّه قال: من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية... وعن ابن عباس مثله.

4 ـ وعن عوف بن مالك الاشجعي قال: سمعت رسول اللّه يقول: ((خيار أئمّتكم الذين تحبّونهم ويحبّونكم، وتصلّون عليهم ويصلّون عليكم، وشراركم أئمّتكم الّذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم))، قال قلنا: يا رسول اللّه أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: ((لا ما أقاموا فيكم الصلاة. لا ما أقاموا فيكم الصلاة. ألا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئا من معصية اللّه، فليكره ما يأتي من معصية اللّه، ولا ينزعنّ يدا من طاعة))(267).

رأينا في ما سبق اجتهادات للصحابة والتابعين والخلفاء منهم خاصّة في أحكام إسلامية عملوا فيها برأيهم واجتهادهم في مقابل نصوص من كتاب اللّه وسنة رسوله، لما اعتقدوا فيها مصلحة لسياسة الحكم أو غير ذلك، ورأينا أن أتباع مدرسة الخلفاء اتخذوا تلك الاجتهادات مصدرا للتشريع في مقابل نصوص من كتاب اللّه وسنة رسوله، ومن ثمّ اتخذ بعض الفقهاء بمدرسة الخلفاء العمل بالرأي كالقياس والاستحسان من موارد الاجتهاد، وأصبح الاجتهاد بمدرسة الخلفاء في عداد الكتاب والسنة من مصادر التشريع الاسلامي إلى يومنا

الحاضر، وهذا من موارد الخلاف بين أتباع مدرسة أهل البيت الذين لم يعملوا بالرأي والاجتهاد واقتصروا في العمل بالاحكام بما جاء في كتاب اللّه وسنّة الرسول. فقد كان الائمة من أهل البيت يعملون بما أخذوا من كتاب اللّه وتوارثوه من سنة الرسول المكتوبة لديهم، وعلموا الفقهاء بمدرستهم ما توارثوه من سنة الرسول، ونهوا عن العمل بالرأي والقياس والاستحسان والمسمّى بالاجتهاد، كما يأتي مزيد بيانه في البحوث الاتية إن شاء اللّه تعالى.

وهذا (أيّ: إمّا العمل بكتاب اللّه وسنّة رسوله وترك اجتهادات الخلفاء في بعض الاحكام، وإمّا العمل باجتهادات الخلفاء فيها وترك حكم الكتاب والسنّة) ممّا أدّى إلى الاختلاف بين المسلمين، فإنّ الخليفة عمر ـ مثلا ـ لمّا اجتهد ونهى عن عمرة ‌التمتع في مقابل كتاب اللّه وسنة رسوله اللّذين أمرا بها؛ اختلف المسملون من بعده، فمنهم من عمل بكتاب اللّه وسنة رسوله وأتى بعمرة التمتع في الحجّ مثل الحنابلة والسلفية في عصرنا الحاضر ومنهم من اتبع اجتهاد الخليفة عمر في ذلك وترك العمل بالكتاب والسنّة. فما السبيل إلى رفع الاختلاف وتوحيد كلمة المسلمين؟

 


 

264 ذكرنا قسما منها في باب ((مع معاوية)) من كتاب أحاديث عائشة وقسما منها في محاضراتنا.

265 رواه ابن كثير في تاريخه 7 / 232، ورواه مسلم وغيره كما نقلناه عنهم قبل هذا في باب بحث الامامة لدى المدرستين. ليست طاعة يزيد وبيعته مصداقين لقول الرسول، وانما مصداقه البيعة الصحيحة وطاعة الامام بالحق مثل طاعة الرسول وبيعته.

266 ذكرنا مصدره في بحث الامامة بأوّل الكتاب، وأرى الحديث موضوعا اخترع واختلق بعد وفاة حذيفة وأ،سند اليه بعد سنة 36 هـ حيث كان قد التحق بربّه وليس مجال البحث حول ذلك هاهنا.

267 صحيح مسلم، كتاب الامارة ح 45 و49 و5    3 ـ 54 و66 .