أمثلة من اجتهاد الخلفاء
في مقابل نصوص الكتاب والسنّة
أ
ـ قال اللّه عزّ وجلّ (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) الحشر / 7،
(وما ينطق عن الهوى# إن هو إلاّ وحي يوحى) النجم / 3، 4، (وأنزلنا إليك الذكر
لتبيِّنَ للناس ما نزِّلَ إليهم) النحل / 44.
حثّ رسول اللّه (ص) على نشر حديثه، وأمر بكتابة حديثه وأكّد عليه، ثمّ اجتهد
الخلفاء ومنعوا من نشر حديث الرسول (ص) ونهوا عن كتابته وأصبح اجتهادهم حكما
إسلاميا، ثمّ رووا الحديث عن رسول اللّه (ص) أنه نهى عن كتابة حديثه تأييدا لموقف
الخلفاء، وبقي الامر كذلك وامتنع المسلمون عن كتابة الحديث النبوي زهاء تسعين سنة
حتى إذا أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بكتابة الحديث النبوي الشريف، كتب المسلمون
من أتباع مدرسة الخلفاء حديث الرسول (ص) وألفوا المسانيد والصحاح والمصنفات
الكثيرة الوفيرة في ذلك.
ب
ـ قال اللّه عزّ وجلّ: (فان للّه خمسه وللرسول ولذي القربى) الانفال / 41.
وسنَّ رسول اللّه (ص) ذلك وعمل به في عصره، واجتهد الخلفاء فأسقطوا سهم رسول اللّه
(ص) وسهم ذي القربى وجعلوهما في الكراع والسلاح، وأصبح اجتهادهم حكما إسلاميا.
ج
ـ قال اللّه عزّ وجلَّ: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج).
وسنَّ رسول اللّه (ص) عمرة التمتع وعمل بها المسلمون في حجة الوداع، ثمّ اجتهد
الخلفاء ونهوا عن عمرة التمتع وأمروا بإفراد الحجّ، وأصبح اجتهادهم حكماً
إسلامياً، ثم رووا الحديث عن رسول الله (ص) بأنه أمر بإفراد الحجّ، وأنه نهى عن
عمرة التمتع تأييدا لموقف الخلفاء، وحجّ المسلمون بلا عمرة وبقي ذلك معمولا به عند
بعضهم حتى اليوم.
د
ـ قال اللّه عزَّ وجلَّ: (فما استمتعتم به منهنَّ فآتوهنَّ اُجورهنَّ).
وسنَّ رسول اللّه (ص) متعة النساء وعمل بها المسلمون على عهده، ثمّ اجتهد الخلفاء
وحرّموا متعة النساء، وأصبح اجتهادهم حكما إسلاميا، ورووا الحديث عن رسول اللّه
(ص) أنه نهى عن متعة النساء وامتنع أتباع مدرسة الخلفاء عن متعة النساء حتى اليوم.
هـ ـ قال اللّه عزَّ وجلَّ: (جعل اللّه الكعبة البيت الحرام) وجعل مكّة وحواليها
حرما آمنا.
وسنَّ رسوله ذلك وحدّد حرم اللّه، ثمّ اجتهد الخلفاء، فاستباحوا حرمة الكعبة
ورموها بالمنجنيق.
و
ـ قال اللّه عزَّ وجلَّ: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلاّ المودة في القربى).
وقال رسول اللّه (ص) الكثير في الوصية بأهل بيته، ثمّ اجتهد الخلفاء، فقتلوا سبط
الرسول (ص) وأهل بيته وسبوا نساءه.
إلى الكثير مما قال اللّه ورسوله (ص) واجتهد الخلفاء وسنّوا خلافه، وأصبح اجتهادهم
في بعضها حكما إسلاميا اتّبعه المسلمون من أتباع
مدرسة الخلفاء، وما أوردنا من ذلك كان على سبيل المثال وليس الحصر فإن لهم
اجتهادات اُخرى أيضا مثلها مما سمّاها المؤرّخون
بالاوّليات، فقد قال السيوطي ـ مثلا ـ في ذكر أوّليات عمر من تاريخه: هو أوّل من
سنّ قيام شهر رمضان، أي سنّ الجماعة في نافلة شهر رمضان ويسمّى صلاة
التراويح(255)، وأوّل من حرّم المتعة، وأوّل من جمع الناس في صلاة الجنائز على
أربع تكبيرات(256)، وأوّل من أعال الفرائض(257).
وقال في أوّليّات عثمان: هو أوّل من أقطع القطائع ـ مثل فدك أقطعها لمروان ـ وأوّل
من حمى الحمى ـ مثل الربذة حماها لنفسه-.
وقال في أوّليات معاوية: هو أوّل من خطب الناس قاعدا، وأوّل من أحدث الاذان في
العيد، وأوّل من نقص التكبير، وأوّل من اتخذ مقصورة في المسجد، وأوّل من عهد
بالخلافة لابنه، وأوّل من عهدها في صحّته.
واجتهد الخليفة عمر أيضا في حكم الطلاق، فجعل التلفّظ بالثلاثة في مجلس واحد ثلاث
تطليقات، خلافا لما كانت عليه سنّة الرسول(258) وتبديله حيّ على خير العمل بـ
((الصلاة خير من النوم)) في الصبح(259).
ونهيه عن البكاء على الموتى، وضربه الباكين مع منع الرسول إيّاه عن ذلك، وبكاء
الرسول على الميّت(260)، وطلبه من المسلمين أن
يبكوا على حمزة(261).
ونهيه عن التطوّع بركعتين بعد العصر مع أنّ رسول اللّه (ص) لم يتركهما قطّ(262).
ومثل إتمام عثمان صلاة الرباعيّة في السفر مع أنّ الفرض فيها القصر(263).
ومثل أمر معاوية بلعن الإمام عليّ على جميع منابر المسلمين في جميع مساجدهم في
خطبة الجمعة والعيدين وقد استمرّوا على هذه السيرة منذ سنة أربعين للهجرة إلى أن
رفعها عمر بن عبد العزيز.
ومثل أفعال الخليفة يزيد!!!
هكذا اطّردت اجتهادات الخلفاء وكبراء مدرستهم في مقابل أحكام الكتاب والسنّة وكثر
تبديلهم الاحكام الاسلامية وسمّوها بالتأويل تارة، وبالاوّليات أخرى، ولكن المشهور
تسميتها بالاجتهاد. وزاد في الطين بلّة ما روي من أحاديث تؤيّد الخلفاء في أعمالهم
وأقوالهم كما يلي بيانه:
255 راجع صحيح البخاري باب فضل من قام رمضان من كتاب الصيام، ومسلم، باب الترغيب
في قيام رمضان، وطبقات ابن سعد ط. ليدن 3 / ق 1 / 202، وتاريخ اليعقوبي 2 / 140،
وتاريخ الطبري 5 / 32، وابن الاثير 3 / 23.
256 راجع مسند أحمد 4 / 370، و 5/ 406، وتاريخ ابن الاثير 3 / 23. وط. أوربا 3 /
45.
257 راجع تفصيل قول ابن عباس في مستدرك الحاكم 4 / 339.
258 راجع صحيح مسلم، باب طلاق الثلاث، من كتاب الطلاق، ومسند أحمد 2 / 314، وسنن
أبي داود في كتاب الطلاق، باب نسخ المراجعة بعد الثلاث تطليقات.
وسنن البيهقي 7 / 336، ومستدرك الحاكم 2 / 196، وسنن النسائي، كتاب الجنائز، باب
عدد التكبيرات على الجنازة.
259 مصنّف ابن أبي شيبة، وموطأ مالك، باب الاذان والتثويب، وراجع أواخر مبحث
الامامة من شرح التجريد.
260 راجع صحيح البخاري، أبواب الجنائز، باب البكاء عند المريض، وباب يعذب الميت
ببكاء أهله عليه، وباب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه، وباب قول النبيّ (ص) إنّا
بك لمحزونون، وصحيح مسلم في باب البكاء على الميت من كتاب الجنائز، وباب رحمته من
الصبيان والعيال من كتاب الفضائل، وتاريخ الطبري
وابن الاثير في ذكر موت أبي بكر في حوادث سنة 13 هـ، والنسائي في كتاب الجنائز،
ومسند أحمد 1 / 335، و2 / 333، وشرح النهج لابن أبي الجديد 1 / 111.
261 مسند أحمد 2 / 40، وترجمة حمزة من الاستيعاب.
262 صحيح مسلم، باب معرفة الركعتين اللّتين كان يصلِّيهما بعد العصر، وموطأ مالك
في موارد النهي عن الصلاة بعد الصبح والعصر، وراجع شرحه للزرقاني.
263 راجع صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، وصحيح البخاري في باب ما جاء في
التقصير من أبواب التقصير، ومسند أحمد 4 / 94، وتاريخ الطبري وابن الاثير في ذكر
ما نقم على عثمان.