الفصل الخامس
خلاصة بحوث المدرستين في مصادر
الشريعة الاسلاميّة
ـ أمثلة من اجتهاد الخلفاء في
مقابل نصوص الكتاب والسنة
ـ رواية الاحاديث تبريرا لفعل
الخلفاء
ـ السبيل إلى توحيد كلمة المسلمين
القرآن والسنة والفقه والاجتهاد من مصطلحات الاسلام والمسلمين.
القرآن هو كلام اللّه الذي أنزله على خاتم الانبياء باللغة العربية ويقابله في
اللغة العربية الشعر والنثر، فكل كلام عربي إمّا أن يكون
قرآنا وإمّا أن يكون نثرا أو شعرا.
ويقال لجميع القرآن: قرآن، وللسورة قرآن، وللآية قرآن، وأحيانا لبعض الاية قرآن،
كما يقال للديوان شعر وللقصيدة والبيت والشطر شعر.
وهو مصطلح إسلامي لوروده في كلام اللّه وحديث الرسول. وقد عدَّ العلماء من أسماء
القرآن بعض ألفاظ وردت وصفا لكلام في
القرآن وقد استعملها اللّه من قبيل الوصف والتعريف للقرآن مثل: الكتاب والذكر.
وسمّى الخليفة أبو بكر القرآن بالمصحف، ولما لم يرد هذا اللفظ في القرآن والحديث
النبوي الشريف فقد سميناه بالمصطلح الاسلامي.
وكان رسول اللّه (ص) يعلم كل ما نزل عليه من القرآن نجوما، من حضره من المسلمين،
وقد أمرهم في المدينة بكتابة القرآن وحفظه، فتسابقوا إلى حفظ القرآن وكتابته على
ما حضرهم من جلد وخشب وعظم وغيرها، ولما توفي الرسول (ص) بادر الامام علي إلى جمعه
في كتاب وكانت عند بعض الصحابة ـ مثل ابن مسعود أيضا ـ نسخ خاصّة بهم وأمر الخليفة
أبو بكر بعض الصحابة فدونوه في نسخة وأودعها عند اُمّ المؤمنين حفصة، وأمر الخليفة
عثمان بكتابة نسخ عليها ووزعها على المسلمين في أقطار البلاد الاسلامية فاستنسخ
منها المسلمون آلاف النسخ ثمّ مئات الاُلوف وملايينها وبقيت بأيديهم حتى اليوم،
شأنه شأن ألفية ابن مالك التي لم تتغيّر منذ كتبها ناظمها إلى اليوم، لانّ الحوزات
لم تنقطع عن تدريسها في كل الازمنة ولم يسمع بأن لدى أحد من المسلمين في عصر من
العصور نسخة من القرآن تختلف في كلمة واحدة عما في أيدينا.
أما ما جاء في بعض الاحاديث بكتب مدرسة الخلفاء أو مدرسة أهل البيت فإنّ تلك
الروايات لم يأخذ بها أحد من المسلمين في عصر من العصور بل بقيت في محلّها من كتب
الحديث.
وأما مصحف فاطمة (ع) فإن الائمة من أهل البيت قالوا عنه: إن فيه أسماء من يحكم هذه
الاُمّة من حكّام وليس فيه شيء من القرآن، وشأن هذه التسمية شأن تسمية كتاب
سيبويه في النحو بـ ((الكتاب))، فانه لم يقصد منه أنّه القرآن.
أمّا السنة فهي في اللغة: الطريقة، وفي عرف المسلمين: سيرة الرسول وحديثه وتقريره،
وقد جاء في حديث الرسول الحث على الاخذ بسنته، فهي إذا من المصطلحات الاسلامية وإن
كانت دلالتها على الحديث والتقرير ضمنية.
وينحصر طريق وصول السنة حديثا وسيرة وتقريرا بما روي عن رسول اللّه (ص).
والفقه في اللغة: الفهم، وفي القرآن والحديث جاء بمعنى علم الدين الاسلامي، وفي
اصطلاح علماء المسلمين خص بعلم الاحكام،
وبما أنّه استعمل في القرآن والحديث بمعنى عامة علم الدين، فاستعماله في خصوص علم
الاحكام لا يخرجه عن كونه مصطلحا إسلاميا.
والاجتهاد في عرف علماء مدرسة الخلفاء: استنباط الاحكام عن طريق الكتاب والسنة
والقياس.
وفي عرف علماء مدرسة أهل البيت: مساوق للفقه.
وتتّفق المدرستان في الاخذ بكل ما جاء في كتاب اللّه وكل ما ثبت لديهم من سنّة
الرسول.
وتختلفان في من يأخذون عنه سنة الرسول، فإنّ أتباع مدرسة الخلفاء تأخذ الاحكام من
كل من سمَّوه صحابيّا، ولا يأخذ أتباع مدرسة
أهل البيت السنّة ممن عادى الامام عليا (ع) مثل عمران بن حطّان الخارجي سواء أكان
المعادي للامام علي صحابيا أم تابعيا أم ممن
جاء بعدهم لانّ رسول اللّه (ص) قال للامام علي: ((يا علي لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا
يبغضك إلاّ منافق))، وقال اللّه سبحانه: (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا
تعلمهم نحن نعلمهم).
واختلفت المدرستان أيضا بعد وفاة رسول اللّه، في نشر حديث الرسول (ص) وكتابته.
فبينما منع الخلفاء الاوّلون إذاعة حديث الرسول (ص) وحرّموا كتابته وبقي تحريم
الكتابة جاريا إلى عصر عمر بن عبد العزيز؛ جدّت مدرسة أهل البيت في إذاعة حديث
الرسول (ص) وكتابته جيلا بعد جيل.
وبالاضافة إلى ما ذكرنا اختلفت المدرستان أيضا في العمل بالرأي والاجتهاد في
الاحكام الاسلامية فبينا منعت مدرسة أهل البيت العمل
بالرأي والاجتهاد في الاحكام؛ عملت مدرسة الخلفاء في الاحكام الاسلامية بالرأي
والاجتهاد كما سنذكر خلاصة بعض أمثلتها في ما يأتي.