شكوى الامام علي (ع) من تغيير السنّة النبوية

كان ما ذكره الامام الصادق من عدم خوفهم الان وبيانهم الحكم كما هو في كتاب أمير المؤمنين في اُخريات العصر الاموي وأوائل العهد العباسي، أمّا قبل ذلك فلم يتمكن الائمة من أهل البيت من التظاهر بخلاف ما عليه مدرسة الخلفاء عدا أيام حكم الامام علي بن أبي طالب في بيان بعض الاحكام ولذلك ظهر في أيّامه الخلاف بين المدرستين في ذلك البعض الذي بيّن فيه الامام وشيعته من الصحابة الحكم الصحيح والتفسير الحقّ للقرآن كما جاء في الكافي والاحتجاج والوسائل ومستدركه وموجزه في نهج البلاغة واللفظ للاوّل: عن سليم بن قيس الهلاليّ قال: قلت لامير المؤمنين (ع): إنّي سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذرّ شيئا من تفسير القرآن وأحاديث عن نبيّ اللّه (ص) غير ما في أيدي النّاس، ثمَّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم ورأيت في أيدي النّاس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الاحاديث عن نبيّ اللّه (ص) أنتم تخالفونهم فيها وتزعمون أنّ ذلك كلّه باطل؛ أفترى الناس يكذبون على رسول اللّه (ص) متعمِّدين، ويفسِّرِون القرآن بآرائهم؟ قال: فأقبل عليَّ فقال: قد سألت فافهم الجواب:

إنّ في أيدي الناس حقّا وباطلا، وصدقا وكذبا، وناسخا ومنسوخا، وعامّا وخاصّا، ومحكما ومتشابها، وحفظا ووهما، وقد كذب على رسول اللّه (ص) على عهده حتّى قام خطيبا فقال: أيّها النّاس قد كثرت عليَّ الكذابة (203) فمن كذب عليَّ متعمّدا فليتبوَّأ مقعده من النار، ثمّ كذب عليه من بعده، وإنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس: رجل منافق يظهر الايمان، متصنّع بالاسلام(204) لا يتأثّم ولا يتحرَّج أن يكذب على رسول اللّه (ص) متعمّدا؛ فلو علم الناس أنّه منافق كذّاب؛ لم يقبلوا منه ولم يصدّقوه، ولكنّهم قالوا هذا قد صحب رسول اللّه (ص) ورآه وسمع منه، وأخذوا عنه، وهم لا يعرفون حاله، وقد أخبره اللّه عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم فقال عزَّ وجلَّ: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم) ثمَّ بقوا بعده فتقرَّبوا إلى أئمّة الضلالة والدُّعاة إلى النّار بالزور والكذب والبهتان فولوهم الاعمال، وحملوهم على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا، وإنّما الناس مع الملوك والدُّنيا إلاّ من عصم اللّه، فهذا أحد الاربعة.

ورجل سمع من رسول اللّه شيئا لم يحمله على وجهه ووهم فيه، ولم يتعمّد كذبا فهو في يده، يقول به ويعمل به ويرويه فيقول: أنا سمعته من رسول اللّه (ص) فلو علم المسلمون أنّه وهم لم يقبلوه ، ولو علم هو أنّه وهم لرفضه.

ورجل ثالث سمع من رسول اللّه (ص) شيئا أمر به ثمَّ نهى عنه وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شي‌ء ثمَّ أمر به وهو لا يعلم، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ، ولو علم أنّه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه.

وآخر رابع لم يكذب على رسول اللّه (ص)، مبغض للكذب خوفاً من الله وتعظيماً لرسول الله (ص)، لم ينسه (205)، بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع لم يزد فيه ولم ينقص منه، وعلم الناسخ من المنسوخ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ، فإنَّ أمر النبيّ (ص) مثل القرآن ناسخ ومنسوخ [وخاصُّ وعامُّ] ومحكم ومتشابه، قد كان يكون من رسول اللّه (ص) الكلام له وجهان: كلام عامُّ وكلام خاصُّ مثل القرآن وقال اللّه عزَّ وجلَّ في كتابه: (... ما آتاكم الرَّسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا)(206) فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى اللّه به ورسوله (ص)، وليس كلّ أصحاب رسول اللّه (ص) كان يسأله عن الشي‌ء فيفهم، وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه حتّى أن كانوا ليحبّون أن يجي‌ء الاعرابيّ والطاري(207) فيسأل رسول اللّه (ص) حتّى يسمعوا.

وقد كنت أدخل على رسول اللّه (ص) كلَّ يوم دخلةً وكلَّ ليلة دخلة فيخليني فيها أدور معه حيث دار، وقد علم أصحاب رسول اللّه (ص) أنّه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري، فربّما كان في بيتي يأتيني رسول اللّه (ص) أكثر ذلك في بيتي، وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني وأقام عنيّ نساءه. فلا يبقى عنده غيري، وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عني فاطمة ولا أحدٌ من بنيَّ، وكنت إذا سألته أجابني وإذا سكتُّ عنه وفنيت مسائلي ابتدأني، فما نزلت على رسول اللّه (ص) آية من القرآن إلاّ أقرأنيها وأملاها عليَّ فكتبتها بخطّي، وعلّمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وخاصّها وعامّها، ودعا اللّه أن يعطيني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب اللّه ولا علما أملاه عليَّ وكتبته، منذ دعا اللّه لي بما دعا، وما ترك شيئا علّمه اللّه من حلال ولا حرام، ولا أمر ولا نهي كان أو يكون، ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلاّ علّمنيه وحفظته، فلم أنس حرفا واحدا، ثمّ وضع يده على صدري ودعا اللّه لي أن يملا قلبي علما وفهما وحكما ونورا، فقلت: يا نبيّ اللّه بأبي أنت واُميّ منذ دعوت اللّه لي بما دعوت لم أنس شيئا ولم يفتني شي‌ء لم أكتبه أفتتخوِّف عليّ النسيان في ما بعد؟ فقال: لا، لست أتخوَّف عليك النسيان والجهل(208).

*       *       *

 يعرف من هذا الحديث ونظائره من الامام عليّ مع أصحابه ومن أحاديث الائمة من ولده مع معاصريهم وخاصّة الامامين الباقر والصادق أنّ ما كان لدى الائمة من تفسير القرآن وأحاديث كانت تخالف ما كان منها لدى أصحاب مدرسة الخلفاء ومردّ ذلك وسببه أن الخلفاء (الراشدين) الثلاثة لمّا كانوا قد منعوا الصحابة من نشر الحديث عن رسول اللّه وروّجوا للقصّاصين أمثال تميم الداري راهب النصارى، وكعب أحبار اليهود (209) فنشر هؤلاء الاسرائيليات وأخذ منهم بعض الصحابة(210) فانتشر لدى المسلمين زيف كثير، وفي مقابل هؤلاء جاهد الامام علي وشيعته من الصحابة أمثال سلمان وأبي ذرّ وعمّار والمقداد في نشر أحاديث الرسول وسيرته فظهر الخلاف بين المدرستين في هذا الامر، وتحمّل بسببه بعضهم ما تحمّل من التشريد و التعذيب(211)، وبالاضافة إلى هذا كان الخلفاء قبله قد غيّروا وبدّلوا من سنّة الرسول ما  يخالف سياستهم ممّا سمّاه اتباعهم من بعد باجتهاد الخلفاء أمثال ما شرحناه من موارد اجتهاد الخلفاء في ما سبق، فلمّا جاء الامام إلى الحكم بعدهم حاول أن يعيد الاُمّة الاسلامية إلى سنّة الرسول، ويغيّر سنن الخلفاء الراشدين الثلاثة، فلم ينجح، كما شرح ذلك لخاصّته في حديثه الاتي:

وإنّما بدء وقوع الفتن من أهواء تتّبع وأحكام تبتدع، يخالف فيها حكم اللّه يتولّى فيها رجالٌ رجالا، ألا إنّ الحقّ لو خلص لم يكن اختلاف ولو أنّ الباطل خلص لم يخف على ذي حجى، لكنّه يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث(212) فيمزجان فيجلّلان(213) معا، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه ونجا الّذين سبقت لهم من اللّه الحسنى(214)، إنّي سمعت رسول اللّه (ص) يقول: كيف أنتم إذا ألبستكم فتنةٌ يربو فيها الصغير(215) ويهرم فيها الكبير، ويجري الناس عليها ويتّخذونها سنّة فإذا غيّر منها شي‌ء قيل: قد غيّرت السنّة وقد أتى الناس منكرا، ثمَّ تشتدُّ البليّة وتسبى الذريّة، وتدقّهم الفتنة كما تدقّ النار الحطب، وكما تدقّ الرحا بثفالها(216)، ويتفقّهون لغير اللّه، ويتعلّمون لغير العمل، ويطلبون الدُّنيا بأعمال

الاخرة. ثمَّ أقبل بوجهه وحوله ناس من أهل بيته وخاصّته وشيعته فقال: قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول اللّه (ص) متعمّدين لخلافه، ناقضين لعهده مغيّرين لسنته، ولو حملت النّاس على تركها وحوَّلتها إلى مواضعها وإلى ما كانت عليه في عهد رسول اللّه (ص) لتفرّق عنّي جندي حتّى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي الّذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب اللّه عزّ وجلَّ وسنة رسول اللّه (ص)، أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم (ع)(217)، فرددته إلى الموضع الّذي وضعه فيه رسول اللّه (ص)، ورددت فدك إلى ورثة فاطمة (ع)(218) ورددت صاع رسول اللّه (ص)

كما كان (219)، وأمضيت قطائع أقطعها رسول اللّه (ص) لاقوام لم تمض لهم ولم تنفذ، ورددت دار جعفر إلى ورثته وهدمتها من المسجد(220)، ورددت قضايا من الجور قضي بها(221)، ونزعت نساء تحت رجال بغير حقّ فرددتهنَّ إلى أزواجهن(222)، واستقبلت بهنَّ الحكم في الفروج والاحكام، وسبيت ذراري بني تغلب(223)، ورددت ما قسم من أرض خيبر، ومحوت دواوين العطايا(224)، وأعطيت كما كان رسول اللّه (ص)(225) يعطي بالسويّة ولم أجعلها دولة بين الاغنياء وألقيت المساحة(226)، وسوّيت بين المناكح(227)، وأنفذت خمس الرَّسول كما أنزل اللّه عزَّ وجلَّ وفرضه(228)، ورددت مسجد رسول اللّه (ص) إلى ما كان عليه(229)، وسددت ما فتح فيه من الابواب، وفتحت ما سدّ  منه، وحرَّمت المسح على الخفين، وحددت على النبيذ(230)، وأمرت باحلال المتعتين(231)، وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات(232)، وألزمت الناس الجهر ببسم اللّه الرَّحمن الرَّحيم(233)، وأخرجت من اُدخل بعد رسول اللّه (ص) في مسجده ممّن كان رسول اللّه (ص) أخرجه، وأدخلت من اخرج بعد رسول اللّه (ص) ممّن كان رسول اللّه (ص) أدخله(234)، وحملت النّاس على حكم القرآن وعلى الطلاق على السنّة(235)، وأخذت الصدقات على أصنافها وحدودها(236)، ورددت الوضوء والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشرائعها ومواضعها(237)، ورددت أهل نجران إلى مواضعهم(238)، ورددت سبايا فارس وسائر الاُمم إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه (ص)، إذا لتفرّقوا عنِّي. واللّه لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلاّ في فريضة، وأعلمتهم أنَّ اجتماعهم في النوافل بدعةٌ، فتنادى بعض أهل عسكري ممّن يقاتل معي: يا أهل الاسلام غيّرت سنّة عمر ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوُّعا ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري(239). ما لقيت من هذه الاُمّة من الفرقة وطاعة  أئمّة...(240).

إلى آخر شكوى الامام في هذه الخطبة التي يصرّح فيها بأنَّه لم ينجح في إرجاع الاُمّة الاسلامية إلى سنّة نبيّها، وتجرّع في سبيل ذلك الغصص حتى تمنّى الموت وقال: ما يحبس أشقاكم أن يجي‌ء فيقتلني. اللّهمّ إنّي قد سئمتهم وسئموني فأرحهم منّي، وأرحني منهم(241).

وقال: متى يبعث أشقاها؟!

قال ذلك، لانّ رسول اللّه كان قد قال له: يا عليّ ((أتدري من أشقى الاوّلين والاخرين؟)) قال قلت: اللّه ورسوله أعلم قال: ((من يخضب هذه من هذه ـ يعني لحيته من هامته ـ))(242).

ولمّا أراح ابن ملجم الامام عليّا وتغلّب على الحكم معاوية؛ أعاد إلى الاُمة جميع سنن الخلفاء الّتي ناهضها الامام علي، وأضاف إلى ذلك إعادته الاعراف القبليّة الجاهليّة، وزاد في الطين بلّة بما فعل من وضعه جماعة من الصحابة والتابعين ليرووا عن رسول اللّه (ص) أحاديث في تأييد سياسته كما أشرنا إليه في ما سبق، وكان يحدوه إلى ذلك ـ بالاضافة إلى ما كان يروم من تثبيت الحكم فى عقبه ـ عداؤه لبني هاشم. كما يتّضح ذلك ممّا رواه الزبير بن بكار في ((الموفقيات))، عن المطرف بن المغيرة ابن شعبة قال:

دخلتُ مع أبي على معاوية، فكان أبي يأتيه فيتحدّث معه، ثمّ ينصرف إليَّ فيذكر معاوية وعقله، ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتما، فانتظرته ساعةً، وظننت أنه لامرٍ حدث فينا، فقلت: ما لي أراك مغتمّا منذ الليلة؟ فقال: يا بنيّ، جئت من أكفر الناس و،أخبثهم، قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوت به: إنك قد بلغت سنا يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلا، وبسطت خيرا فإنك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم، فوصلت أرحامهم، فوَالله ما عندهم اليوم شي‌ء تخافه، وإن ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه؟ فقال: هيهات هيهات! أي ذكر أرجو بقاءه؟ ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلاّ أن يقول قائل: أبو بكر. ثمّ ملك أخو عدي، فاجتهد وشمّر عشر سنين،  فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: عمر.

وإن ابن أبي كبشة ليصاح به كلَّ يوم خمس مرات (أسشهد أنّ محمّدا رسول اللّه) فأي عمل يبقى؟ وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك؟ لا واللّه إلاّدفناً دفنا(243).

وبسبب كلّ ذلك انتشر ((حديث كثير موضوع وبهتان منتشر))(244)، والانكى من ذلك رؤية المسلمين لمقام الخلافة فقد كانوا يرونه مصداقا لاُولي الامر في قوله تعالى (وأطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول واُولي الامر منكم) واُغرموا بحبّ الخلفاء إلى حدّ انّهم سمّوا كل مخالفة منهم لاحكام القرآن وسنّة الرسول اجتهادا، وعلى امتداد الايّام تعاظم عندهم مقام الخلافة حتى أصبح حكمهم في نظرهم خلافة اللّه في الارض بعد أن كان خلافة الرسول؛ فقد كتب مروان بن محمّد ـ وكان واليا على أرمينية ـ إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق لمّا استخلف ((يبارك له خلافة اللّه له على عباده))(245)، وهذا الوليد هو الذي سعى أخوه سليمان في قتله وقال: ((أشهد أنّه كان شروبا للخمر ماجنا فاسقا ولقد أرادني على نفسي)) وأراد الوليد أن يشرب الخمر فوق ظهر الكعبة، ولما قيل في مجلس المهدي أنه كان زنديقا قال المهدي: ((خلافة اللّه عنده أجلّ من أن يجعلها في زنديق))(246).

وروى أبو داود في سننه عن سليمان الاعمش، قال: جمّعت مع الحجّاج فخطب... قال فيها:... فاسمعوا وأطيعوا لخليفة اللّه وصفيّه عبد الملك بن مروان(247).

وروى أبو داود والمسعودي وابن عبد ربّه واللفظ للاوّل، عن الربيع بن خالد الضبّي قال: سمعت الحجّاج يخطب فقال في خطبته: رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله(248).

وكتب إلى عبد الملك يعظّم فيه أمر الخلافة ويزعم أنّ السماوات والارض ما قامتا إلاّ بها، وانّ الخليفة عند اللّه أفضل من الملائكة المقرّبين والانبياء والمرسلين، وذلك أنّ اللّه خلق آدم بيده وأسجد له ملائكته أسكنه جنّته، ثمّ أهبطه إلى الارض وجعله خليفته، وجعل الملائكة رسلا إليه، فاُعجب عبد الملك بذلك، وقال: لوددت أنّ بعض الخوارج عندي فاُخاصمه بهذا الكتاب... الحديث(249).

وفي مرّة واحدة أنزل من قدر الخليفة وجعله مساوياً للرسول، فقد قال في خطبة كما في سنن أبي داود والعقد الفريد: أنّ مثل عثمان عند اللّه كمثل عيسى ابن مريم، ثمّ قرأ هذه الاية (إذ قال اللّه يا عيسى إني متوفّيك ورافعك إليّ ومطهّرك من الّذين كفروا وجاعل الّذين اتبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة)(250).

وفي العقد الفريد: بعد (من الذين كفروا) أنه أشار بيده إلى أهل الشام(251) أي أنّهم الّذين اتبعوا الخليفة فجعلهم اللّه فوق الذين كفروا وهم أهل العراق، وأمر الوليد بن عبد الملك خالد بن عبد اللّه القسري، فحفر بئرا بمكة فجاءت عذبة الماء طيّبة، وكان يستسقي منها الناس، فقال خالد في خطبته على منبر مكّة: أيّها الناس أيُّهما أعظم خليفة الرجل على أهله أم رسوله اليهم؟ واللّه لم تعدموا فضل الخليفة، ألاإنّ إبراهيم خليل الرحمن استسقى فسقاه ملحا اُجاجاً واستسقاه الخليفة فسقاه عذباً، يعني بالملح زمزم وبالماء الفرات بئرا حفرها الوليد بن عبد الملك بالثنيتين ثنية طوى وثنية الحجون فكان ينقل ماؤها فيوضع في حوض من أدم إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم، قال الراوي: ثمّ غارت البئر فذهبت فلا يدرى أين هي اليوم(252).

*       *       *

 بلغت عصبة الخلافة(253) إلى هذا الحدّ من الاسفاف في توجيهها الاُمّة على تقديس مقام الخلافة وخاصة مقام الخليفتين الاولين: أبي بكر وعمر (رض)، وبلغت في ذلك باخريات عهد عمر (رض) مستوى من التربية الفكرية للاُمّة كان مقبولا معها لدى عامّة المسلمين ولدى أصحاب رسول اللّه (ص) خاصّة أن يتخذ من سيرتهما في عداد سنة الرسول دستورا للمجتمع الاسلامي، وتعقد الخلافة لعثمان على أن يعمل بسنّة خاتم الانبياء وسيرة الخليفتين(254). وقد مرّ بنا في ما سبق أنّهما كانا يعملان برأيهما في الاحكام؛ فقد أسقطا سهم آل البيت خاصة وبني هاشم عامّة من عامة موارد الخمس مع وجود النص عليه في الكتاب والسنّة، وأسقط أبو بكر القود والحدّ عن خالد بن الوليد خلافا للنصّ الشرعي ووفقا لرأيه، وحرّم عمر متعتي الحجّ والنساء وفقا لاجتهاده وأوجد النظام الطبقي في تقسيم بيت المال، إلى غير ذلك ممّا بدّلا فيه أحكام الاسلام وفق ما رأيا من مصلحة خاصّة أو عامّة، وتابعهما على ذلك الخليفة الثالث عثمان بن عفّان (رض)، ولمّا جاء دور الامام علي شكا من تغييرهم أحكام الاسلام، ولم يستطع أن يعيدها إلى ما كانت عليه على عهد النبي (ص)، ثمّ جاء بعدهم الخليفة معاوية، فزاد في الطين بلّة في ما فعل وغيّر وبدل.

وغمّ بعد ذلك أمر الاحكام الاسلامية والتبس على المسلمين بحيث لم يعد ممكنا إعادة الاحكام الّتي بدَّلها الخلفاء إلى المجتمع الاسلامي مع رؤية المسلمين التقديسية للخلفاء الّذين بدّلوا تلك الاحكام. فماذا صنع أئمة أهل البيت في مقابل ذلك؟ وكيف اُستطاعوا أن يعيدوا أحكام الاسلام ثانية إلى المجتمع؟ هذا ما يأتي بيانه في باب أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) يعيدون أحكام الاسلام إلى المجتمع وفيه تتمة هذا البحث.


203 بكسر الكاف وتخفيف الذال مصدر كذب يكذب أي كثرت عليَّ كذبة الكذّابين. ويصح أيضا جعل الكذاب بمعنى المكذوب والتاء للتأنيث أي الاحاديث المفتراة أو بفتح الكاف وتشديد الذال بمعنى الواحد الكثير الكذب والتاء لزيادة المبالغة، والمعنى: كثرت عليَّ أكاذيب الكذّابة أو التاء للتأنيث والمعنى كثرت الجماعة الكذّابة ولعلّ الاخير أظهر وهذا الخبر على تقديري صدقه وكذبه يدل على وقوع الكذب عليه (ص)، وقوله: فليتبوّأ على صيغة الامر ومعناه الخبر. (قاله المجلسي في مرآة العقول).

204 أي: متكلف له ومتدلس به غير متصف به في نفس الامر. ((مرآة العقول)).

205 فى بعض النسخ [لم يسه].

206 الحشر / 7.

207 ((الطاري)) الغريب الذي أتاه عن قريب من غير أنس به وبكلامه. (على ما فسره المجلسي (ره)) ثمّ قال: وإنما كانوا يحبون قدومهما أما لاستفهامهم وعدم استعظامهم أو لانه صلى اللّه عليه وآله كان يتكلم على وفق عقولهم فيوضحه حتى يفهم غيرهم. مرآة العقول.

208 الكافي 1 / 62 ـ 63، والوسائل ط. القديمة 394، حديث: 1، ومستدركه 1 / 393، واحتجاج الطبرسي ص 134، وتحف العقول 131 ـ 132، وبعضه في نهج البلاغة، الخطبة 205، والوافي 1 / 63. (مرآة العقول 1 / 215).

209 نقصد براهب النصارى وكعب أحبار اليهود ما كانا عليه قبل أن يظهرا الاسلام.

210 لقد شرحنا ذلك في كتابنا: ((من تاريخ الحديث)) وأشرنا إليه في باب (أحاديث الرسول).

211 أشرنا إلى ذلك في ما سبق.

212 الضغث ـ بالكسر ـ: قبضة من حشيش مخالطة الرطب باليابس.

213 جللت الشيء؛ إذا غطيته. وفي النسخ [فيجتمعان] وفي بعضها [فيجلبان].

214 إلى هنا أوردها الرضي في نهج البلاغة ورقم الخطبة في طبعة 49 واخرى 50.

215 أي يكبر وهو كناية عن امتدادها.

216 بالمثلثة والفاء في النهاية: في حديث علي عليه السلام: ((وتدقهم الفتن دق الرحا بثفالها)) الثفال ـ بالكسر ـ : جلدة تبسط تحت رحا اليد ليقع عليها الدقيق، ويسمى الحجر الاسفل، ثقالا بها والمعنى أنها تدقهم دقّ الرحا للحب إذا كانت مثفلة ولا تثفل إلاّ عند الطحن.

217 أخّر عمر مقام إبراهيم إلى موضعه اليوم وكان ملصقا بالبيت، طبقات ابن سعد 3 / 284 ط. بيروت، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 137، وباب موافقات عمر في فتح الباري 9 / 236، وابن الاثير في تاريخ الكامل ذكر حوادث سنة 18 هـ ط. أوربا 2 / 439 وط. مصر 2 / 217. وقيل إنّ عمر أرجعه إلى مكانه في العصر الجاهلي.

218 قصّة فدك سبق شرحها.

219 الصاع في النهاية هو مكيال يسع أربعة أمداد، المد عند الشافعي وفقهاء الحجاز رطل وثلث الرطل بالعراقي وعند أبي حنيفة المد رطلان وبه أخذ فقهاء العراق. فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثا أو ثمانية أرطال، وعند الشيعة على ما في كتاب الخلاف في حديث زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان الرسول (ص) يتوضّأ بمد ويغتسل بصاع، والمد رطل ونصف والصاع ستة أرطال يعني رطل المدينة إهـ. وهو تسعة بالعراقي.

220 وسّع الخليفة عمر مسجد الرسول كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 137 وأدخل فيه بعض الدور.

221 ذلك كقضاء عمر بالعول والتعصيب في الارث، وكقضائه بقطع السارق من معصم الكف ومفصل ساق الرجل خلافا لما أمر به النبي (ص) من ترك الكف والعقب، وإنفاذه في الطلاق الثلاث المرسلة إلى غير ذلك من قضاياه وقضايا الاخرين. (الوافي)وسمّى بعضها أوليات عمر.

222 كمن طلقت بغير شهود وعلى غير طهر كما أبدعوه ونفذوه وغير ذلك (الوافي).

223 لانّ عمر رفع عنهم الجزية فهم ليسوا بأهل ذمة فيحل سبي ذراريهم كما روي عن الرضا (ع) أنه قال: إنّ بني تغلب من نصارى العرب انفوا واستنكفوا من قبول الجزية وسألوا عمر أن يعفيهم عن الجزية ويؤدوا الزكاة مضاعفة فخشي أن يلحقوا بالروم، فصالحهم على أن صرف ذلك 0عن رؤوسهم وضاعف عليهم الصدقة فرضوا بذلك، وقال محيي السنّة ((البغوي)) روي انّ عمر بن الخطاب رام نصارى العرب على الجزية فقالوا: نحن عرب لا نؤدِّي ما يؤدِّي العجم ولكن خذ منّا كما يأخذ بعضكم من بعض يعنون الصدقة، فقال عمر: هذا فرض اللّه على المسلمين قالوا: فزد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية، فراضاهم على ان ضعف عليهم الصدقة. مرآة العقول.

224 أشار بذلك إلى ما آبتدعه عمر في عهده من وضعه الخراج على أرباب الزراعات والصناعات والتجارات لاهل العلم وأصحاب الولايات والرئاسات والجند، وجعل ذلك عليهم بمنزلة الزكاة المفروضة ودون دواوين واثبت فيها أسماء هؤلاء وأسماء هؤلاء، وأثبت لكل رجل من الاصناف الاربعة ما يعطى من الخراج الذي وضعه على الاصناف الثلاثة، وفضل في إعطاء بعضهم على بعض، ووضع الدواوين على يد شخص سماه صاحب الديوان، وأثبت له اُجرة من ذلك الخراج ولم يكن شيء من ذلك على عهد رسول اللّه (ص) ولا على عهد أبي بكر. الوافي.

225 أي لا أجعله لقوم دون قوم حتى يتداولوه بينهم ويحرموا الفقراء.

226 إشارة إلى ما عده الخاصة والعامة من بدع عمر أنه قال: ينبغي مكان هذا العشر ونصف العشر دراهم نأخذها من أرباب الأملاك، فبعث إلى البلدان من مسح على أهلها فألزمهم الخراج، فأخذ من العراق وما يليها ما كان أخذه منه ملوك الفرس على كل جريب درهما واحدا وقفيزا من أصناف الحبوب، وأخذ من مصر ونواحيها دينارا وإردباً عن مساحة جريب كما كان يأخذ منهم ملوك الاسكندرية، وقد روى محيي السنّة وغيره من علمائهم عن النبي (ص) انه قال: ((منعت العراق درهمها وقفيزها ومنعت الشام مدها ودينارها ومنعت مصر إردبها ودينارها)) والإردب لاهل مصر أربعة وستون منّا وفسره أكثرهم بأنه قد محا ذلك شريعة الاِسلام وكان أول بلد مسحه عمر بلد الكوفة، وتفصيل الكلام في ذكر هذه البدع موكول إلى الكتب المبسوطة التي دونها أصحابنا لذلك كالشافي للسيد المرتضى. مرآة العقول.

227 بأن يزوج الشريف والوضيع كما فعله رسول اللّه (ص): زوج بنت عمته مقدادا، أو إشارة إلى ما ابتدعه عمر من منعه غير قريش أن يتزوج في قريش ومنعه العجم من التزويج في العرب. الوافي.

228 إشارة إلى منع عمر أهل البيت خمسهم كما مر بيانه.

229 يعني أخرجت منه ما زادوه فيه. ((وسددت ما فتح فيه من الابواب)) إشارة إلى ما نزل به جبرئيل (ع) من اللّه سبحانه من أمره النبي (ص) بسد الابواب من مسجده إلاّ باب علي وكأنهم قد عكسوا الامر بعد رسول اللّه(ص). الوافي.

230 إشارة إلى ما ابتدعه عمر من إجازة المسح على الخفين في الوضوء ثلاثا للمسافر ويوما وليلة للمقيم، وقد روت عائشة عن النبي (ص) أنه قال لعمر: ((أشدّ الناس حسرة يوم القيامة من رأى وضوءه على جلد غيره)). ((وحددت على النبيذ)) وذلك أنهم استحلوه. راجع من لا يحضره الفقيه ج1 الباب: 10 ح: 96.

231 يعني متعة النساء ومتعة الحج، قال عمر: ((متعتان كانتا على عهد رسول اللّه(ص) وأنا اُحرمهما واُعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج)) مرَّ بيانه.

232 وذلك انّ النبي (ص) كان يكبر على الجنائز خمسا، لكن الخليفة الثاني راقه أن يكون التكبير في الصلاة عليها أربعا فجمع الناس على الاربع، نص على ذلك جماعة من أعلام الاُمّة كالسيوطي (نقلاً عن العسكري) حيث ذكر أوليات عمر من كتابه (تاريخ الخلفاء)، وابن الشحنة حيث ذكر وفاة عمر سنة 23 من كتاب (روضة المناظر) المطبوع في هامش تاريخ ابن الاثير.

233 وذلك أنّهم يتخافتون بها أو يسقطونها في الصلاة، ولعلهم أخذوها من الخليفة معاوية، راجع تفسير سورة الحمد بتفسير الزمخشري.

234 لعلّ المراد به نفسه (ع) وبإخراجه سدّ بابه وبإدخاله فتحه. الوافي.

235 وذلك أنّهم خالفوا القرآن في كثير من الاحكام وأبطلوا عدّة من أحكام الطلاق بآرائهم.

236 أي أخذتها من أجناسها التسعة وهي الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب والاِبل والغنم والبقر فأنهم أوجبوها في غير ذلك مثل زكاة الخيل. تاريخ الخلفاء، ص 137.

237 ذلك أنّهم خالفوا في كثير منها كإبداعهم في الوضوء مسح الاُذنين وغسل الرجلين والمسح على العمامة والخفين وانتقاضه بملامسة النساء ومسّ الذّكر وأكل ما مسّته النار وغير ذلك ممّا لا ينقضه، وكإبداعهم الوضوء مع غسل الجنابة، وإسقاط الغسل في التقاء الختانين من غير  إنزال، وإسقاطهم من الاذان ((حيّ على خير العمل)) وزيادتهم فيه ((الصّلاة خير من النوم)) وتقديمهم التسليم على التشهّد الاوّل في الصلاة مع أن الغرض من وضعه التحليل منها، وإبداعهم وضع اليمين على الشمال فيها وحملهم الناس على الجماعة في النافلة وعلى صلاة الضحى وغير ذلك، راجع إثبات كل ذلك كتاب الشافي للسيد المرتضى ـ رحمه اللّه ـ .

238 نجران ـ بالفتح ثمّ السكون وآخره نون وهو في عدّة مواضع: منها نجران من مخاليف اليمن من ناحية مكة وبها كان خبر الاُخدود، وإليها تنسب كعبة نجران، وكانت بيعة بها أساقفة مقيمون منهم السيد والعاقب اللّذان جاءا إلى النبيّ عليه السلام في أصحابهما ودعاهم إلى المباهلة وبقوا بها حتى أجلاهم عمر. ونجران أيضا موضع على يومين من الكوفة ـ إلى آخر ما قاله الحموي في معجم البلدان ط. أوربا 4 / 751 - 756، وفي كيفية إجلاء عمر إياهم وسببه راجع فتوح البلدان للبلاذري، ص 77 إلى ص 79.

239 راجع فصل في أوليات عمر من تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 136.

240 روضة الكافي 58 ـ 63.

241 البحار 42 / 196.

242 البحار 42 / 195.

243 الموفقيات للزبير بن بكار، ص 575 و576، وشرح نهج البلاغة 2 / 176.

244 راجع المجلد الاوّل، فصل في نشر حديث الرسول (ص) 27 ـ 43.

245 تاريخ ابن كثير 10 / 4.

246 تاريخ ابن كثير 10 / 7 ـ 8.

247 سنن أبي داود 4 / 210، ح 4645 في: باب في الخلفاء.

248 سنن أبي داود 4 / 209، ح 4642، والمسعودي 3 / 147 في: ذكر طرف من أخبار الحجّاج، والعقد الفريد 5 / 52.

249 العقد الفريد 5 / 51.

250 سورة آل عمران / 55.

251 سنن أبي داود 4 / 209، والعقد الفريد 5 / 51.

252 في ذكر حوادث سنة تسع وثمانين من الطبري 5 / 67، وابن الاثير 4 / 205، وابن كثير 9 / 76.

253 قصدنا من لفظ العصبة معناه اللغوي وهو العصابة: أي الجماعة من الرجال وذلك ما قصده الرسول (ص) في غزوة بدر عندما دعا ربّه وقال في حق أصحابه: اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد.

254 عبد اللّه بن سبأ ج 1، باب الشورى وبيعة عثمان.