ب ـ قولهم في بطلان العول
العول في الاصطلاح الفقهي: زيادة سهام الورثة على الحصص المفروضة ويحصل ذلك بوجود
أحد الزوجين مع الورثة، كمن مات وخلّف ابنتين وأبوين وزوجة فللابنتين الثلثان،
وللابوين السدسان، وللزوجة الثمن(182). ولما كانت السهام من ستة فقد زاد على
السهام الثمن بحسب الفرض، فمن أعال الفرائض أدخل النقص على سهامهم جميعا حسب ما هو
مقرّر في فقه مدرسة الخلفاء. وأمّا في مدرسة أهل البيت فإن النقص يدخل على كلّ
فريضة لم يهبطها اللّه إلى فريضة اُخرى. وعلى هذا فإنّ الزوج الذي له النصف وإذا
زال عنه هبط سهمه إلى فريضة دونها وهي الربع لا يزيله عنه شيء، والزوجة التي لها
الربع فإذا زالت عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شيء، وأحد الوالدين اللذين
لهما الثلث فإذا زالا عنه صارا إلى السدس لا يزيلهما عنه شيء، ولا يدخل النقص على
هؤلاء بعد ذلك وإنّما يدخل النقص على البنت والاُخت فإن للواحدة منهما النصف
وللاكثر الثلثان فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لهنّ إلاّ ما بقي، وعلى هذا
فإن للابوين في المثال المذكور السدسين وللزوجة الثمن وللابنتين ما بقي من
التركة(183).
وفي ما يلي روايات أئمة أهل البيت في العول:
1
ـ روى محمّد بن مسلم، والفضيل بن يسار، وبريد العجلي، وزرارة بن أعين، عن أبي جعفر
ـ الامام الباقر ـ أنّه قال: السهام لا تعول ولا يكون أكثر من ستة(184).
2
ـ عن أبي مريم الانصاري عن أبي جعفر، قال: إنّ الذي يعلم رمل عالج ليعلم أنّ
الفرائض لا تعول على أكثر من ستة(185).
رمل عالج: ما تراكم من الرمل ودخل بعضه في بعض.
3
ـ عن بكير عن أبي عبد اللّه (ع) قال: أصل الفرائض من ستة أسهم لا تزيد على ذلك ولا
تعول عليها، ثمّ المال بعد ذلك لاهل السهام الذين ذكروا في الكتاب(186).
4
ـ عن ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللّه، قال: سهام المواريث من ستة أسهم
لا تزيد عليها... الحديث(187).
5
ـ عن علي بن سعيد، قال: قلت لزرارة: إن بكير بن أعين حدثني عن أبي جعفر، إنّ
السهام لا تعول ولا تكون أكثر من ستة، فقال: هذا ما ليس فيه اختلاف بين أصحابنا عن
أبي جعفر وأبي عبد اللّه(188).
هكذا ذكر الامامان حكم اللّه في هذا الامر دون أن يسنداه بينما نجدهما يسندانه في
روايات اُخرى مثل الروايات التالية:
6
ـ عن أبي بصير، قال: قلت: لابي جعفر (ع): ربّما اعيل السهام حتى تكون على المائة
أو أقلّ أو أكثر، فقال: ليس تجوز ستة، ثمّ قالك إنّ أمير المؤمنين كان يقول: إنّ
الّذي أحصى رمل عالج ليعلم أنّ السهام لا تعول على ستة، لو يبصرون وجوهها لم تجز
ستة(189).
7
ـ عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه ـ الصادق (ع) ـ قال: قرأ عليَّ فرائض علي (ع) فكان
أكثرهنّ من خمسة أسهم وأربعة أسهم، وأكثره من ستة أسهم(190).
8
ـ عن محمّد بن مسلم، قال: أقرأني أبو جعفر (ع) صحيفة كتاب الفرائض الّتي هي إملاء
رسول اللّه وخطّ علي بيده فإذا فيها: إنّ السهام لا تعول(191).
في المثال الثاني ذكر الامامان في عدّة روايات أنّ السهام لا تعول ولا تزيد على
ستة، وفي رواية منها: إنّ الّذي أحصى رمل عالج ليعلم أنّ السهام لا تعول.
في هذه الروايات ذكروا الحكم دونما ذكر سند له، وفي الحديث السادس أسنده الامام
إلى أمير المؤمنين، وفي السابع قرأ الامام على الراوي فرائض علي، وفي الثامن أقرأ
الراوي صحيفة كتاب الفرائض التي هي إملاء رسول اللّه وخط علي، والحكم في جميعها
واحد.
وكذلك الشأن في كتاب الامام الرضا (ع) إلى المأمون حيث قال فيه: والفرائض على ما
أنزل اللّه في كتابه ولا عول فيها(192).
وكذلك الامر في غير هذين المثالين مما ذكر الائمة في حديث لهم حكما شرعيا فإنهم
يرجعون في جميعها إلى ما قاله جدهم الرسول (ص).
الذي (ما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى).
ومن هنا كان لاحاديث أئمّة أهل البيت سند واحد، وحديثهم حديث واحد وقولهم قول
واحد.
ولهذا قال الامام الصادق (ع) كما رواه ابن سنان: ليس عليكم جناح في ما سمعتم منّي
أن ترووه عن أبي وليس عليكم جناح في ما سمعتم عن أبي أن ترووه عنّي ليس عليكم في
هذا جناح(193).
وقال في جواب أبي بصير لمّا قال: الحديث أسمعه منك أرويه عن أبيك، أو أسمعه من
أبيك أرويه عنك؟ قال: سواء، إلاّ إنّك ترويه عن أبي أحبّ إليّ(194).
وقال لجميل: ما سمعت منّي فاروه عن أبي(195).
ولهذا قال لحفص بن البختري لمّا قال: نسمع الحديث منك فلا أدري منك سماعه أو من
أبيك، فقال: ما سمعته منّي فاروه عن أبي وما سمعته منّي فاروه عن رسول اللّه
(ص)(196).
ولهذا قال كما رواه هشام بن سالم وحمّاد بن عثمان وغيرهما: حديثي حديث أبي، وحديث
أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث
الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير
المؤمنين حديث رسول اللّه (ص)، وحديث
رسول اللّه قول اللّه عزّ وجلّ(197).
ولهذا قال أبو جعفر ـ الامام الباقر (ع) ـ لجابر، لما قال له: إذا حدثتني بحديث
فأسنده لي، فقال: حدّثني أبي عن جدّي رسول اللّه، عن جبرائيل، عن اللّه عزّ وجلّ،
وكلّ ما اُحدّثك بهذا الاسناد... الحديث(198).
ولهذا جرى الحديث التالي بين سورة بن كليب وزيد بن علي بن الحسين كما رواه الكشي
عن سورة، قال: قال لي زيد بن عليّ: يا سورة! كيف علمتم أنّ صاحبكم ـ أي الامام
الصادق ـ على ما تذكرونه؟ قال: فقلت له: على الخبير سقطت، قال: فقال: هات! فقلت
له: كنّا نأتي أخاك محمّد بن علي (ع) نسأله فيقول: قال رسول اللّه (ص) وقال اللّه
عزّ وجلّ في كتابه، حتى مضى أخوك فأتيناكم آل محمّد وأنت في من أتينا، فتخبرونا
ببعض ولا تخبرونا بكل الّذي نسألكم عنه حتى أتينا ابن أخيك جعفر، فقال لنا كما قال
أبوه: قال رسول اللّه (ص) وقال تعالى، فتبسّم، وقال: أما واللّه إن
قلت هذا فإنّ كتب علي عنده(199).
ولهذا قال ابن شبرمة: ما ذكرت حديثا سمعته عن جعفر بن محمّد إلاّ كاد أن يتصدّع
قلبه، قال:
حدّثني أبي، عن جدّي، عن رسول اللّه، وقال ابن شبرمة: واقسم باللّه ما كذب أبوه
على جدّه ولا جدّه على رسول اللّه قال: قال رسول اللّه ((من عمل بالمقاييس فقد هلك
وأهلك، ومن أفتى الناس بغير علم وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ والمحكم من
المتشابه فقد هلك وأهلك))(200).
ولمّا كان الائمة يعتمدون قول اللّه ورسوله في بيان الاحكام وعلماء مدرسة الخلفاء
يعتمدون الرأي والقياس فيه؛ فقد تحتم وقوع
الخلاف بين المدرستين في بيان الاحكام كما نرى مثاله في الحديث الاتي:
روى عذافر الصيرفي، قال: كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر (ع) فجعل يسأله، وكان
أبو حعفر له مكرما، فاختلفا في شيء فقال أبو جعفر (ع): يا بنيّ! قم فأخرج كتابا
مدروجا عظيما ففتحه وجعل ينظر حتى أخرج المسألة فقال أبو جعفر(ع): هذا خطّ علي
وإملاء رسول اللّه (ص)، وأقبل على الحكم وقال: يا أبا محمّد اِذهب أنت وسلمة وأبو
المقدام حيث شئتم يمينا وشمالا فوَاللّه لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل
عليهم جبرئيل(201).
ما كان الائمة من أهل البيت يتمكنون دائما من اظهار ما عندهم من أحكام الاسلام عن
رسول اللّه خلافا لما عند مدرسة الخلفاء.
فقد قال أبو عبد اللّه ـ الصادق ـ: كان أبي يفتي ـ وكان يتقي ونحن نخاف ـ في صيد
البزاة والصقور وأمّا الان فإنّا لا نخاف ولا نحلّ صيدها إلاّأن تدرك ذكاته، فانه
في كتاب علي (ع) أنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: (وما علّمتم من الجوارج مكلّبين) في
الكلاب(202).
182 راجع مادّة ((العول)) في نهاية اللغة.
183 شرح اللمعة الدمشقية 8 / 86 ـ 91.
184 الكافي 7 / 80، ح 1، والوسائل 17 / 421، ح 32494.
185 الكافي 7 / 79، ح 1، والوسائل 17 / 422، ح 32499.
186 الكافي 7 / 81، ح 7، والوسائل 422، ح 32500، بكير بن أعين أبو الجهم الشيباني
ولاء، روى عن الامامين الباقر والصادق (ع)، وتوفي في عصر الصادق (ع).
قاموس الرجال 2 / 233.
187 من لا يحضره الفقيه 4 / 89، ح 5 مرسلا، والوسائل 17 / 424، ح 32505.
وابن أبي عمير، أبو أحمد محمد بن زياد مولى الازد، روى عن الامامين الرضا والجواد
(ع)، صنّف أربعة وتسعين كتابا (ت: 217 هـ). قاموس الرجال 8 / 3 ـ 9.
188 الكافي 7 / 8، ح 2، والتهذيب 9 / 248، ح 4، والوسائل 17 / 421، ح 32495.
189 الكافي 7 / 97، ح2، ومن لا يحضره الفقيه 4 / 187، ح1، والتهذيب 9 / 247، ح 3،
والوسائل 17 / 423 ح 32509.
190 الكافي 7 / 81، ح 6، والوسائل 17 / 422، ح 32498.
191 التهذيب 9 / 247، ح 3، والوسائل 17 / 423، ح 32503.
192 عيون أخبار الرضا 2 / 125، وتحف العقول للحسن بن علي بن شعبة الحراني ((من
أعلام القرن الرابع الهجري)) ط. مكتبة بصيرتي بقم ص 314 وفي لفظه اختلاف يسير،
والوسائل 17 / 424، ح 32508.
193 الوسائل ط. القديمة 3 / 380، رقم الحديث 85.
194 الكافي 1 / 51.
195 الكافي 1 / 51، وجميل في أصحاب الصادق (ع) أكثر من واحد.
196 الوسائل 3 / 380، رقم الحديث 86، وحفص بن البختري، بغدادي كوفي الاصل، روى عن
الامام الصادق (ع)، له كتاب. قاموس الرجال 3 / 355.
197 الكافي 1 / 53، وإرشاد المفيد، ص 257. وهشام بن سالم أبو محمد الجواليقي
الجعفي ولاء، كوفي، روى عن الامام الصادق، له كتاب. قاموس الرجال 9 / 357.
198 أمالي الشيخ المفيد، ص 26.
199 اختيار معرفة رجال الكشي، ص 376 في ترجمة سورة بن كليب.
200 الكافي 1 / 43.
201 رجال النجاشي 279.
وعذافر بن عيسى الخزاعي الصيرفي، روى عن الامام الصادق (ع). قاموس الرجال 6 / 295.
والحكم بن عتيبة الكوفي الكندي ولاء روى عن الامامين الباقر والصادق (ع). توفي سنة
113 أو 113 أو 114 أو 115. قاموس الرجال 3 / 375.
وأبو محمد مات وله نيف وستون أخرج حديثه أصحاب الصحاح. التهذيب 1 / 192.
وسلمة بن كهيل أبو يحيى الحضرمي الكوفي، أدرك الامامين الباقر والصادق (ع). قاموس
الرجال 4 / 439.
وأبو المقدام ثابت بن هرمز الحداد الفارسي العجلي ولاء، أدرك الامامين الباقر
والصادق (ع)، وهو وسلمة من البترية الذين دعوا إلى ولاية عليّ وخلطوها بولاية أبي
بكر وعمر، ويثبتون إمامتهما ويبغضون عثمان وطلحة والزبير وعائشة، ويرون الخروج مع
بطون ولد علي بن أبي طالب، يذهبون في ذلك إلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر،
ويثبتون لكل من خرج من ولد علي بن أبي طالب عند خروجه الامامة. قاموس الرجال 2 /
287 ـ 289.
202 الكافي 6 / 207، والتهذيب 9 / 33، والوسائل 16 / 207، وفي 220 منه باختصار.