اِستشهاد الامام الرضا (ع) بالجفر

في أحوال الامام الرضا (ع) من كتاب كشف الغمة للاربلي (ت: 693 هـ) (112): قال الفقير إلى اللّه تعالى عبد اللّه علي بن عيسى أثابه اللّه: وفي سنة سبعين وستمائة وصل من مشهده الشريف (ع) أحد قوامه، ومعه العهد الذي كتبه المأمون بخط يده وبين سطوره، وفي ظهره بخط الامام (ع) ما هو مسطور، فقبّلت مواقع أقلامه، وسرحت طرفي في رياض كلامه، وعددت الوقوف عليه من منن اللّه وإنعامه، ونقلته حرفاً فحرفاً.

 وما هو بخط المأمون:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

هذا كتاب كتبه عبد اللّه بن هارون الرشيد أمير المؤمنين بيده لعلي بن موسى بن جعفر ولي عهده، أمّا بعد فإن اللّه عزّ وجلّ اصطفى الاسلام دينا، وأصطفى له من عباده رسلا دالين عليه، وهادين إليه، يبشر أوّلهم بآخرهم، ويصدق تاليهم ماضيهم حتى انتهت نبوة اللّه إلى محمّد (ص) على فترة من الرسل، ودروس من العلم، وانقطاع من الوحي، واقتراب من الساعة، فختم اللّه به النبيين، وجعله شاهدا لهم ومهيمنا عليهم، وأنزل عليه كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. بما أحلّ وحرم، ووعد وأوعد، وحذر وأنذر، وأمر به ونهى عنه، لتكون له الحجّة البالغة على خلقه، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بيّنة، وأنّ اللّه لسميع عليم، فبلَّغ عن اللّه رسالته، ودعا إلى سبيله بما أمره به من الحكمة والموعظة الحسنة والمجادله بالّتي هي أحسن، ثمّ بالجهاد والغلظة، حتّى قبضه اللّه إليه واختار له ما عنده.

فلما انقضت النبوّة، وختم اللّه بمحمد (ص) الوحي والرسالة، جعل قوام الدين ونظام أمر المسلمين بالخلافة، وإتمامها وعزّها والقيام بحقّ اللّه فيها بالطاعة التي بها تقام فرائض اللّه وحدوده وشرائع الاسلام وسننه، ويجاهد بها عدوّه، فعلى خلفاء اللّه طاعته في ما استحفظهم واسترعاهم من دينه وعباده، وعلى المسلمين طاعة خلفائهم ومعاونتهم على إقامة حقّ اللّه وعدله، وأمن السبيل وحقن الدماء وصلاح ذات البين وجمع الألفة، وفي خلاف ذلك اضطراب حبل المسلمين واختلالهم، واختلاف ملّتهم وقهر دينهم واستعلاء عدوّهم وتفرّق الكلمة وخسران الدنيا والاخرة، فحقّ على من استخلفه اللّه في أرضه، وأتمنه على خلقه، أن يجهد للّه نفسه، ويؤثر ما فيه رضا اللّه وطاعته، ويعتمد لما اللّه مواقفه عليه

ومسائله عنه، ويحكم بالحق ويعمل بالعدل في ما حمله اللّه وقلّده، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول لنبيه داود (ع):

(يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحقّ ولا تتّبع الهوى فيضلّك عن سبيل اللّه إنّ الّذين يضلّون عن سبيل اللّه لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب)، وقال اللّه عزّ وجلّ: (فوربّك لنسألنّهم أجمعين عمّا كانوا يعملون)، وبلغنا أن عمر بن الخطاب قال: لو ضاعت سخلة بشاطى‌ء الفرات لتخوّفت أن يسألني اللّه عنها، وأيم اللّه إن المسؤول عن خاصّة نفسه، الموقوف على عمله في ما بينه وبين اللّه ليتعرّض على أمر كبير وعلى خطر عظيم، فكيف بالمسؤول عن رعاية الأمّة، وباللّه الثقة وإليه المفزع والرغبة في التوفيق والعصمة، والتسديد والهداية، إلى ما فيه ثبوت الحجّة والفوز من اللّه بالرضوان والرحمة.

وأنظر الاُمّة لنفسه وأنصحهم للّه في دينه وعباده من خلائقه في أرضه؛ من عمل بطاعة اللّه وكتابه وسنة نبيه (ص) في مدّة أيّامه وبعدها، وأجهد رأيه ونظره فيمن يولّيه عهده ويختاره لامامة المسلمين ورعايتهم بعده، وينصبه علما لهم ومفزعا في جمع الفتهم ولمّ شعثهم؛ وحقن دمائهم والامن بإذن اللّه من فرقتهم وفساد ذات بينهم واختلافهم، ورفع نزغ الشيطان وكيده عنهم، فإنّ اللّه عزّ وجلّ جعل العهد بعد الخلافة من تمام أمر الاسلام وكماله، وعزّه وصلاح أهله، وألهم خلفاءه من توكيده لمن يختارونه له من بعدهم ما عظمت به النعمة، وشملت فيه العافية، ونقض اللّه بذلك مكر أهل الشقاق والعداوة، والسعي في الفرقة والتربّص للفتنة.

ولم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت إليه الخلافة فاختبر بشاعة مذاقها وثقل محملها وشدّة مؤونتها، وما يجب على من تقلّدها من ارتباط طاعة اللّه ومراقبته في ما حمله منها، فأنصب بدنه وأسهر عينه وأطال فكره في ما فيه عزّ الدين وقمع المشركين وصلاح الاُمة، ونشر العدل واقامةُ الكتاب والسنّة، ومنعه ذلك من الخفض والدعة ومهنأ العيش علما بما اللّه سائله عنه، ومحبّة أن يلقى اللّه مناصحا له في دينه وعباده، ومختارا لولاية عهده ورعاية الاُمّة من بعده أفضل من يقدر عليه في ورعه ودينه وعلمه، وأرحاهم للقيام في أمر اللّه وحقّه، مناجيا للّه تعالى بالاستخارة في ذلك ومسألته الهامّة ما فيه رضاه وطاعته في آناء ليله ونهاره، معملا في طلبه والتماسه في أهل بيته من ولد عبد اللّه بن العبّاس وعلي بن أبي طالب فكره ونظره، مقتصرا لمن علم حاله ومذهبه منهم على علمه، وبالغا في المسألة عمّن خفي عليه أمره جهده وطاقته.

حتّى استقصى اُمورهم معرفة، وابتلى أخبارهم مشاهدة، واستبرأ أحوالهم معاينة، وكشف ما عندهم مساءلة فكانت خيرته بعد استخارته للّه وإجهاده نفسه في قضاء حقّه في عباده وبلاده في البيتين جميعا عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب لما رأى من فضله البارع، وعلمه الناصع، وورعه الظاهر، وزهده الخالص وتخلّيه من الدنيا، وتسلّمه من الناس، وقد استبان له ما لم تزل الاخبار عليه متواطئة، والالسن عليه متّفقة، والكلمة فيه جامعة، ولما لم يزل يعرفه من الفضل يافعا وناشئا، وحدثا ومكتهلا، فعقد له بالعهد والخلافة من بعده، واثقا بخيرة اللّه في ذلك، إذ علم اللّه أنّه فعله إيثارا له وللدين، ونظرا للاسلام والمسلمين، وطلبا للسلامة وثبات الحقّ، والنجاة في اليوم الّذي يقوم الناس فيه لربّ العالمين.

ودعا أمير المؤمنين ولده وأهل بيته، وخاصّته وقوّاده وخدمه، فبايعوا مسرعين مسرورين، عالمين بإيثار أمير المؤمنين طاعة اللّه على الهوى في ولده وغيرهم، وممّن هو أشبك منه رحما، وأقرب قرابة وسمّاه الرضا إذ كان رضا عند أمير المؤمنين، فبايعوا معشر أهل بيت أمير المؤمنين ومن بالمدينة المحروسة من قوّاده وجنده، وعامّة المسلمين لامير المؤمنين، والرضا من بعده كتب بقلمه الشريف بعد قوله: ((والرضا من بعده)) بل آل من بعده علي بن موسى على اسم اللّه وبركته وحسن قضائه لدينه وعباده بيعة مبسوطة إليها أيديكم، منشرحة لها صدوركم، عالمين بما أراد أمير المؤمنين بها، وآثر طاعة اللّه والنظر لنفسه ولكم فيها، شاكرين للّه على ما ألهم أمير المؤمنين من قضاء حقّه في رعايتكم، وحرصه

على رشدكم وصلاحكم، راجين عائدة ذلك في حمع الفتكم، وحقن دمائكم، ولمّ شعثكم، وسدّ ثغوركم وقوّة دينكم، ورغم عدوّكم واستقامة اُموركم، وسارعوا إلى طاعة اللّه وطاعة أمير المؤمنين فإنّه الامن ان سارعتم إليه وحمدتم اللّه عليه، عرفتم الحظّ فيه إن شاء اللّه. وكتب بيده يوم الاثنين لسبع خلون من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين.

 


 

112 كشف الغمّة في معرفة الائمة ط. مطبعة النجف سنة 1385 هـ تأليف أبي الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الاربلي.