رجوع أئمة أهل البيت (ع) إلى الكتب التي توارثوها

أمّا الجفر ومصحف فاطمة فقد وجدنا الامام الصادق يرجع إليهما للاستعلام عن تملك أبناء الحسن السبط الاكبر، كما في الكافي وبصائر الدرجات عن فضيل بن سكرة قال: دخلت على أبي عبد اللّه ـ الامام الصادق (ع) ـ فقال: يا فضيل! أتدري في أيّ شي‌ء كنت أنظر قبيل؟ قلت: لا، قال: كنت أنظر في كتاب فاطمة(ع) ليس من ملك يملك الارض إلاّ وهو مكتوب فيه باسمه واسم أبيه وما وجدت لولد الحسن فيه شيئا(89).

وعن الوليد بن صبيح قال: قال لي أبو عبد اللّه: يا وليد إنّي نظرت في مصحف فاطمة فلم أجد لبني فلان إلاّ كغبار النعل(90).

وعن سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبد اللّه يقول: إنّ عندي لصحيفة فيها اسم الملوك ما لولد الحسن فيها شي‌ء(91).

وعن عمر بن اُذينة (92) عن جماعة سمعوا أبا عبد اللّه (ع) يقول ـ وقد سئل عن محمّد ـ: إنّ عندي لكتابين فيهما اسم كلّ نبي وكلّ ملك يملك، واللّه ما محمّد بن عبد اللّه في أحدهما.

يقصد الامام من ((الكتابين)): الجفر ومصحف فاطمة، ومن ((اسم كلّ نبيّ)) اسم كلّ نبيّ قبل جدّه خاتم الانبياء، كما يظهر ذلك من الحديث الاتي:

في بصائر الدرجات عن معلّى بن خنيس، قال: قال أبو عبد اللّه: ما من نبيّ ولا وصيّ ولا ملك إلاّ في كتاب عندي، لا واللّه ما لمحمّد بن عبد اللّه بن الحسن فيه اسم(93).

ونظيره عن العيص بن القاسم(94).

وعن معلَّى بن خنيس قال: كنت عند أبي عبد اللّه (ع) إذ أقبل محمّد بن عبد اللّه بن الحسن فسلّم ثمّ ذهب، ورقّ له أبو عبد اللّه ودمعت عينه، فقلت له: لقد رأيتك صنعت به ما لم تكن تصنع! قال: رققت له لانّه ينسب في أمر ليس له، لم أجده في كتاب علي من خلفاء هذه الاُمّة ولا ملوكها(95).

وعن عنبسة بن بجاد العابد، قال: كان جعفر بن محمّد إذا رأى محمّد بن عبد اللّه بن الحسن تغرغرت عيناه ثمّ يقول: بنفسي هو، إنّ الناس ليقولون فيه أنّه المهديّ، وإنّه لمقتول، ليس هذا في كتاب أبيه عليّ من خلفاء هذه الاُمّة(96).

يقصد الامام من كتاب علي: الجفر الذي ورثوه من علي.

وفي الكافي عن فضيل بن يسار وبريد بن معاوية وزرارة: إنّ عبد الملك ابن أعين قال لابي عبد اللّه: انّ الزيديّة قد أطافوا بمحمّد بن عبد اللّه فهل له سلطان؟ فقال: واللّه إنّ عندي لكتابين فيهما تسمية كلّ نبيّ وكلّ ملك يملك الارض. لا واللّه ما محمّد بن عبد اللّه في واحد منهما(97).

اِتّخذ الامام الصادق موقفه من حركة بني عمومته أبناء الحسن استنادا إلى ما دوّن في الجفر الابيض ومصحف فاطمة، وكان ينبىء أحيانا بني عمومته نتيجة أمرهم كما وجدها في ما ورث من كتب غير أنّ أبناء عمومته لم يكونوا ليقبلوا نصحه وقوله، مثل ما رواه أبو الفرج في مقاتل الطالبيين، قال: إنّ جماعة بني هاشم اجتمعوا بالابواء وفيهم إبراهيم بن محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس، وأبو جعفر المنصور، وصالح ابن علي، وعبد اللّه بن الحسن بن الحسن ـ السبط ـ واُبناه محمّد وإبراهيم، ومحمّد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان(98).

فقال صالح بن علي: قد علمتم أنكم الّذين تمدّ الناس أعينهم إليهم، وقد جمعكم اللّه في هذا الموضع فاعقدوا بيعة لرجل منكم تعطونه إيّاها من أنفسكم وتواثقوا على ذلك حتّى يفتح اللّه وهو خير الفاتحين.

فحمد اللّه عبد اللّه بن الحسن، وأثنى عليه، ثمّ قال: قد علمتم أنّ ابني هذا هو المهدي فهلمّوا فلنبايعه.

وقال أبو جعفر ـ المنصور ـ: لايّ شي‌ء تخدعون أنفسكم، وواللّه لقد علمتم ما الناس إلى أحدٍ أطول أعناقا، ولا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى ـ يريد محمّد بن عبد اللّه ـ.

قالوا: قد ـ واللّه ـ صدقت إنّ هذا لهو الّذي نعلم فبايعوا جميعا محمّدا، ومسحوا على يده. وأرسل إلى جعفر بن محمّد ـ الصادق ـ(99).

وجاء جعفر بن محمّد فأوسع له عبد اللّه بن الحسن إلى جنبه، فتكلّم بمثل كلامه فقال جعفر لا تفعلوا! فإنّ هذا الامر لم يأت بعد إن كنت ترى انّ ابنك هذا هو المهدي فليس به، ولا هذا أوانه، وإن كنت إنّما تريد أن تخرجه غضبا للّه وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإنّا واللّه لا ندعك وأنت شيخنا، ونبايع ابنك.

فغضب عبد اللّه، وقال: لقد علمت خلاف ما تقول، وواللّه ما أطلعك اللّه على غيبه، ولكن يحملك على هذا الحسد لابني.

فقال: واللّه ما ذاك يحملني، ولكن هذا وإخوته وأبناؤهم دونكم، وضرب بيده على ظهر أبي العباس، ثمّ ضرب بيده على كتف عبد اللّه بن الحسن، وقال: إنّها واللّه ما هي إليك ولا إلى ابنيك، ولكنّها لهم، وإنّ ابنيك لمقتولان.

ثمّ نهض، وتوكّأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري، فقال: أرأيت صاحب الرداء الاصفر ـ يعني أبا جعفر ـ قال: فإنّا واللّه نجده يقتله. قال له عبد العزيز: أيقتل محمّدا؟!

قال: نعم. قال: فقلت في نفسي: حسده وربّ الكعبة! قال: ثمّ واللّه ما خرجت من الدنيا حتّى رأيته قتلهما.

قال: فلمّا قال جعفر ذلك انفض القوم فافترقوا ولم يجتمعوا بعدها. وتبعه عبد الصمد، وأبو جعفر، فقالا: يا أبا عبد اللّه! أتقول هذا؟ قال: أقوله واللّه، واعلمه(100).

وفي لفظ رواية اخرى: قال الصادق لعبد اللّه بن الحسن: إنّ هذا الامر ليس اليك ولا إلى ولديك، وإنما هو لهذا ـ يعني السفاح ـ ثمّ لهذا ـ يعني المنصور ـ ثمّ لولده من بعده، لا يزال فيهم حتّى يؤمروا الصبيان ويشاوروا النساء.

فقال عبد اللّه: واللّه يا جعفر ما أطلعك اللّه على غيبه،...

فقال ـ الصادق ـ: لا واللّه ما حسدت ابنك، وإنّ هذا ـ يعني أبا جعفر ـ يقتله على أحجار الزّيت، ثمّ يقتل أخاه بعده بالطفوف، وقوائم فرسه بالماء... الحديث(101).

وروى الطبري وأبو الفرج عن اُمّ حسين بنت عبد اللّه بن محمّد بن علي بن الحسين ـ السبط ـ قالت: قلت لِعَمّي جعفر بن محمّد: إني فديتك! ما أمر محمّد بن عبد اللّه؟ قال: فتنة يقتل فيها محمّد عند بيت رومي ويقتل أخوه لابيه واُمّه بالعراق وحوافر فرسه بالماء(102).

وروي أن عيسى قائد المنصور لما دخل المدينة قال جعفر بن محمّد: أهو هو؟ قيل: من تعني يا أبا عبد اللّه؟ قال المتلعب بدمائنا، أما واللّه لا يخلا منها شي‌ء، يعني محمّدا وإبراهيم(103).

وقال: خرج مع محمّد حمزة بن عبد اللّه بن محمّد بن عليّ وكان عمّه جعفر ينهاه، يقول له: هو واللّه مقتول(104).

 


 

89 اصول الكافي 1 / 242، ح 8، وبصائر الدرجات، ص 169، ح 3، والوافي 2 / 136.

وفضيل بن سكرة أبو محمد الاسدي، روى عن الامام الصادق (ع). قاموس الرجال 7 / 337.

90 بصائر الدرجات، ص 170 وص 161، ح 32 نظيره.

والوليد بن صبيح الكوفي الاسدي مولاهم، روى عن الامام الصادق (ع). قاموس الرجال 9 / 254.

91 بصائر الدرجات، ص 169، ح 5.

92 بصائر الدرجات، ص 169، ح 2. وقريب منه في الكافي والوافي كما يأتي. وعمر بن اُذينة اسمه محمد بن عمر غلب عليه اسم أبيه، فهو محمد بن عمر بن عبد الرحمن بن اُذينة من عبد القيس، روى عن الامامين الصادق والكاظم (ع). قاموس الرجال 7 / 179.

93 بصائر الدرجات، ص 169، ح 4.

94 بصائر الدرجات، ص 169، ح 6. أبو القاسم عيص بن القاسم البجلي ابن اُخت سليمان بن خالد روى عن الامامين الصادق والكاظم. قاموس الرجال 7 / 274، والكافي والوافي 1 / 57، وبصائر الدرجات.

95 الكافي، ص 168 ـ 169، ح1.

96 مقاتل الطالبيين، ص 208، وإرشاد المفيد، ص 260.

97 اُصول الكافي 1 / 242، ح 8، والوافي 2 / 136. بريد بن معاوية أبو القاسم العجلي، روى عن الامامين الباقر والصادق (ع) (ت: 150 هـ). قاموس الرجال 2 / 164.

98 إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس الملقب بالامام كان صاحب دعوة بني العباس وسجنه مروان الحمار آخر الخلفاء الامويين بحران، وقتله سنة 132 هـ. تاريخ ابن الاثير 5 / 158، ومروج الذهب للمسعودي 3 / 244. وأخوه أبو جعفر المنصور بويع بعد موت أخيه السفاح سنة 136 هـ وتوفي سنة 158 هـ في طريقه إلى مكة ودفن بمكة. مروج الذهب للمسعودي.

ومحمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان المعروف بالديباج قتله أبو جعفر المنصور عام 142 هـ بحران وبعث برأسه إلى خراسان.

99 وفي رواية قال لهم عبد اللّه بن الحسن: لا نريد جعفرا لئلاّ يفسد عليكم أمركم.

100 مقاتل الطالبيين، ص 206 ـ 208، وارشاد المفيد، ص 259 ـ 260.

101 مقاتل الطالبيين 253 ـ 256.

102 الطبري 9 / 230 وط. أوربا 3 / 254، ومقاتل الطالبيين، ص 248.

103 مقاتل الطالبيين، ص 272.

104 الطبري 9 / 230 وقد ذكرته بإيجاز.