وعاءان فيهما مواريث الامامة

في الكافي وبصائر الدرجات: عن الحسين بن أبي العلاء، قال: سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول: عندي الجفر الابيض، قال: قلت فأيّ

شي‌ء فيه؟ قال: زبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى،  وصحف إبراهيم (ع)، والحلال والحرام، ومصحف فاطمة ما أزعم أنّ فيه قرآنا، وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلى أحد حتى فيه الجلدة، ونصف الجلدة وربع الجلدة وأرش الخدش، وعندي الحفر الاحمر، قال: قلت: وأيّ شي‌ء في الجفر الاحمر؟ قال: السلاح... الحديث(64).

ويقصد الامام من ((وفيه ما يحتاج الناس إلينا...)) إن في الجفر كتاب علي، وفي كتاب علي ما يحتاج الناس إليه.

وعن أبي حمزة عن أبي عبد اللّه قال: مصحف فاطمة ما فيه شي‌ء من كتاب اللّه وإنّما هو شي‌ء اُلقي عليها بعد موت أبيها  (ص)(65).

وفي رواية: عندي مصحف فاطمة ليس فيه شي‌ء من القرآن(66).

وإنما يؤكد الامام في حديث بعد حديث أنّه ليس في مصحف فاطمة قرآن لئلاّ يلتبس على الناس لفظ المصحف كما التبس على بعضهم في عصرنا.

وفي بصائر الدرجات: عن علي بن سعيد قال: كنت قاعدا عند أبي عبد اللّه ـ الامام الصادق (ع) ـ وعنده اُناس من أصحابنا، فقال له معلّى بن خنيس: جعلت فداك! ما لقيت من الحسن بن الحسن، ثمّ قال له الطّيار: جعلت فداك! بينا أمشي في بعض السكك إذ لقيت محمّد بن عبد اللّه بن الحسن على حمار حوله اُناس من الزيدية ـ إلى أن قال أبو عبد اللّه ـ:

وأمّا قوله في الجفر فإنّما هو جلد ثور مدبوغ كالجراب فيه كتب، وعلم ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة من حلال وحرام، إملاء رسول اللّه وخطّه عليّ (ع) بيده وفيه مصحف فاطمة ما فيه آية من القرآن، وإنّ عندي خاتم رسول اللّه ودرعه وسيفه ولواءه وعندي الجفر على رغم أنف من رغم(67).

روي هذا الحديث بسندين أوردنا أتّمهما(68).

ما أوردناه في هذا الباب من شرح مصادر العلوم بمدرسة أهل البيت لم يكن من باب حصر مصادر علوم أئمة أهل البيت بها، بل مصداقا لقاعدة: ((إثبات الشي‌ء لا ينفي ما عداه)) وقد جاء عن الامام موسى بن جعفر أنّه قال: مبلغ علمنا على ثلاثة وجوه: ماض وغابر وحادث، فأمّا الماضي فمفسّر، وأمّا الغابر فمزبور، وأمّا الحادث فقذف في القلوب، ونقر في الأسماع، وهو أفضل علمنا ولا نبيّ بعد نبيّنا(69).

 شرح الحديث:

ملخص ما ذكره المجلسي (رض)  بمرآة العقول: ((مبلغ علمنا)) أي غايته وكماله أو محلّ بلوغه ومنشأه. ((ماض)) ما تعلّق بالاُمور الماضية. ((غابر)) ما تعلّق بالاُمور الاتية والغابر: الباقي  والماضي، من الاضداد. ((فأمّا الماضي فمفسّر)) أي فسّره لنا رسول اللّه (ص)، و((أمّا الغابر)) أي العلوم المتعلقة بالاُمور الاتية المحتومة؛ ((فمزبور)) أي مكتوب لنا في الجامعة ومصحف فاطمة وغيرها، والشرائع والاحكام داخل فيها أو في أحدهما، ((وأمّا الحادث)) وهو ما يتجدّد من اللّه حتمه من الاُمور أو العلوم والمعارف الربانية أو تفصيل المجملات، ((فقذف في القلوب)): بالالهام من اللّه تعالى بلا توسّط ملك.

((أو نقر في الاسماع)) بتحديث الملك إيّاهم، وكونه من أفضل علومهم لاختصاصه بهم ولحصوله بلا واسطة بشر أو لعدم اختصاص العلمين الأوّلين بهم إذ قد اطلع على بعضهما بعض خواصّ الصحابة مثل سلمان وأبي ذرّ بإخبار النبيّ (ص) وقد رأى بعض أصحابهم (ص) مواضع من تلك الكتب، ولمّا كان هذا القول منه (ع) يوهم ادّعاء النبوّة فإنَّ الاخبار عند الناس مخصوص بالانبياء فقد نفى (ع) ذلك الوهم بقوله: ((ولا نبيّ بعد نبيّنا)) وذلك لانّ الفرق بين النبيّ والمحدّث إنّما هو برؤية الملك عند إلقاء الحكم للنبيّ وعدمها بالاُسماع من الملك للمحدّث. انتهى.

وفي الكافي عن الامام محمّد الباقر (ع) قال: إنّ أوصياء محمّد عليه وعليهم السلام محدّثون.

وعن أبي الحسن موسى، قال: الائمّة علماء صادقون مفهّمون محدّثون.

وعن محمّد بن مسلم، قال: ذكر المحدّث عند أبي عبد اللّه (ع) فقال: إنّه يسمع الصوت ولا يرى الشخص فقلت له: جعلت فداك، كيف يعلم أنّه كلام الملك؟ قال: إنّه يعطىالسكينة والوقار حتّى يعلم أنّه كلام ملك(70).

نجد في كتب الحديث بمدرسة الخلفاء أحاديث تثبت نظير هذه الصفات لبعض الخلفاء مثل ما روت اُ المؤمنين عائشة في حقّ الخليفة عمر، قالت: قال رسول اللّه (ص): ((قد كان في الاُمم قبلكم محدّثون فإن يكن في اُمّتي منهم أحد فإنّ عمر بن الخّطاب منهم)).

وروى أبو هريرة أيضا نظير هذا الحديث في حقّ الخليفة عمر(71)، ومهما جاء في مصادر مدرسة الخلفاء فإنّه لم يرد فيها أن أحدهم ورث عن رسول اللّه كتابا مثل ما جاء ذلك في حقّ أئمة أهل البيت بكلّ وضوح وتفصيل، وفي ما يلي كيفية تداول أئمة أهل البيت كتب العلم التي ورثوها عن رسول اللّه (ص).

 


 

64 اُصول الكافي 1 / 240، ح 3، وبصائر الدرجات 150 ـ 151، والارشاد للمفيد، ص 257 مع اختلاف في اللفظ. الحسين بن أبي العلاء أبو علي الخفاف الاعور، يروي عن الامام الصادق (ع)، له كتاب. قاموس الرجال 3 / 262.

65 بصائر الدرجات، 159.

66 بصائر الدرجات 154. وأبو حمزة الثمالي ثابت بن أبي صفية دينار، له كتاب. روى عن الائمة علي بن الحسين والباقر والصادق (ع). قاموس الرجال 2 / 270 و10 / 53.

67 بصائر الدرجات 156.

68 بصائر الدرجات، ص 160 و161 وفيها الرواية الموجزة.

69 أصول الكافي 1 / 264، باب جهات علوم الائمة، وشرحه بمرآة العقول 3 / 136.

70 الاحاديث الثلاثة: في أصول الكافي 1 / 270 ـ 271، باب: إن الائمة (ع) محدّثون مفهمون.

71 رواية عائشة في صحيح مسلم، باب فضائل الصحابة، ح 2، ومسند أحمد 6 / 55، ورواية أبي هريرة في صحيح البخاري 2 / 173 و196، ومسند الطيالسي، ح 2348.