إستخراج القواعد من عمل الصحابة
قال الدواليبي في تعريف الاجتهاد: إنّه رأي غير مجمع عليه، وقال: فإذا اُجمع عليه
فهو الاجماع ولذلك فالاجتهاد بعد الاجماع في المنزلة(148).
وقسّم أنواع الاجتهاد إلى ثلاثة:
أوّلاً: البيان والتفسير لنصوص الكتاب والسنّة(149).
ثانيا: القياس على الاشباه ممّا في الكتاب والسنّة.
ثالثا: الرأي الّذي لايعتمد على نصّ خاصّ، وإنّما على روح الشريعة المبثوثة في جميع
نصوصها معلنة: ((إنّ غاية الشرع إنّما هي المصلحة، وحيثما وجدت المصلحة فثم شرع
اللّه)) وإنّ ((ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن)).
وقال: ولعلّ من أبرز المسائل الاجتهاديّة، والوقائع الّتي حدثت في عهد الصحابة بعد
وفاة النبيّ، هي قضيّة قسمة الاراضي الّتي فتحها المقاتلون عنوة في العراق وفي
الشام وفي مصر.
فلقد جاء النصّ القرآني يقول بصراحة لا غموض فيها إنّ خمس الغنائم يرجع لبيت المال
ويصرف في الجهات الّتي عينتها الاية الكريمة (واعلموا أنّ ما غنمتم من شيء فانّ
للّه خمسه وللرسول ولذِي القُربى...).
أمّا الاخماس الاربعة الباقية فتقسم بين الغانمين عملاً بمفهوم الاية المذكورة
وبفعله عليه الصّلاة والسّلام حين قَسّم خيبر بين الغزاة.
وعملاً بالقرآن والسنّة جاء الغانمون إلى عمر بن الخطّاب وطلبوا إليه أن يخرج الخمس
للّه ولمن ذكر في الاية، وأن يقسم الباقي بين الغانمين.
فقال عمر: فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الارض بعلوجها قد اقتسمت، وورثت عن
الاباء وحيزت؟ ما هذا برأي.
فقال له عبدالرّحمن بن عوف: فما الرأي؟ ما الارض والعلوج إلاّ ممّا أفاء اللّه
عليهم.
فقال عمر: ما هو إلاّ ما تقول، ولست أرى ذلك...
فأكثروا على عمر، وقالوا تقف ما أفاء اللّه علينا بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم
يشهدوا،...
فكان عمر لايزيد على أن يقول هذا رأيي.
فقالوا جميعا الرأي رأيك(150).
وقال ابن حزم: الرأي ما تخيّلته النفس صوابا دون برهان.
وقال: القياس: أن يحكم بشيء بحكم لم يأت به نصّ لشبهه بشيء آخر جاء فيه ذلك
الحكم(151).
وعرّف الاستحسان في المدخل بقوله: الاستحسان: الاخذ في مسألة بحكم يخالف الحكم
المعروف في القياس إمّا لرجحان علّة في دليل الاستحسان وإمّا لضرورة توجب مصلحة
وتدفع حرجا(152).
وروى عن الحنفية قولها عن الاستحسان أنّه: العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم
آخر لوجه أقوى يقتضي هذا العدول.
وعن المالكيّة أنّهم قالوا عن الاستحسان أنّه: ان لايتقيّد الفقيه المجتهد عند بحث
الجزئيات بتطبيق ما يؤدِّي إليه اضطرار القياس من جلب مضرّة أو مشقّة، أو منع
مصلحة(153).
وقال في تعريف الاستصلاح: الاستصلاح في حقيقته نوع من الحكم بالرأي المبني على
المصلحة(154).
وقال في الفرق بين الاُصول الثلاثة: إنّ مسائل القياس والاستحسان تتطلّب دوما
المقارنة بمسائل أُخرى.
ففي القياس توجب إلحاق مسائل القياس بحكم المسائل الاُخرى المقيس عليها وتوحيد
الحكم فيها بسبب الاتحاد في العلّة.
وفي الاستحسان توجب العدول بمسائل الاستحسان عن حكم المسائل الاُخرى في النظائر
والاشباه والمغايرة في الحكم فيها بسبب عدم الاتحاد في بعض الوجوه ممّا هو أقوى من
بعض مظاهر الاتحاد.
أمّا مسائل الاستصلاح فهي لاتستلزم المقارنة بمسائل أُخرى على نحو ما مرّ في القياس
والاستحسان للحكم فيها بل يعتمد في الحكم في مسائل الاستصلاح على المصلحة فقط(155).
وقال في باب النصوص وتغيير الاحكام بتغيّر الزمان في الشرع الاسلامي: أمّا التغيير
لحكم لم ينسخ نصّه من قبل الشارع فقد أجازته للمجتهدين من قضاة ومفتين، تبعا لتغيّر
المصالح في الازمان أيضا؛ وامتازت بذلك على غيرها من الشرائع، وأعطت
فيه درسا بليغا عن مقدار ما تعطيه من حرِّيّة للعقول في الاجتهاد، ومن مرونة لتحكيم
المصالح في الاحكام. وهكذا أصبح العمل بهذا المبدأ الجليل قاعدة مقرّرة في التشريع
الاسلامي، تعلن بأنّه ((لاينكر تغيير الاحكام بتغيّر الازمان))(156).
واستشهد بقول ابن القيم في أعلام الموقعين: هذا فصل عظيم النفع جدّا...
(157). وقد
أورد ابن القيم في هذا الباب عدّة أمثلة منها قوله: المثال السابع: إنّ المطلّق في
زمن النبيّ (ص) وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر كان إذا جمع الطلقات الثلاث بفم واحد
جعلت واحدة كما ثبت في الصحيح...
ثمّ أورد الاحاديث الصحاح في ذلك ومنها خبر تطليق رُكانة بن عبد يزيد زوجته حيث
طلّقها ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها، فسأله رسول اللّه (ص) : كيف طلّقتها؟ قال:
طلّقتها ثلاثا. قال: في مجلس واحد؟ قال: نعم. قال: فإنّما تلك واحدة فأرجعها إن
شئت، فراجعها.
وقال: والمقصود أنّ عمر بن الخطّاب (رض) لم يخف عليه أنّ هذا هو السنّة وأنّه توسعة
من اللّه لعباده، إذ جعل الطلاق مرّة بعد مرّة وما كان مرّة بعد مرّة لم يملك
المكلّف إيقاع مرّاته كلّها جملة واحدة كاللعان فإنّه لو قال: ((أشهد باللّه أربع
شهادات انّه لمن الصادقين)) كان مرّة واحدة ولو حلف في القسامة وقال: ((اُقسم
باللّه خمسين
يمينا أنّ هذا قاتله)) كان ذلك يمينا واحدا...
وهكذا أورد الامثلة عليه ثمّ قال: فهذا كتاب اللّه، وهذه سنّة رسول اللّه (ص) وهذه
لغة العرب، وهذا عرف التخاطب وهذا خليفة رسول اللّه (ص) والصحابة كلّهم معه في
عصلره وثلاث سنين من عصر عمر على هذا المذهب...
وهم يزيدون على الالف قطعا...
والمقصود أنّ هذا القول قد دلّ عليه الكتاب والسنّة والقياس والاجماع القديم ولم
يأت بعده إجماع يبطله ولكن رأي أميرالمؤمنين عمر (رض) ... أنّ هذا مصلحة لهم في
زمانه(158).
وفي تعريف الاجماع يقسمه الدواليبي إلى قسمين:
أ
ـ إتّفاق العالمين من الاُمّة في الموضوع المبحوث فيه، وليس اتّفاق الاُمّة
بكاملها.
ب
ـ الاتّفاق الكائن في مكان ما من الامكنة الّتي تحدث فيها الحادثة، أو تعرض فيها،
كالمدينة المنوّرة، وليس هو الاتّفاق الكائن في جميع الامكنة والامصار.
وقال: فلمّا مضى الصحابة، وجاء من بعدهم من العلماء أخذ هؤلاء
بالاجماع أيضا كأصل من أُصول الشريعة.
غير أنّ هؤلاء لم يجدوا أنفسهم أمام أصل واضح في حدوده...(159).
* * *
جميع ما استعرضناه آنفا لايعدو كونه عملاً بالرأي، سواء في القضايا الّتي سمّوا
رأيهم فيها ((تأويلاً)) أو ((اجتهادا)) أو موارد التسميات الاُخرى.
فالقياس حقيقته: أن يحكم المجتهد في مسألة بحكم جاء في مسألة أُخرى لما يرى بين
المسألتين من مشابهة.
والاستحسان: ترك الحكم المشابه للمسألة، لمّا يرى المجتهد المصلحة في خلافه.
والاستصلاح: العمل في قضيّة ما بما يراه المجتهد صالحا دون عمل مقارنة.
والاجماع: اتفاق آراء العلماء أو أهل بلد في حكم قضيّة ما.
هكذا تنتهي كلّ قواعد الاجتهاد بمدرسة الخلفاء إلى الرأي، أضف إليه انّهم كانوا
يقدّمون رأيهم على النصّ الشرعي، مثل خبر حبس عمر الاراضي المفتوحة عنوة دون تقسيم
أربعة أخماسها على الغزاة خلافا لنصّ الكتاب وعمل الرسول، ومثل جعل القول بالتطليق
ثلاثا مرّة واحدة خلافاً للكتاب والسنّة، ومن ثمّ كان إمام مدرسة الرأي في
المجتهدين يصرِّح أحيانا بتقديم رأيه على الحديث النبوي الشريف وأنّ رأيه أولى
بالعمل من قول الرسول كما يأتي في الامثلة الاتية:
148
، (149) المدخل ص55.
150
المدخل إلى علم أُصول الفقه ص 91 ـ 95، باب أنواع الاجتهاد.
151
الاحكام بأُصول الاحكام لابن حزم ط. مطبعة العاصمة بالقاهرة ونشر زكريا علي يوسف،
راجع 1 / 40 ـ 41 منه.
152
المدخل ص293.
153
المدخل ص296.
154
المدخل ص301 في الباب الثامن.
155
المدخل ص 304 ـ 305 الباب الثامن.
156
المدخل ص317.
157
المدخل ص319.
158
أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية 3 / 30 ـ 36، فصل حكم جمع الطلقات الثلاثة بلفظ
واحد.
159
المدخل ص 5 / 334، الباب التاسع.