أهم أدلّتهم على صحّة الاجتهاد:

أ ـ حديث معاذ:

في سنن الدارمي وغيره: إنّ النبيّ (ص) لمّا بعث معاذا إلى اليمن قال له: ((كيف تقضي؟)) قال: أقضي بكتاب اللّه. قال: ((فإن لم يكن في كتاب اللّه؟)) قال: فبسنّة رسول اللّه (ص) ، قال: ((فإن لم يكن في سنّة رسول اللّه (ص) ؟ )) قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب صدري وقال: ((الحمد للّه الّذي وفّق رسولَ رسولِ اللّه(ص))(141).

 ب ـ حديث عمرو بن العاص:

في صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند أحمد وغيرها، واللفظ للاوّل: إنّ رسول اللّه قال: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثمّ أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثمّ أخطأ فله أجر))(142).

 ج ـ كتاب عمر إلى أبي موسى الاشعري:

جاء فيه: الفهم، الفهم في ما يتلجلج في صدرك ممّا ليس في الكتاب والسنّة ثمّ قس الاُمور بعضها ببعض....(143).

هذه أهم أدلّتهم في إثبات صحّة الاجتهاد، وما عداها لا حاجة إلى إيرادها ومناقشتها لضعف أسنادها ووضوح عدم دلالتها على مرادهم، أمّا الحديثان وكتاب عمر، فقد ناقش ابن حزم حديث معاذ وقال: وأمّا خبر معاذ فإنّه لايحلّ الاحتجاج به لسقوطه، وذلك انّه لم يرو قطّ إلاّ من طريق الحارث بن عمرو وهو مجهول، لايدري أحد من هو، وقال البخاري في تاريخه الاوسط: ((ولا يعرف الحارث إلاّ بهذا ـ الحديث ـ ولا يصحّ)). ثمّ إنّ الحارث روى عن رجال من أهل حمص لايدرى من هم! ثمّ لم يعرف قطّ في عصر الصحابة ولا ذكره أحد منهم. ثمّ لم يعرفه أحد قطّ في عصر التابعين، حتّى أخذه أبو عون وحده عمّن لايدري من هو، فلمّا وجده أصحاب الرأي عند شعبة طاروا به كلّ مطار، وأشاعوه في الدُّنيا وهو باطل لا أصل له(144).

وقال: وبرهان وضع هذا الخبر وبطلانه هو أنّ من الباطل الممتنع أن يقول رسول اللّه (ص) فإن لم تجد في كتاب اللّه ولا في سنّة رسول اللّه وهو يسمع قول ربّه تعالى (واتبعوا ما اُنزل اليكم مِن ربّكم) وقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) وقوله تعالى (ومن يتعدّ حدود اللّه فقد ظلم نفسه) مع الثابت عنه (ع) من تحريم القول بالرأي في الدين... ثمّ لو صحّ لكان معنى قوله ((أجتهد رأيي)) أستنفد جهدي حتّى أرى الحقّ في القرآن والسنّة ولا أزال أطلب ذلك أبداًس.

وأيضا، لو صحّ لكان لايخلو من أحد وجهين: إمّا أن يكون لمعاذ وحده فيلزمهم أن لايتبعوا رأي أحد إلاّ رأي معاذ، وهم لا يقولون بهذا.

أو يكون لمعاذ وغيره، فإن كان ذلك فكلّ من اجتهد رأيه فقد فعل ما اُمر به، فهم كلّهم محقّون ليس أحد منهم أولى بالصواب من آخر، فصار الحقّ على هذا في المتضادّات، وهذا خلاف قولهم، وخلاف المعقول، بل هذا المحال الظاهر، وليس لاحد أن ينصر قوله بحجّة لانّ مخالفه أيضا قد اجتهد رأيه، وليس في الحديث الّذي احتجّوا

به أكثر من اجتهاد الرأي ولا مزيد، فلا يجوز لهم أن يزيدوا فيه ترجيحا لم يذكر في الحديث، وأيضا فليس أحد أولى من غيره، ومن المحال البيّن أن يكون ما ظنّه الجهّال في حديث معاذ لو صحّ من أن يكون (ع) يبيح لمعاذ أن يحلّل برأيه ويحرّم برأيه ويوجب الفرائض برأيه ويسقطها برأيه، وهذا ما لايظنّه مسلم، وليس في الشريعة شي‌ء غير ما ذكرنا ألبتّة(145). انتهى.

وقال ابن حزم عن حديث عمرو بن العاص: وأمّا حديث عمرو بن العاص فأعظم حجّة عليهم لانّ فيه انّ الحاكم المجتهد يخطئ ويصيب، فإن كان ذلك كذلك فحرام الحكم في الدين بالخطأ، وما أحلّ اللّه تعالى قطّ إمضاء الخطأ فبطل تعلّقهم(146).

وقال عن كتاب عمر بعد إيراده بسندين: وهذا لايصحّ، لانّ السند الاوّل فيه عبدالملك بن الوليد بن معدان، وهو كوفي متروك الحديث ساقط بلا خلاف، وأبوه مجهول.

وأمّا السند الثاني: فمن بين الكرجي إلى سفيان مجهول وهو أيضا منقطع فبطل القول به جملة(147).

 


 

141  مقدّمة الدارمي 1 / 60، ومسند أحمد 5 / 230 و 276.

142  صحيح البخاري 4 / 178، باب أجر الحاكم من كتاب الاحكام، ومسلم بكتاب الاقضية، باب بيان أمر الحاكم، ص1242، ح15، وابن ماجة، باب الحاكم يجتهد فيصيب، ح2314 من كتاب الاحكام، ومسند أحمد 2 / 187 و 4 / 198 و 204 و 205 منه: ((إذا أصبت فلك عشر حسنات)).

143  الكتاب المنسوب إلى عمر وشرحه في الاحكام لابن حزم 5 / 1003، وراجع أعلام الموقعين 1 / 85 ـ‍ 86.

144  الاحكام لابن حزم 5 / 773 ـ 775، ط. مطبعة العاصمة بالقاهرة.

145  الاحكام 5 / 775.

146  الاحكام لابن حزم 5 / 771.

147  الاحكام 5 / 1003، وراجع اعلام الموقعين 1 / 85 ـ 86، وقال عن السند ان جعفرا أحد رواة السند لم يسنده.