نكاح المتعة في كتاب اللّه:

قال اللّه سبحانه: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَـا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ...) النِّساء / 24.

كانت في مصحف ابن عباس ((فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى)) وقرأها كذلك أُبيّ بن كعب وابن عباس وسعيد بن جبير والسدّي، ورواها قتادة ومجاهد.

 نكاح المتعة في السنّة:

عن عبداللّه بن مسعود، رخّص رسول اللّه (ص) أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثمّ قرأ عبداللّه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا...) المائدة / 87.

وعن جابر وسلمة بن الاكوع قالا: خرج علينا منادي رسول اللّه، فقال: إنّ رسول اللّه قد أذن لكن أن تستمتعوا، يعني متعة النِّساء.

وعن سبرة الجهني قال: أذن لنا رسول اللّه بالمتعة، فانطلقت أنا ورجل إلى امرأة من بني عامر فعرضنا عليها أنفسنا فقالت ما تعطي فقلت ردائي... قالت أنت ورداؤك يكفيني، فمكثت معها ثلاثا ثمّ إنّ رسول اللّه قال: من كان عنده شي‌ء من هذه النِّساء الّتي يتمتّع بها فليخلّ سبيلها.

وعن أبي سعيد الخدري، قال: كنّا نتمتّع على عهد رسول اللّه (ص) بالثوب.

وعن أسماء بنت أبي بكر، قالت: فعلناها على عهد النبيّ (ص) .

وعن جابر، قال: كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الايّام، على عهد رسول اللّه وأبي بكر وعمر، حتّى إذا كان في آخر خلافة عمر استمتع عمرو بن حريت بامرأة فحملت المرأة فبلغ ذلك عمر فنهى عنها.

وفي رواية: استمتع عمرو بن حوشب بجارية بكر من بني عامر بن لؤي فحملت فقال عمر: ما بال رجال يعملون بالمتعة ولا يشهدون عدولاً؟ ما تمتّع رجل ولم يبيّنها إلاّ حددته، فتلقاه الناس عنه.

وفي رواية: تزوج ربيعة بن أُميّة بن خلف مولدة بشهادة امرأتين فحملت فصعد عمر المنبر وقال لو كنت تقدمت في هذا لرجمت.

وفي رواية: إنّ سلمة بن أُميّة استمتع من مولاة حكيم بن أُميّة فولدت فجحد الولد فنهى عمر عن المتعة وقال: لو أُتيت برجل تمتّع بامرأة لرجمته إن كان أُحصن، فإن لم يكن أُحصن ضربته.

وبعد نهي عمر أصبح نكاح المتعة محرّما في المجتمع الاسلامي، وبقي الخليفة عمر مصرّا على تحريمه، روى عمران بن سوادة أنّه قال للخليفة: نصيحة، فقال: مرحبا بالناصح هات.

فقال عابت أُمّتك منك انّك حرّمت العمرة في أشهر الحجّ ولم يفعل ذلك رسول اللّه ولا أبو بكر وهي حلال.

فقال: إنّهم لو اعتمروا في أشهر الحجّ لرأوها مجزية وبقيت مكّة خالية منهم، وقد أصبت.

قال: ذكروا إنّك حرّمت متعة النِّساء وقد كانت رخصة من اللّه نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث.

قال: إن رسول اللّه أحلّها في زمان ضرورة ثمّ رجع الناس إلى سعة، والان من شاء نكح بقبضة وفارق عن ثلاث بطلاق.

قال المؤلِّف: هل يسوغ تحريم ما أحلّ اللّه من متعة الحجّ بسبب أنّ ذلك يؤدِّي إلى فراغ مكّة من المعتمرين بقيّة السنة؟!

وفي متعة النِّساء، هل كان السفر خاصّا بعصر الرسول حيث تمتعوا في السفر بإذن الرسول؟ وماذا يفعل المسافر الّذي يطول سفره شهورا وسنين في سائر العصور؟ وكذلك الانسان الّذي لايستطيع الزواج الدائم في وطنه، هل يتنكر لغريزته، أم يخون المجتمع سرّا أو يسمح المجتمع له بالزِّنا علنا كما هو الحال في المجتمعات المعاصرة؟ أمّا ما ذكره الخليفة: أن ينكح بقبضة ويفارق عن ثلاث بطلاق، فإذا كان ذلك باتفاق ونيّة مسبقة من الزوجين فهو نكاح المتعة بعينه، وإذا يخفي الزوج نيّة الفراق في نفسه فهو غدر وخيانة للمرأة ولا يقرهما الاسلام.

وهذه المحاورة من الخليفة وسائر أحاديثه في شأن المتعة وكذلك أحاديث الصحابة عن رسول اللّه وأخبارهم عن تمتعهم زمن النبيّ وأبي بكر وخلافة عمر، كل ذلك يثبت أنّ الروايات الّتي رويت عن رسول اللّه في تحريم المتعة قد وضعت بعد عصر عمر وإلاّ لاستشهد بها هو ولما قال الصحابة أنّ التحريم صدر في آخر خلافته ومن ثمّ قال عليّ وابن عباس لولا نهي عمر ما زنى إلاّ شقيّ.

وقد بقي على تحليلها بعد رسول اللّه من الصحابة علي وابن مسعود، وابن عباس وأسماء، وأبو سعيد الخدري وجابر، وسلمة ومعبد ابنا أُميّة، ومعاوية بن أبي سفيان وعمران بن الحصين.

ومن التابعين: طاووس وعطاء، وسعيد بن جبير وسائر فقهاء مكّة وأهل اليمن كلّهم.

أمّا من تابع عمر في تحريمها فقد اعتمد قسم منهم على الروايات الموضوعة على رسول اللّه، وقال آخرون: إنّ الخليفة اجتهد في ذلك، واتخذوا اجتهاد الخليفة دينا.

*             *              *

 أوردنا في ما سبق أمثلة من استناد الخلفاء إلى آرائهم في ما أفتوه في الاحكام الاسلاميّة ودانوا بها ووجدنا أتباعهم يسمّون ذلك منهم بالاجتهاد، ومن تتبع سيرتهم وفقههم وجد ذلك طابعهم المميز لمدرستهم عن مدرسة أئمّة أهل البيت فإن أئمّة أهل البيت خالفوهم في ذلك، كما سنراه في البحوث الاتية، إن شاء اللّه تعالى.

وندرس في ما يأتي ما استنبطوه من عمل الصحابة، وكيف اصبح الاجتهاد بعد ذلك من مصادر الشريعة الاسلاميّة.