نسخ حكم المتعة مرّتين أو أكثر
عنون مسلم في صحيحه هذا الباب بـ ((باب نكاح المتعة وبيان أنّه اُبيح ثمّ نسخ، ثمّ
اُبيح ثمّ نسخ واستقرّ حكمه إلى يوم القيامة))(117).
وقال ابن كثير في تفسيره: وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى أنّه اُبيح ثمّ
نسخ ثمّ أبيح ثمّ نسخ مرّتين(118).
وقال ابن العربي كما يأتي تفصيل قوله: تدواله النسخ مرّتين ثمّ حرّم. وأشار إلى ذلك
الزمخشري في الكشّاف(119).
وقال آخرون: إنّ النسخ وقع أكثر من مرّتين(120).
والحقّ معهم فإنّه إن جاز لنا أن نقول بتكرّر النسخ في حكم واحد دفعا لتناقض
الاحاديث فلابدّ لنا أن نقول بتكرّر النسخ على عدد الاحاديث المتناقضة. وعلى هذا
فقد صحّ ما نقله القرطبي بعد إيراده قول ابن العربي حيث قال: وقال غيره ممّن جمع
الاحاديث فيها: أنّها تقتضي التحليل والتحريم سبع مرّات، فروى ابن عمرة: أنّها
كانت صدر الاسلام، وروى سلمة بن الاكوع أنّها كانت عام أوطاس، ومن روايات على
تحريمها يوم خيبر، ومن رواية الربيع بن سبرة إباحتها يوم الفتح، وهذه الطرق كلّها
في صحيح مسلم، وفي غيره عن عليّ نهيه عنها في غزوة تبوك، وفي سنن أبي داود
عن
الربيع بن سبرة النهي في حجّة الوداع، وذهب أبو داود إلى أنّ هذا أصح ما روي في
ذلك، وقال عمرو عن الحسن: ما حلّت قبلها ولا بعدها، وروي هنا عن سبرة أيضا: فهذه
سبعة مواطن اُحلّت فيها المتعة ثمّ حرّمت...(121).
* * *
هكذا دفعهم التزامهم صحّة كلّ ما جاء في الكتب الموسومة بالصحّة إلى القول بنسخ حكم
المتعة في الشرع مرّات متعدّدة. ولنعم ما قاله ابن القيم في هذا الصدد حيث قال:
وهذا النسخ، لا عهد بمثله في الشريعة ألبتّة، ولا يقع مثله فيها(122).
ومن السخف قول ابن العربي في هذا المقام حيث قال: أمّا هذا الباب فقد ثبت على غاية
البيان ونهاية الاتقان في الناسخ والمنسوخ من الاحكام وهو من غريب الشريعة فإنّه
تداوله النسخ مرّتين...(123).
* * *
وبالاضافة إلى ما ذكرنا لست أدري كيف تصح واحدة من تلك الروايات مع ما تواتر نقله
عن الخليفة عمر(124) أنّه قال: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه (ص) أنا أنهى
عنهما، متعة النِّساء ومتعة الحجّ وفي لفظ: واُحرّمهما.
كيف تصحّ واحدة من تلك الروايات وقد صحّ عن جابر أنّه قال: استمتعنا على عهد رسول
اللّه وأبي بكر وعمر، وفي رواية: حتّى إذا كان في آخر خلافة عمر، وفي رواية كنّا
نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الايّام على عهد رسول اللّه وأبي بكر حتّى نهى عنه
في شأن عمرو بن حريث(125).
كيف تصحّ واحدة من تلك الاحاديث ولم يسمع بها الخليفة عمر ولا أحد من الصحابة ولا
التابعين حتّى عصر ابن الزُّبير، ولا كان عند أحد من المسلمين علم بإحدى تلك
الروايات في كلّ تلك العصور وإلاّ لاسعفوا بها الخليفة عمر فاستشهد بها، وأسعفوا
بها عصبة الخلافة حتّى عهد ابن الزُّبير فاستشهدوا بها، في حين أنّ المعارضين أمثال
ابن عباس وجابر وابن مسعود وغيرهم كانوا يجبهونهم بسنّة الرسول، ويستشهد بعضهم
الاخر على ذلك فيسألون أسماء أُمّ ابن الزُّبير ويقول عليّ وابن عباس لولا نهي عمر
لمّا زنى إلاّ شقي، وفي كل تلك الموارد لم يقل أحد بأنّ الرسول (ص) نهى عن متعة
النِّساء.
أجل، إن تلكم الاحاديث وضعت احتسابا للخير، وتأييدا لموقف ثاني خلفاء المسلمين،
ودفعا للقالة عنه، كما وضعت أحاديث الامر بإفراد الحج والنهي عن العمرة احتسابا
للخير ودفعا للقالة عنه، وهذا مثل ما وضعوا في فضائل سور القرآن احتسابا للخير كما
في تقريب النواوي(126).
والواضعون أقسام أعظمهم ضررا قوم ينسبون إلى الزُّهد وضعوه حسبة في زعمهم، فقبلت
موضوعاتهم ثقة بهم.
وفي شرحه: ومن أمثلة ما وضع حسبة ما رواه الحاكم بسنده إلى أبي عمّار المروزي أنّه
قيل لابي عصمة نوح بن أبي مريم: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن
سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إنّي رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن
واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة!
قال الزركشي بعد إيراد هذا الخبر: ثمّ قد جرت عادة المفسِّرين ممّن ذكر الفضائل أن
يذكرها في أوّل كلّ سورة لما فيها من الترغيب والحثّ على حفظها إلاّ الزمخشري فإنّه
يذكرها في أواخرها
(127).
ونوح بن أبي مريم هو أبو عصمة القرشي ـ مولاهم ـ المروزي كان قاضي مرو، يعرف بنوح
الجامع لانّه أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى والحديث عن حجّاج ابن أرطاة
وطبقته، والمغازي عن ابن إسحاق، والتفسير عن الكلبي ومقاتل، وكان عالما بأُمور
الدُّنيا، فسمّي الجامع، وكان شديدا على الجهميّة والردّ عليهم. قال الحاكم: أبو
عصمة مقدّم في علومه. لقد كان جامعا رزق كلّ شيء إلاّ الصدق...، وأخرج حديثه
الترمذي في سننه وابن ماجة في
التفسير(128).
وفي تدريب الراوي وميزان الاعتدال، ولسانه، واللفظ للاوّل، عن ابن مهدي قال: قلت
لميسرة بن عبد ربّه: من أين جئت بهذه الاحاديث: من قرأ كذا فله كذا؟ قال: وضعتها
اُرغّب الناس.
وفي تدريب الراوي: وكان غلاما جليلاً يتزهّد ويهجر شهوات الدُّنيا وغلقت أسواق
بغداد لموته ومع ذلك كان يضع الحديث.
وفيه أيضا: تنبيهات:
الاوّل: من الباطل أيضا في فضائل القرآن سورة سورة حديث ابن عباس وضعه ميسرة كما
تقدّم، وحديث أبي أمامة الباهلي أورده الديلمي من طريق سلام بن سليم المدني.
وفي لسان الميزان: وضع في فضل قزوين أربعين حديثا وكان يقول: إنّي أحتسب في
ذلك(129).
وفي تقريب النواوي: ومن الموضوع؛ الحديث المرويّ عن أُبيّ بن كعب في فضل القرآن
سورة، سورة...
وفي شرحه ذكر تفصيلاً إنّ الراوي بحث عن أصل الرواية فأحاله شيخ إلى شيخ، من
المدائن إلى واسط فالبصرة فعبّادان، وهناك سأل الشيخ الاخير عمّن حدّثه الحديث،
فقال: لم يحدّثني أحد ولكنّا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث
ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن!
ثمّ قال السيوطي: لم أقف على تسمية هذا الشيخ إلاّ أنّ ابن الجوزيّ أورده في
الموضوعات عن طريق بزيع بن حسّان بسنده إلى أُبيّ، وقال: الافة فيه من بزيع، ثمّ
أورده من طريق مخلّد بن عبدالواحد وقال: الافة فيه من مخلّد، فكأنّ أحدهما وضعه
والاخر سرقه أو كلاهما سرقه من ذلك الشيخ الواضع، وقد أخطأ من ذكره من المفسِّرين
في تفسيره كالثعلبيّ والواحدي والزمخشري والبيضاوي(130).
وفي تدريب الراوي: وكان أبو داود النخعي أطول الناس قياما بليل وأكثرهم صياما بنهار
وكان يضع.
قال ابن حبّان: وكان أبو بشر أحمد بن محمّد الفقيه المروزي من أصلب أهل زمانه في
السنّة وأذبّهم عنها وأقمعهم لمن خالفها، وكان يضع الحديث.
وقال ابن عدي: كان وهب بن حفص من الصالحين مكث عشرين سنة لايكلّم أحدا، وكان يكذب
كذبا فاحشا(131).
* * *
هؤلاء المعروفون بالصلاح والعبادة وترك الدُّنيا، وضعوا الاحاديث في فضائل سور
القرآن وفضائل بلاد الثغور، واعترفوا ببعض ما وضعوا، ومع ذلك انتشرت في كتب التفسير
وغيرها، ونرى أيضا أنّ الاحاديث الّتي وضعت تأييدا للخليفة عمر في نهيه عن المتعتين
من هذا القبيل وخاصّة ما روي في نهي الرسول عن متعة النِّساء
نراها وضعت بعد عهد ابن الزُّبير وقبل عصر التدوين أي في اُخريات القرن الاوّل
وأوائل القرن الثاني، وتسابق في تبرير فعل الخليفة الثاني، الصلحاء:
فوضع أحدهم حديثا في أنّ الرسول نهى عن متعة النِّساء في غزوة خيبر وروى آخر أنّه
أباحها وحرّمها في عمرة القضيّة، وروى ثالث أنّ ذلك كان في فتح مكّة، ورابع رواها
في أوطاس، وخامس في تبوك، وسادس في حجّة الوداع
(132). وهكذا، كل واحد أراد أن يقول
أنّ الاباحة والتحريم وقعا معا في مكان وزمان خاص وعلى عهد رسول اللّه (ص) ولهذا
حرّمها الخليفة. وهكذا تناقضت الاحاديث، فبحث العلماء عن مخرج لهذا التناقض فلم
يروا عذرا إلاّ في ما فيه انتقاص للشرع الاسلامي فتقوّلوه وتمسّكوا به وإن كان فيه
افتراء على الشرع، فقالوا: إن هذا الحكم اُبيح مرّتين ونسخ مرّتين، وقالوا اُبيح
ونسخ أكثر من ذلك إلى سبع مرّات، لم يكترثوا لتوهين الاسلام ما دام في ذلك المحافظة
على القول بصحّة الاحاديث الّتي التزموا بصحّتها، وقد انتفع علماء مدرسة الخلفاء
بتلكم الاحاديث في تأييد تحريم نكاح المتعة، مثل ما وقع ليحيى بن أكثم
(133)
والمأمون في أوائل القرن الثالث الهجري كما رواه ابن خلكان عن محمّد بن منصور.
قال: كنّا مع المأمون في طريق الشام. فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحيى بن أكثم
لي ولابي العيناء: بكِّرا غدا إليه، فإن رأيتما للقول وجها فقولا، وإلاّ فاسكتا إلى
أن أدخل، قال: فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول
اللّه (ص) وعلى عهد أبي بكر (رض) وأنا أنهى عنهما! ومن أنت يا جُعَل حتّى تنهى عمّا
فعله رسول اللّه (ص) وأبو بكر (رض)؟ فأومأ أبو العيناء إلى محمّد بن منصور وقال:
رجل يقول في عمر بن الخطّاب ما يقول نكلمه نحن! فأمسكنا، فجاء يحيى بن أكثم فجلس
وجلسنا، فقال المأمون ليحيى: ما لي أراك متغيِّرا؟ فقال: هو غمّ يا أميرالمؤمنين
لما حدث في الاسلام، قال: وما حدث فيه؟ قال: النداء بتحليل الزِّنا، قال: الزِّنا؟
قال: نعم، المتعة زنا، قال: ومن أين قلت هذا؟ قال: من كتاب اللّه عزّ وجلّ، وحديث
رسول اللّه (ص) ، قال اللّه تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* ـ إلى قوله ـ
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا
مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء
ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) يا أميرالمؤمنين وجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا،
قال: فهي الزوجة الّتي عند اللّه ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها؟ قال: لا،
قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين.
وهذا الزهري يا أميرالمؤمنين روى عن عبداللّه والحسن ابني محمّد بن الحنفية عن
أبيهما عن عليّ بن أبي طالب قال: أمرني رسول اللّه (ص) أن اُنادي بالنهي عن
المتعة وتحريمها بعد أن كان قد أمر بها، فالتفت إلينا المأمون فقال: أمحفوظ هذا من
حديث الزهري؟ فقلنا: نعم، يا أميرالمؤمنين! رواه جماعة منهم مالك ، فقال:
أستغفر اللّه، نادوا بتحريم المتعة فنادوا بها.
قال أبو إسحاق إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم الازدي القاضي الفقيه المالكي
البصري، وقد ذكر يحيى بن أكثم، فعظّم أمره وقال: كان له يوم في الاسلام لم يكن لاحد
مثله، وذكر هذا اليوم(134).
كان علماء مدرسة الخلفاء يحتجّون بالاحاديث الّتي مرّت علينا إذا ما نوظروا، وإذا
ما ثبت قول عمر ((متعتان كانتا على عهد رسول اللّه (ص) وأنا أنهى عنهما وأُعاقب
عليهما)) قالوا اجتهد الخليفة، إذا فقد قال اللّه وقال رسوله واجتهد
الخليفة
(135)!!!
117
صحيح مسلم، كتاب النكاح، ص1032.
118
تفسير ابن كثير 1 / 474 بتفسير (فَما استمتعتم...).
119
الكشّاف 1 / 519.
120
حسب إحصاء ابن رشد في بداية المجتهد 2 / 63 بلغت خمس مرّات.
121
تفسير القرطبي 5 / 130 ـ 131.
122
زاد المعاد 2 / 204.
123
شرح الترمذي 5 / 48 ـ 51.
124
سبق ذكر مصادره في أوّل بحث متعة الحجّ ومتعة النِّساء، وراجع زاد المعاد 2 / 205.
125
مرّ ذكر مصادره في سبب تحريم عمر متعة النِّساء من هذا البحث.
126
تقريب التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير، للحافظ محيي الدين النواوي 631 ـ
676ه ، وشرحه السيوطي (ت: 911ه ) وسمّاه تدريب الراوي في شرح النواوي ط.
الثانية سنة 1392 منشورات المكتبة العلميّة بالمدينة 1 / 281 ـ 283.
127
تدريب الراوي 1 / 282، والبرهان في علوم القرآن للزركشي ص432.
128
تهذيب التهذيب 10 / 480 ـ 486.
129
كلّ ما ذكرناه عن ميسرة فمن تدريب الراوي 1 / 283 و 289، ومن ترجمته بميزان
الاعتدال ولسان الميزان 6 / 138 ـ 140.
130
تدريب الراوي 1 / 288 ـ 289.
131
تدريب الراوي 1 / 283.
132
هكذا سلسلها ابن حجر في فتح الباري 11 / 73.
133
أبو محمّد يحيى بن أكثم المروزي من ولد أكثم بن صيفي التميمي الاُسيدي، ولاّه
المتوكّل على قضاء القضاة وتدبير أهل مملكته، كان يرمى بعمل قوم لوط.
وقال فيه الشاعر:
متى تصلح الدُّنيا ويصلح أهلها
وقاضي قضاة المسلمين يلوط
وقال غيره:
قاضٍ يرى الحدّ في الزِّناء
ولايرى على من يلوط من بأس
مات بالربذة عند رجوعه من الحجّ إلى العراق سنة 142ه ، وفيات الاعيان 5 / 179 ـ
213.
134
وفيات الاعيان، نشر مكتبة النهضة المصريّة، ط. مطبعة السعادة سنة 1949م، 5 / 199 ـ
200.
135
راجع شرح نهج البلاغة للمعتزلي 3 / 363 في جواب الطعن الثامن.