نشاط أتباع مدرسة الخلفاء في شأن المتعة أخيراً

وجدنا اعتماد المحرّمين للمتعة من الخلفاء على القوّة إلى عهد ابن الزُّبير، وبعد ذلك تغيّر نشاط أتباع مدرسة الخلفاء واعتمدوا على الوضع والتحريف وفي ما يلي بعض الامثلة على ذلك:

أ ـ في سنن البيهقي: إنّ ابن عباس كان يفتي بالمتعة ويغمص ذلك عليه أهل العلم فأبى ابن عباس أن ينتكل عن ذلك حتّى طفق بعض الشعراء يقول:

               يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس‌

                                    هل لك في ناعمٍ خودٍ مبتّلةٍ

                    تكون مثواك حتّى مصدر الناسِ

قال: فازداد أهل العلم بها قذرا، ولها بغضا حين قيل فيها الاشعار(63).

وفي مصنف عبدالرزّاق عن الزهري قال: اِزدادت العلماء لها استقباحا حين قال الشاعر: يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس(64).

في هذه الرواية: إنّ ابن عباس أبى أن ينتكل عنها مهما غمص عليه الناس وأنشدوا فيه الشعر.

ب ـ حرّفوا الرواية الانفة ورروا عن سعيد بن جبير أنّه قال: قلت لابن عباس أتدري ما صنعت وبما أفتيت؟؟ سارت بفتياك الركبان، وقالت فيه الشعراء، قال: وما قالوا؟ قلت قالوا:

                  أقول للشيخ لما طال مجلسه‌

                           يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس

                  يا صاح هل لك في بيضاء بهكنة

                           ‌تكون مثواك حتّى مصدر الناس

فقال: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون! واللّه ما بهذا أفتيت ولا هذا أردت ولا أحللت منها إلاّ ما أحلّ اللّه من الميتة والدم ولحم الخنزير(65).

وفي المغني لابن قدامة، فقام خطيبا وقال: إنّ المتعة كالميتة والدم ولحم الخنزير فأمّا إذن رسول اللّه فقد ثبت نسخه(66).

 علّة الحديث:

هكذا تسابقوا في نقل هذه الرواية عن سعيد بن جبير(67)، ونسوا أن سعيد بن جبير هو الّذي تمتّع بمكّة(68)، ونسوا أنّ أصحاب ابن عباس من أهل مكّة واليمن كلّهم كانوا يرون المتعة حلالاً على مذهب ابن عباس(69)، ولو كان ابن عباس قد رجع عن فتواه لمّا استمرّ أصحابه عطاء وطاووس وغيرهما على ذلك(70)، وقد أبان الهيثمي في مجمع الزوائد عن علّة هذا الحديث حيث قال: وفيه ـ أي في سند الحديث ـ الحجّاج ابن أرطاة مدلّس(71)، وفي ترجمة الحجّاج راوي هذا الحديث بتهذيب التهذيب: كان يرسل عن يحيى بن أبي كثير ومكحول ولم يسمع منهما وإنّما يعيب الناس منه التدليس، ليس يكاد له حديث إلاّ فيه زيادة، وقال ابن المبارك: كان الحجّاج يدلّس فكان يحدّثنا بالحديث عن عمرو بن شعيب ممّا يحدّثه العرزمي. متروك.

وقال يعقوب بن أبي شيبة: واهي الحديث، في حديثه اضطراب كثير(72).

ج ـ روى الترمذي والبيهقي عن موسى بن عبيدة عن محمّد بن كعب عن ابن عباس أنّه قال: إنّما كانت المتعة في أوّل الاسلام، فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فَيُزَوَّجُ المرأة بقدر ما يرى انّه يقيم فتحفظ له متاعه وتصلح له شأنه حتّى إذا نزلت الاية إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، قال ابن عباس فكلّ فرج سوى هذين فهو حرام(73).

 علّة الحديث:

في سند الحديث موسى بن عبيدة وفي ترجمته من تهذيب التهذيب قال أحمد: منكر الحديث، لا تحلّ الرواية عندي عنه، حدّث بأحاديث منكرة(74).

وفي متن الحديث: كانت المتعة في أوّل الاسلام... حتّى نزلت: إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم. فكل فرج سوى هذين حرام.

لست أدري إذا كان هذا قوله فما باله يخاصم ابن الزُّبير بعد نزول هذه الاية بنصف قرن؟ ثمّ أليس نكاح المتعة زواجا موقتا ومن مصاديق الزواج؟ وأيضا إن صحّت هذه الرواية وكان ابن عباس قد ترك فتواه بعد نزول هذه الاية وفي عصر النبيّ، إذا متى قال له الامام عليّ إنّك امرؤتائه حين رآه يليّن في المتعة؟ كما تفيده الرواية الّتي سنوردها في باب الاحاديث الصحاح.

د ـ رووا عن جابر أنّه قال: خرجنا ومعنا النِّساء الّتي استمتعنا بهنّ فقال رسول اللّه (ص) : ((هنّ حرام إلى يوم القيامة)) فودّعننا عند ذلك، فسمّيت عند ذلك ثنية الوداع، وما كانت قبل ذلك إلاّ ثنيّة الركاب(75).

  علّة الحديث:

قال الهيثمي: رواه الطبراني في الاوسط وفيه صدقة بن عبداللّه: في سند الحديث:

صدقة، وقد قال أحمد بن حنبل فيه ((ليس يسوى شيئا، أحاديثه مناكير)).

وقال مسلم: ((منكر الحديث))(76).

وفي متن الحديث: يروي عن جابر أن رسول اللّه قال ((هنّ حرام إلى يوم القيامة)) وقد تواترت الروايات الصحاح عن جابر أنّه قال: (تمتعنا على عهد النبيّ وأبي بكر وعمر حتّى نهانا عمر في شأن عمرو بن حريث) وقال نظير هذا القول.

ه‍‍ ـ روى البيهقي في سننه، والهيثمي في مجمع الزوائد، واللفظ للاوّل، عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول اللّه (ص) في غزوة تبوك فنزلنا بثنية الوداع فرأى نساء يبكين، فقال: ((ما هذا؟)) قيل: نساء تمتّع بهنّ أزواجهنّ، ثمّ فارقوهنّ، فقال رسول اللّه: حرّم أو هدم المتعة النكاح والطلاق والعدّة والميراث.

وفي مجمع الزوائد: فرأى رسول اللّه مصابيح ورأى النِّساء يبكين(77).

 علّة الحديث:

في سند الحديث: مؤمّل بن إسماعيل، وهو أبو عبدالرّحمن العدوي، مولاهم نزيل مكّة، مات سنة خمس أو ستّ ومائتين، في ترجمته بتهذيب التهذيب، قال البخاري:

((منكر الحديث)).

وقال غيره: دفن كتبه فكان يحدّث من حفظه فكثر خطاؤه.

وقد يجب على أهل العلم أن يقفوا عن حديثه فإنّه يروي المناكير عن ثقات شيوخه. وهذا أشدّ! فلو كانت هذه المناكير عن الضعفاء لكنّا نجعل له عذرا(78).

وفي متن الحديث: إنّهم نزلوا ثنيّة الوداع، وثنيّة الوداع ـ كما في معجم البلدان ـ ثنيّة مشرفة على المدينة يطأها من يريد مكّة، وقال: والصحيح إنّه اسم جاهلي، قديم، سمّي لتوديع المسافرين(79).

ويؤيِّد ذلك أن رسول اللّه لمّا جاء المدينة في الهجرة لقيته نساء الانصار يقلن:

       طلع البدر علينا من            ثنيّات الوداع(80)

وعلى هذا فثنيّة الوداع محلّ توديع المسافرين منذ العصر الجاهلي وسمّي بهذا الاسم قبل الاسلام وليس بعده.

أضف إليه: أنّه ما سبب خروج نساء المتعة لتوديع أزواجهنّ دون نساء النكاح الدائم؟ وما سبب بكائهنّ وليس الازواج ذاهبين إلى غير رجعة؟

و ـ روى البيهقي عن عليّ بن أبي طالب قال: نهى رسول اللّه (ص) عن المتعة، قال: وإنّما كان لمن لم يجد، فلمّا أُنزل النكاح والطلاح والعدّة والميراث بين الزوج والمرأة، نسخت(81).

 علّة الحديث:

في سند الحديث موسى بن أيّوب، ذكره العقيلي في الضعفاء، وقال عنه يحيى بن معين والساجي: منكر الحديث(82).

وفي متن الحديث ينسب إلى عليّ أنّه قال: نهى رسول اللّه عن المتعة في حين أنّه القائل لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطّاب لامرت بالمتعة ثمّ ما زنى إلاّ شقيّ.

ز ـ روى البيهقي عن عبداللّه بن مسعود قال: المتعة منسوخة نسخها الطلاق والصداق والعدّة والميراث.

 علّة الحديث:

في سند رواية منه الحجاج بن أرطاة عن الحكم عن أصحاب عبداللّه، والحجّاج بن أرطاة سبق تعريفه أنّه مدلس متروك يزيد في الحديث، ولا ندري من أي واحد من أصحاب عبداللّه روى الحكم؟!

وسند الاُخرى ((قال بعض أصحابنا عن الحكم بن عتيبة عن عبداللّه بن مسعود)) ولم ندر من هو بعض الاصحاب هذا، وكيف روى الحكم بن عتيبة المتوفى سنة ثلاث عشرة بعد المائة أو بعدها وله نيف وستّون عن عبداللّه بن مسعود المتوفى سنة اثنتين وثلاثين(83).

ويناقض متن الحديث ما ثبت عن عبداللّه بن مسعود انّه ثبت على تحليل المتعة بعد رسول اللّه وكان يقرأ الاية (فَما اسْتَمتَعتُم به منهنّ إلَى أجَل)(84).

وفي متن الاحاديث ه‍‍ ، و، ز: إنّ النكاح والطلاق والعدّة والميراث حرّمت أو هدمت أو نسخت المتعة، ومعنى هذا أنّ نكاح المتعة كان قد شرّع قبل تشريع النكاح الدائم وما يتعلّق به، وأنّه كان الزواج بالمتعة إلى أنّ شرّع النكاح الدائم، ونسخت المتعة به، ويلزم من هذا القول أن تكون جميع أنكحة الرسول والصحابة في البدء بالمتعة إلى وقت نزول حكم النكاح الدائم!!

ح ـ في مجمع الزوائد عن زيد بن خالد الجهني، قال: كنت أنا وصاحب لي نماكس امرأة في الاجل وتماكسنا، فأتانا آت فأخبرنا أنّ رسول اللّه (ص) حرّم نكاح المتعة وحرّم أكل كلّ ذي ناب من السباع والحمر الانسية(85).

 علّة الحديث:

في سند الحديث: قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف(86) انتهى. وسبق قولنا في ضعفه.

في متن الحديث: يبدو أنّ مخترع هذه الرواية قد جمع بين رواية سبرة الجهني في فتح مكّة وما روى عن يوم خيبر، وأضاف إليهما حكم تحريم أكل لحم كلّ ذي ناب، وركّب عليهنّ سندا واحدا ورواهنّ في سياق واحد.

ط ـ في مجمع الزوائد عن الحارث بن غزيّة، قال: سمعت النبيّ (ص) يوم فتح مكّة يقول: ((متعة النِّساء حرام)) ثلاث مرّات.

 علّة الحديث:

قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه إسحاق بن عبداللّه بن أبي فروة (87) هذا ما قاله الهيثمي، وقال غيره من العلماء في ترجمته: يروي أحاديث منكرة. لايحتجّون بحديثه. تركوه. لا تحلّ الرواية عنه. لايكتب حديثه...(88).

ي ـ في مجمع الزوائد عن كعب بن مالك، قال: نهى رسول اللّه (ص) عن متعة النِّساء.

قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه يحيى بن أنيسة(89).

وقال العلماء في ترجمته: كان ضعيفا. أصحاب الحديث لايكتبون حديثه. إنّه كذّاب. متروك الحديث...(90).

ك ـ روى البيهقي في سننه الكبرى عن عبداللّه بن عمر قال: صعد عمر على المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول اللّه(ص) عنها؟ ألا لا اُؤتى بأحد نكحها إلاّ رجمته(91).

 علّة الحديث:

في سند الحديث: منصور بن دينار قال فيه يحيى بن معين: ضعيف الحديث، وقال النِّسائي: ليس بالقوي، وقال البخاري: في حديثه نظر، وذكره العقيلي في الضعفاء(92).

*             *              *

 إلى هنا تعرّضنا لذكر الاحاديث الّتي في سندها ضعف حسب تعريف علماء الرجال، وفي ما يلي نتعرّض لذكر الاحاديث الّتي تسالموا على صحّتها لوجودها في الكتب الموسومة بالصحّة، أو ما لم يطعنوا في صحّة إسنادها:

الحديث الاوّل: في صحيح مسلم، وسنن النِّسائي، والبيهقي، ومصنف عبدالرزّاق واللفظ للمصنف، عن ابن شهاب الزهري، عن عبداللّه والحسن ابني محمّد بن علي، عن أبيهما أنّه سمع أباه عليّ بن أبي طالب يقول لابن عباس: إنّك امرؤتائه، إنّ رسول اللّه نهى عنها يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الانسيّة(93).

جاءت هذه الرواية بهذا السند مع اختلاف يسير في صحيح البخاري، وسنن أبي داود، وابن ماجة، والترمذي، والدارمي، والموطّأ، ومصنّف ابن أبي شيبة، ومسند أحمد والطيالسي وغيرها(94).

الحديث الثاني: رووا عن أبي‌ذرّ أنّه قال: إنّما اُحلّت لنا أصحاب رسول اللّه(ص) متعة النِّساء ثلاثة أيّام، ثمّ نهى عنها رسول اللّه (ص) (95).

وأنّه قال: كانت المتعة لخوفنا ولحربنا(96).

الحديث الثالث: في صحيح مسلم، وسنن الدارمي، وابن ماجة، وأبي داود وغيرها، واللفظ لمسلم، عن سبرة الجهني: انّه غزا مع رسول اللّه (ص) فتح مكّة قال: فأقمنا بها خمس عشرة (ثلاثين بين ليلة ويوم) فأذن لنا رسول اللّه في متعة النِّساء فخرجت أنا ورجل من قومي (ولي عليه فضل في الجمال، وهو قريب من الدمامة) مع كلّ واحد منّا برد؛ فبردي خلق، وأمّا برد ابن عمي فبرد جديد، غضّ. حتّى إذا كنّا بأسفل مكّة، أو بأعلاها، فتلقّتنا فتاة مثل البكرة العطنطنة، فقلنا: هل لك ان يستمتع منك أحدنا؟ قالت: وما تبذلان؟ فنشر كلّ واحد منّا برده. فجعلت تنظر إلى الرجلين. ويراها صاحبي تنظر إلى عطفها، فقال: إن برد هذا خلق وبردي جديد غض فتقول: برد هذا لا بأس به ـ ثلاث مرار أو مرّتين ـ ثمّ استمتعت منها فلم أخرج حتّى حرّمها رسول اللّه (ص) (97).

وفي رواية: قال رسول اللّه (ص) : ((يا أيُّها الناس! إنّي كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع من النِّساء وإنّ اللّه قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة))(98).

وفي رواية: قال: رأيت رسول اللّه قائما بين الركن والباب وهو يقول...(99).

وفي رواية: أمرنا رسول اللّه بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكّة ثمّ لم نخرج حتّى نهانا عنها(100).

وفي رواية: قد كنت استمتعت في عهد رسول اللّه امرأة من بني عامر ببردين أحمرين، ثمّ نهانا رسول اللّه عن المتعة(101).

وفي رواية: إن رسول اللّه نهى يوم الفتح عن متعة النِّساء(102).

وفي رواية: أن رسول اللّه نهى عن المتعة وقال: إنّها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة...(103).

وفي سنن أبي داود والبيهقي وغيرهما ـ واللفظ للاوّل ـ عن ربيع بن سبرة. قال:

اِشهد على أبي إنّه حدّث أنّ رسول اللّه نهى عنها في حجّة الوداع (104).

الحديث الرابع: في صحيح مسلم، ومصنف ابن أبي شيبة، ومسند أحمد، وغيرها واللفظ للاوّل عن سلمة بن الاكوع، قال: رخّص رسول اللّه عام أوطاس في المتعة ثلاثا ثمّ نهى عنها(105). (أوطاس واد بالطائف).

 علل هذه الاحاديث:

1 ـ في حديث الامام عليّ والّذي حفلت به أُمّهات كتب الحديث من صحاح ومسانيد وسنن ومصنفات وقد أخرجناه من أربعة عشر مصدرا منها، فيه نصّ على أنّ رسول اللّه حرّم في غزوة خيبر شيئين: أ ـ نكاح المتعة. ب ـ أكل لحوم الحمر الاهليّة أو الانسيّة، وقد انحصر سند تحريم نكاح المتعة في خيبر بهذا الحديث، بينما ورد تحريم رسول اللّه لحوم الحمر الاهليّة بخيبر في روايات أُخرى متعدّدة وليس في أحدها أيّ ذكر أو إشارة إلى تحريم المتعة فيها، ونبحث في ما يلي كلا التحريمين:

أ ـ تحريم المتعة في خيبر:

إنّ تحريم رسول اللّه متعة النِّساء في غزوة خيبر غير موافق للواقع التاريخي يومذاك كما صرّح به جماعة من العلماء مثل ابن القيم في فصل بحث زمن تحريم المتعة من كتابه زاد المعاد، قال: وقصّة خيبر لم يكن فيها الصحابة يتمتعون باليهوديات، ولا استأذنوا في ذلك رسول اللّه، ولا نقله أحد قطّ في هذه الغزوة، ولا كان للمتعة فيها ذكر ألبتة لا فعلاً ولا تحريما(106).

وقال: فإنّ خيبر لم يكن فيها مسلمات، وإنّما كنّ يهوديات، وإباحة نساء أهل الكتاب لم يكن ثبت بعد، إنّما أبحن بعد ذلك في سورة المائدة بقوله: (اليوم أحلّ لَكُم... والمُـحصنات مِن الّذِين اُوتوا الكِتاب مِن قَبلكم...) الاية / 5. وهذا كان في آخر الامر بعد حجّة الوداع أو فيها، فلم تكن إباحة نساء أهل الكتاب ثابتة زمن خيبر...(107).

وقال ابن حجر في شرح الحديث في باب غزوة خيبر: وليس يوم خيبر ظرفا لمتعة النِّساء لانّه لم يقع في غزوة خيبر تمتّع بالنِّساء(108).

ونقل في شرح الحديث من ((باب نهى رسول اللّه عن نكاح المتعة آخرا)) عن السهيلي أنّه قال: ويتّصل بهذا الحديث تنبيه على إشكال لانّ فيه النهي عن نكاح المتعة يوم خيبر، وهذا شي‌ء لايعرفه أحد من أهل السير ورواة الاثر(109).

ونقل ابن حجر ـ أيضا ـ قول ابن القيم الانف الذكر(110).

هذا ما ذكروا عن تحريم متعة النِّساء يوم خيبر.

ب ـ تحريم لحوم الحمر الاهليّة بخيبر:

روى ابن حجر عن ابن عباس أنّه استدلّ على إبتاحة الحمر الاهليّة بقوله تعالى (قُل لا أجد في ما اُوحي إليَّ محرما...)(111).

قال المؤلِّف: لعلّ نهي رسول اللّه عن أكل لحوم الحمر الاهليّة كان خاصّا بالحمر الاهليّة الّتي كانت في خيبر ولاحد الاسباب المذكورة في الروايات التالية:

في صحيح البخاري عن أبي أوفى، قال: أصابتنا مجاعة يوم خيبر فإنّ القدور لتغلي، قال: وبعضها نضجت فجاء منادي النبيّ (ص) : لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا وأهريقوها. قال ابن أبي أوفى: فتحدّثنا أنّه إنّما نهى عنها لانّها لم تخمّس. وقال بعضهم نهى عنها ألبتّة لانّها كانت تأكل العذرة(112).

ولعلّ السبب ما رواه أبو داود في كتاب الخراج من سننه، باب تعشير أهل الذمّة عن العرباض بن سارية السلمي (113) قال: نزلنا خيبر ومعه من معه من أصحابه، وكان صاحب خيبر رجلاً ماردا منكرا، فأقبل إلى النبيّ (ص) فقال: يا محمّد! ألكم أن تذبحوا حمرنا وتأكلوا ثمرنا وتضربوا نساءنا؟ فغضب ـ يعني النبيّ ـ وقال ((يا ابن عوف! اِركب فرسك، ثمّ ناد: ألا إنّ الجنّة لا تحلّ إلاّ لمؤمن، وأن اجتمعوا للصلاة)) قال: فاجتمعوا، ثمّ صلّى بهم النبيّ (ص) ثمّ قام، فقال: ((أيحسب أحدكم متّكئا على أريكته قد يظنّ اللّه لم يحرّم شيئا إلاّ ما في هذا القرآن، ألا وإنّي وعظت وأمرت ونهيت عن أشياء إنّها لمثل القرآن أو أكثر، وإنّ اللّه لم يحلّ لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلاّ بإذنهم ولا ضرب نسائهم، ولا أكل أثمارهم إذا أعطوكم الّذي عليهم))(114).

على ما روى ابن أبي أوفى تحدّث أصحاب رسول اللّه عن سبب نهي رسول اللّه عن أكل لحوم الحمر الاهليّة يومذاك فقال بعضهم ممّن حضر الواقعة: إنّ النهي كان بسبب أنّهم لم يدفعوا خمسها. ويؤيِّد ذلك ما جاء في الغلول من أحاديث أو أنّها كانت نهبى كما ذكر ذلك في الحديث الاتي:

في سنن أبي داود عن رجل من الانصار، قال: خرجنا مع رسول اللّه (ص) في سفر فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد، وأصابوا غنما فانتهبوها فإنّ قدورنا لتغلي إذ جاء رسول اللّه (ص) يمشي على قوسه فأكفأ قدورنا بقوسه، ثمّ جعل يرمّل اللحم بالتراب، ثمّ قال ((انّ النهبة ليست بأحلّ من الميتة))(115).

وقال آخرون: إنّ النهي عن أكل لحوم الحمر الاهليّة كان بسبب أنّها كانت تأكل العذرة. وعلى أي فإنّ النهي عن أكل لحوم الحمر الاهليّة كان خاصّا بالحمر الاهليّة الّتي كانت معهم في تلك الغزوة.

وكذلك الامر بالنسبة إلى تحريم نكاح المتعة في خيبر فانّ عرباض بن سارية حدّث أنّ اليهودي المارد المنكر شكا إلى رسول اللّه وقال: ألكم أن تذبحوا حمرنا وتأكلوا ثمرنا وتضربوا نساءنا؟ فجمعهم رسول اللّه وقال لهم: ((إنّه لم يحلّ لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلاّ بإذنهم، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الّذي عليهم...)).

وعلى هذا فإنّ نهي رسول اللّه (ص) عن ضرب نساء أهل الكتاب الّذين دفعوا الجزية خاصّة، ولم يكن نهيا عن مطلق نكاح المتعة.

يبدو أنّ الامر كان هكذا في غزوة خيبر، غير أن أحدهم ابتكر رواية رواها عن حفيدي الامام عليّ ابني محمّد عن أبيهم محمّد عن أبيه الامام عليّ أنّه قال لابن عباس حين رخّص في المتعة: ((إنّك امرؤتائه))، وأخبره بأنّ الرسول نهى يوم خيبر عن متعة النِّساء وعن لحوم الحمر الاهليّة؛ ونسي هذا المبتكر أنّ الامام عليّا هو الّذي كان يقول: لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي(116).

والبديع في الامر أنّهم رووا هنا عن ابني محمّد عن محمّد عن الامام عليّ رواية تحريم متعة النِّساء، وأنّهم ركّبوا نفس السند على روايتهم أمر الامام بإفراد الحجّ عن العمرة، ولعلّ مبتكر الروايتين واحد.

2 ـ وكذلك الامر بالنسبة إلى ما رووا عن أبي‌ذرّ فإنّهم رووا عنه أنّه قال: كانت المتعة في الحجّ لاصحاب محمّد خاصّة، وقال: كانت لنا رخصة. ورووا عنه في متعة النِّساء أنّه قال: إنّما حلّت لنا أصحاب رسول اللّه (ص) متعة النِّساء ثلاثة أيّام ثمّ نهى عنها رسول اللّه (ص) .

وأنّه قال: إن كانت المتعة لخوفنا ولحربنا.

ومن الغريب في روايتي أبي‌ذرّ هنا وهناك أنّ في طريق كلتيهما إبراهيم التيمي وعبدالرّحمن بن الاسود، وشأن روايتي أبي‌ذرّ في السند شأن روايتي الامام.

3 و 4 ـ أمّا رواية سبرة الجهني فالصحيح فيها ما أوردناه في أوّل الباب عن مسلم وأحمد والبيهقي: أنّ رسول اللّه أذن لهم بالمتعة وأنّه تمتّع من امرأة من بني عامر بردائه وكان معها ثلاثا ثمّ أنّ رسول اللّه قال: ((من كان عنده شي‌ء من هذه النِّساء الّتي يتمتّع بها فليخلّ سبيلها)) أي أنّ الرسول أمرهم بفراق النسوة اللاّتي تمتعوا بهنّ استعدادا للرحيل من مكّة. ثمّ جاء ((المعذّرون)) للخليفة عمر فحرّفوا لفظ هذه الرواية من ((ليخلّ سبيلها)) إلى ((أنّها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة)) وما شابهها من ألفاظ تدلّ على تأييد الحرمة، منذ يوم مكّة، ولمّا كانت هذه الرواية تناقض روايات أُخرى نصّت على أنّ التحريم كان قبل فتح مكّة وفي يوم فتح خيبر

مثلاً، وروايات نصّت على أنّ التجويز والتحريم كانا بعد فتح مكّة، وبما أنّهم التزموا صحّة جميع تلك الروايات المتناقضات، اضطرّوا إلى أن يخترعوا جوابا لهذا التناقض فنسبوا إلى التشريع الاسلامي ما هو براء منه، ونسبوا تكرار النسخ في هذه الواقعة كما يأتي بيانه.


 

63  سنن البيهقي 7 / 503.

64  المصنّف لعبدالرزّاق 7 / 503.

65  سنن البيهقي 7 / 205.

66  المغني لابن قدامة 7 / 573.

67  مثل البيهقي في سننه 7 / 205.

68  المصنّف لعبد الرزّاق 7 / 496.

69  القرطبي 5 / 133.

70  المغني لابن قدامة 7 / 571.

71  مجمع الزوائد 4 / 265.

7 تهذيب التهذيب 2 / 196 ـ 198.

73  الترمذي 5 / 50، باب نكاح المتعة، وسنن البيهقي 7 / 205 ـ 206.

74  تهذيب التهذيب 10 / 356 ـ 360.

75  مجمع الزوائد 4 / 264، وفتح الباري 11 / 34.

76  نقلنا قول أحمد ومسلم عن ترجمة صدقة من تهذيب التهذيب 4 / 416.

77  سنن البيهقي 7 / 207، ومجمع الزوائد 4 / 264، وفتح الباري 11 / 73.

78  تهذيب التهذيب 10 / 380 ـ 381.

7 بمادّة ((ثنيّة الوداع)) من معجم البلدان.

80  بمادّة ((ثنيّة الوداع)) من الروض المعطار للحميري.

81  سنن البيهقي 7 / 207.

82  بترجمة موسى بن أيّوب من تهذيب التهذيب 1 / 336.

83  راجع ترجمة الحكم وابن مسعود في تقريب التهذيب 1 / 192 و 459.

84  راجع فصل من بقي على القول بتحليل المتعة بعد تحريم عمر.

85  بمجمع الزوائد 4 / 266.

86  بمجمع الزوائد 4 / 266.

87  الحديث وتعريف الراوي بمجمع الزوائد 4 / 266.

88  بترجمة إسحاق من تهذيب التهذيب 1 / 240.

89  الحديث واسم الراوي بمجمع الزوائد 4 / 266.

90  بترجمة يحيى من تهذيب التهذيب 11 / 183 ـ 184.

91  سنن البيهقي 7 / 206.

92  ترجمة منصور بن دينار في الجرح والتعديل للرازي 4 / ق1 / 171، وميزان الاعتدال 6 / 184، ولسان الميزان 4 / 95.

93  صحيح مسلم، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح، ص1028، ح31، 32، وسنن النِّسائي، باب تحريم المتعة، وسنن البيهقي 7 / 201، ومصنّف عبدالرزّاق 7 / 501، ومجمع الزوائد 4 / 265.

94  صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر 3 / 36، 3 / 164 باب نهى رسول اللّه عن نكاح المتعة أخيرا وباب لحوم الحمر الانسيّة 3 / 208، و 4 / 153، باب الحيلة في النكاح. وسنن أبي داود 2 / 90، باب تحريم المتعة وفيه قال المثنى: ((يوم حنين))، وسنن ابن ماجة، ص63، ح1961، وسنن الترمذي 5 / 48 ـ 49، والموطأ، ص542، ح41 من باب نكاح المتعة. ومصنف ابن أبي شيبة 4 / 292، وسنن الدارمي 2 / 140، باب النهي عن متعة النِّساء، ومسند الطيالسي، ح111، ومسند أحمد 1 / 79 و 130 و 142، والابواب المذكورة في فتح الباري.

95 ، (96)  سنن البيهقي 7 / 207.

97  صحيح مسلم، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح ص1024، ومجمع الزوائد 4 / 264، وسنن البيهقي 7 / 202، والعطنطنة كالعيطاء: الطويلة العنق في اعتدال وحسن قوام.

98  صحيح مسلم، كتاب نكاح المتعة، ص1025، وسنن الدارمي 2 / 140، وسنن ابن ماجة، ص631 ح1962 مع اختلاف في لفظ الحديث في طبقات ابن سعد 4 / 348 نزل آخر عمره ذا المروة، وتوفي في خلافة معاوية.

99  صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب المتعة، ص1025، ومصنف ابن أبي شيبة 4 / 292.

100  صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب المتعة، ص1025، وسنن البيهقي 7 / 202.

101  صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب المتعة، ص1027، وسنن البيهقي 7 / 205، وقريب منه في صحيح مسلم ص1026.

102  صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب المتعة، ص1028، ومصنف ابن أبي شيبة 4 / 292.

103  صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب المتعة ص2027، وأكثر تفصيلاً منه في المصنف لعبدالرزّاق 7 / 506، وسنن البيهقي 7 / 203.

104  سنن أبي داود 2 / 227، باب في نكاح المتعة، وسنن البيهقي 7 / 204 و 205، وطبقات ابن سعد 4 / 348.

 105 صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب المتعة، ص1023، ح1405، ومصنف ابن أبي شيبة 4 / 292، ومسند أحمد 4 / 55، وسنن البيهقي 7 / 104، وفتح الباري 11 / 73.

106  زاد المعاد 2 / 158، فصل في بحث زمن تحريم المتعة.

107  زاد المعاد 2 / 204، في فصل في إباحة متعة النِّساء ثمّ تحريمها.

108  فتح الباري 9 / 22.

109  فتح الباري 11 /، 72 باب نهى رسول اللّه عن نكاح المتعة آخرا.

110  فتح الباري 11 / 74.

111  فتح الباري 12 / 70، باب لحوم الخيل.

112  البخاري، باب لحوم الخيل، شرح فتح الباري 9 / 22.

113  أبو نجيح عرباض بن سارية السلمي روى عن طريقه عن رسول اللّه (ص) 31 حديثا أخرجها أصحاب الصحاح غير البخاري ومسلم (ت: 75ه‍‍ ) أو في فتنة ابن الزُّبير. أُسد الغابة 3 / 399، وجوامع السيرة ص281، وتقريب التهذيب 2 / 17.

114  سنن أبي داود 2 / 64.

115  سنن أبي داود 3 / 66، باب في النهي عن النهبى.

116  سبق ذكر مصادره.