سبب نهي عمر عن المتعة
في صحيح مسلم، والمصنف
لعبدالرزّاق، ومسند أحمد، وسنن البيهقي، وغيرها واللفظ لمسلم عن جابر بن عبداللّه
قال: كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق، الايّام، على عهد رسول اللّه (ص) وأبي
بكر، حتّى نهى عنه عمر، في شأن عمرو بن حريث(27).
وفي لفظ المصنف لعبدالرزّاق عن
عطاء عن جابر: استمتعنا على عهد رسول اللّه(ص) وأبي بكر وعمر حتّى إذا كان في آخر
خلافة عمر استمتع عمرو بن حريث بامرأة ـ سمّاها جابر فنسيتها ـ فحملت المرأة فبلغ
ذلك عمر فدعاها فسألها، فقالت: نعم. قال: من أشهد؟ قال عطاء: لا أدري قالت: أُمّي،
أَم وليّها، قال: فهلاّغيرهما، قال: خشي أن يكون دغلا...(28).
وفي رواية أُخرى قال جابر: قدم
عمرو بن حريث من الكوفة فاستمتع بمولاة فاُتي بها عمر وهي حبلى فسألها، فقالت:
استمتع بي عمرو بن حريث، فسأله فأخبره بذلك أمرا ظاهرا، قال: فهلاّ غيرها، فذلك حين
نهى عنها(29).
وفي أُخرى عن محمّد بن الاسود بن
خلف: إنّ عمرو بن حوشب استمتع بجارية بكر من بني عامر بن لؤي: فحملت، فذكر ذلك لعمر
فسألها، فقالت: استمتع منها عمرو بن حوشب، فسأله فاعترف، فقال عمر: من أشهدت؟ ـ قال
ـ لا أدري أقال:
أُمّها أو أُختها أو أخاها
وأُمّها، فقام عمر على المنبر، فقال: ما بال رجال يعملون بالمتعة ولا يشهدون عدولاً
ولم يبيّنها إلاّ حددته، قال: أخبرني هذا القول عن عمر من كان تحت منبره، سمعه حين
يقوله، قال: فتلقاه الناس منه(30).
وفي كنز العمال: عن أُمّ عبداللّه
ابنة أبي خيثمة أنّ رجلاً قدم من الشام فنزل عليها فقال: انّ العزبة قد اشتدّت عليّ
فابغيني امرأة أتمتّع معها قالت: فدللته على امرأة فشارطها وأشهدوا على ذلك عدولاً
فمكث معها ما شاء اللّه أن يمكث ثمّ إنّه خرج، فاُخبر بذلك عمر بن الخطّاب؛ فأرسل
إليّ فسألني أحقّ ما حدّثت؟ قلت: نعم، قال: فإذا قدم فآذنيني به، فلمّا قدم أخبرته
فأرسل إليه، فقال: ما حملك على الّذي فعلته؟ قال: فعلته مع رسول اللّه (ص) ثمّ لم
ينهنا عنه حتّى قبضه اللّه، ثمّ مع أبي بكر فلم ينهنا حتّى قبضه اللّه، ثمّ معك فلم
تحدث لنا فيه نهياً، فقال عمر: أما والّذي نفسي بيده لو كنت تقدّمت في نهي لرجمتك،
بيّنوا
(31) حتّى يعرف النّكاح من السفاح(32).
وفي مصنف عبدالرزّاق: عن عروة: إنّ
ربيعة بن أُميّة بن خلف تزوّج مولّدة من مولّدات المدينة بشهادة امرأتين إحداهما
خولة بنت حكيم، وكانت امرأة صالحة، فلم يفجأهم إلاّ الوليدة قد حملت، فذكرت ذلك
خولة لعمر بن الخطاب، فقام يجرّ صنفة ردائه
(33) من الغضب حتّى صعد المنبر، فقال:
إنّه بلغني أنّ ربيعة بن أُميّة تزوّج مولّدة من مولّدات المدينة بشهادة امرأتين،
وإنّي لو كنت تقدّمت في هذا لرجمت(34).
وفي موطّأ مالك، وسنن البيهقي،
واللفظ للاوّل: إنّ خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطّاب فقالت: إنّ ربيعة بن
أُميّة استمتع بامرأة فحملت منه، فخرج عمر يجرّ رداءه، فقال: هذه المتعة. ولو كنت
تقدّمت فيها لرجمت(35).
وفي الاصابة: إنّ سلمة بن أُميّة
استمتع من سلمى مولاة حكيم بن أُميّة بن الاوقص الاسلمي فولدت له فجحد ولدها فبلغ
ذلك عمر فنهى عن المتعة(36).
وفي المصنف لعبدالرزّاق، عن ابن
عباس قال: لم يرع أميرالمؤمنين إلاّ اُمّ أراكة قد خرجت حبلى، فسألها عمر عن
حملها، فقالت: استمتع بي سلمة بن أُميّة بن خلف...(37).
وفي المصنّف لابن أبي شيبة عن
العلاء بن المسيب عن أبيه قال: قال عمر: لو اُتيت برجل تمتّع بامرأة لرجمته إن كان
أُحصن فإن لم يكن أُحصن ضربته(38).
* * *
في الرواية السابقة وجدنا الصحابة
يقولون: إنّ آية (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) جاءت في نكاح المتعة، وأنّ
رسول اللّه أمر به، وأنّهم كانوا يستمتعون بالمرأة بالقبضة من التمر والدقيق على
عهد رسول اللّه وأبي بكر ونصف من خلافة عمر حتّى نهى عنها في شأن عمرو بن حريث،
ووجدنا نكاح المتعة متفشيا على عهد عمر قبل أن ينهى عنه، ولعلّه تدرّج في تحريمه
بدءا بالتشديد في أمر شهود نكاح المتعة وطلب أن يشهده عدول المؤمنين كما يظهر ذلك
من بعض الروايات السابقة، ثمّ نهيه عنه بتاتا حتّى قال لو تقدّمت في نهي لرحمت،
وبعد هذا أصبح نكاح المتعة محرّما في المجتمع الاسلامي، وبقي الخليفة مصرّا على
رأيه إلى آخر عهده لم يؤثر فيه نصح الناصحين. فقد روى الطبري في سيرة عمر عن عمران
بن سوادة انّه استأذن ودخل دار الخليفة ثمّ قال: نصيحة.
فقال: مرحبا بالناصح غدوّا وعشيّا.
قال: عابت أُمّتك منك أربعا.
قال: فوضع رأس درّته في ذقنه ووضع
أسفلها على فخذه، ثمّ قال: هات.
قال: ذكروا أنّك حرّمت العمرة في
أشهر الحجّ ولم يفعل ذلك رسول اللّه ولا أبو بكر (رض) وهي حلال.
قال: هي حلال، لو أنّهم اعتمروا في
أشهر الحجّ رأوها مجزية من حجّهم فكانت قائبة قوب عامها فقرع حجّهم وهو بهاء من
بهاء اللّه وقد أصبت.
قال: ذكروا انّك حرّمت متعة
النِّساء وقد كانت رخصة من اللّه نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث.
قال: إن رسول اللّه (ص) أحلّها في
زمان ضرورة ثمّ رجع الناس إلى سعة ثمّ لم أعلم أحدا من المسلمين عمل بها ولا عاد
إليها، فالان من شاء نكح بقبضة وفارق عن ثلاث بطلاق وقد أصبت...(39).
* * *
إنّ ما اعتذر به الخليفة في تحريمه
متعة الحجّ (بأنّهم لو اعتمروا في أشهر الحج لرأوها مجزية عن حجّهم) لايصدق على
نهيه عن الجمع بين الحجّ والعمرة، وإنّما الصحيح ما اعتذر به في حديث آخر له من أنّ
أهل مكّة لا ضرع لهم ولا زرع وإنّما ربيعهم في من يفد إلى هذا البيت، إذاً فليأتوا
إلى هذا البيت مرّتين، مرّة للحجّ المفرد، وأُخرى للعمرة المفردة ليربح منهم قريش
أُرومة المهاجرين.
وأمّا اعتذاره في تحريم نكاح
المتعة من أنّ عهد رسول اللّه كان زمان ضرورة خلافا لما كان عليه عهده، فإن جلّ
الروايات الّتي صرّحت بوقوعها في عصر رسول اللّه وبإذن منه ذكرت أنّها كانت في
الغزوات وحال السفر، ولا فرق في ذلك بين عهد رسول اللّه وعهد عمر إلى زماننا الحاضر
وإلى أبد الدهر.
فإنّ الانسان لم يزل منذ أن وجد
على ظهر هذا الكوكب ـ الارض ـ ولا يزال بحاجة إلى السفر والاغتراب عن أهله أسابيع
وشهورا، بل وسنين طويلة أحيانا، فإذا سافر الرجل ماذا يصنع بغريزة الجنس في نفسه؟
هل يستطيع أن يتركها عند أهله حتّى إذا عاد إليهم عادت غريزته إليه فتصرف فيها مع
زوجه؟ أم أنّها معه لاتفارقه في السفر والحضر؟ وإذا كانت غريزته غير مفارقة إيّاه
فهل يستطيع أن يتنكر لها في السفر ويستعصم؟ وإذا كان الشاذّ النادر في البشر يستطيع
أن يستعصم فهل الجميع يستطيعون ذلك أم أنّ الغالب منهم تقهره غريزته؟ وهذا الصنف
الكثير من البشر إذا طغت عليه غريزته في المجتمع الّذي يمنعه من التصرّف في غريزته
ويطلب منه أن يخالف فطرته وما
تقتضيه طبيعته ماذا يفعل عند ذاك؟ وهل له سبيل غير أن يخون ذلك المجتمع؟!
والاسلام الّذي وضع حلاّ ً مناسبا
لكلّ مشكلة من مشاكل الا نسان هل ترك هذه المشكلة بلا حلّ؟! لا. بل شرّع لحلّ هذه
المشكلة: الزواج الموقّت، ولولا نهي عمر عنها لما زنى إلاّ شقيّ (أو: شفى) كما قاله
الامام عليّ، أمّا المجتمعات البشريّة فقد وضعت لها حلاّ ً بتحليل الزِّنا في كلّ
مكان.
ولا يقتصر الامر في ما ذكرنا على
من يسافر من وطنه، فإن للبشر كثيرا من الحالات في وطنه تمنعه من الزواح الدائم
أحيانا سواء في ذلك الرجل والمرأة، فماذا يصنع إنسان لم يتمكن من الزواج الدائم
سنين كثيرة من عمره في وطنه إن لم يلتجئ إلى الزواج الموقّت؟ ماذا يصنع هذا الانسان
والقرآن يقول له (وَلاَ تُوَاعِدهُنَّ سِرَّا)
يقول لها: (غَير مُتَّخِذَات
أَخْدَان)؟!
أمّا ما ذكره الخليفة في مقام
العلاج من تبديل نكاح المتعة بالنكاح الدائم على أن يفارق عن ثلاث بالطلاق، فالامر
ينحصر فيه بين أمرين لا ثالث لهما، إمّا أن يقع ذلك بعلم من الزوجين وتراض بينهما
فهو الزواج الموقّت أو نكاح المتعة بعينه، وإمّا أن يقع
بتبييت نيّة من الزوج مع إخفائه عن
الزوجة فهو غدر بالمرأة واستهانة بها بعد ان اتّفقا على النّكاح الدائم وأخفى المءر
في نفسه نيّة الفراق بعد ثلاث، وكيف يبقى اعتماد للمرأة وذويها على عقد الزواج
الدائم مع هذا؟!
وأخيرا فإنّه يرى بكلّ وضوح من هذه
المحاورة ومن كل ما روي عن الخليفة من محاورات في هذا الباب أنّ كلّ تلك الروايات
الّتي رويت عن رسول اللّه في تحريمه المتعتين ونهيه عنهما والّتي حفلت بتدوينها
أُمّهات كتب الحديث والتفسير وضعت بعد عصر عمر، فانّ واحدا من الصحابة على عهد عمر
لو كانت عنده رواية عن رسول اللّه تؤيّد سياسة الخليفة في المتعتين والّتي كان يجهر
بها ويتهدّد على مخالفتها بقوله (واُعاقب عليهما) لو كان واحدٌ من الصحابة على عهده
عنده من رسول اللّه شيء يؤيّد هذه السياسة لما احتاج إلى كتمانها عن الخليفة
ولنشرها، ولو كان الخليفة في كلّ
تلك المدّة قد اطّلع على شيء
يؤيّد سياسته لاستشهد به ولما احتاج إلى كلّ هذا العنف بالمسلمين.
هكذا انتهى عهد الخليفة عمر. بعد
أن كبت المعارضين لسياسة حكمه وكتم أنفاسهم ومنعهم حتّى من نقل حديث الرسول ـ كما
أشرنا إلى ذلك في فصل (في حديث الرسول) ـ واستمرّ الامر على ذلك إلى ستّ سنوات من
خلافة عثمان، وانتشر الامر متدرّجا بعد ذلك فنشأ جيل جديد لايعرف من الاسلام إلاّ
ما سمحت سياسة
الخلافة بنشره وبيانه كما سنعرفه
في ما يأتي:
27
صحيح مسلم، باب نكاح المتعة، ح1405، ص1023، وبشرح النووي 9 / 183، والمصنف
لعبدالرزّاق 7 / 500، وفي لفظه ((أيّام عهد النبيّ))، وسنن البيهقي 7 / 237، باب ما
يجوز أن يكون مهرا، ومسند أحمد 3 / 304، وفي لفظه حتّى نهانا عمر أخيرا...، وذكره
موجزا صاحب تهذيب التهذيب بترجمة موسى بن مسلم 10 / 371، وفتح الباري 11 / 76، وزاد
المعاد لابن القيم 1 / 205، وراجع كنز العمال 8 / 293.
28
المصنف لعبدالرزّاق 7 / 496 ـ 497، باب المتعة.
29
المصنّف لعبد الرزّاق 7 / 500، وفتح الباري 11 / 76 وفي لفظه: فسأله فاعترف قال:
فذلك حين.
30
المصنّف لعبد الرزّاق 7 / 500 ـ 501، وأرى عمرو بن حوشب تحريفاً والصواب عمرو بن
حريث.
وكذلك سقط من الكلام بعد لايشهدون: عدولاً.
31
لعلّ الصواب ((بتوا)).
32
كنز العمال 8 / 294 ط. دائرة المعارف حيدرآباد دكن سنة 1312. وط. الثانية 22 / 95.
33
صنفة ردائه، صنفة الازار بكسر النون: طرفه ـ نهاية اللّغة.
34
المصنف لعبد الرزّاق 7 / 503، وراجع مسند الشافعي ص132، وترجمة ربيعة بن أُميّة من
الاصابة 1/ 514.
35
موطأ مالك، ص542، ح42، باب نكاح المتعة، وسنن البيهقي 7 / 206 وفي لفظه: لرجمته،
وراجع كتاب الاُمّ للشافعي 7 / 219، وتفسير السيوطي 2 / 141.
36
ترجمة سلمى غير منسوبة من الاصابة 4 / 324، وترجمة سلمة من الاصابة 2 / 61.
37
المصنف لعبد الرزّاق 7 / 499.
38
المصنف لابن أبي شيبة 4 / 293.
39
الطبري 5 / 32 في باب شي من سيره ممّا لم يمض ذكرها من حوادث سنة 23، و((القائبة)):
البيضة الّتي تنفلق عن فرخها والفرخ قوب، ضرب هذا مثلاً لخلو مكّة من المعتمرين في
باقي السنة، وقرع حجهم، أي خلت أيّام الحجّ من الناس. نهاية اللّغة، مادّة قوب.