خلاصة البحث:

في مبحثنا عن موارد اجتهاد الخليفة عمر بحثنا قصّة عمرة التمتّع فوجدنا العمرة في العصر الجاهلي محرّمة عند قريش في أشهر الحجّ ويرونها من أفجر الفجور ويقولون:

إذا انسلخ صفر حلّت العمرة لمن اعتمر. ووجدنا الرسول قد خالفهم فيها واعتمر أربع عمر كلهنّ في أشهر الحجّ، أمّا عمرة التمتّع فقد وجدنا الكتاب قد نصّ عليها في قوله تعالى: (فَمَن تَمتّع بِالعُمرة إلَى الحَجّ...) وسنّها الرسول في حجّة الوداع فإنّه(ص) مكث تسع سنين بعد الهجرة لم يحجّ وأجمع الخروج إلى الحجّ في ذي القعدة سنة عشر من مهاجره وقد أسلمت جزيرة العرب ومن شاء اللّه من أهل اليمن فأذّن بالحجّ فقدم المدينة بشر كثير يريدون ان يأتمّوا برسول اللّه ويعملوا بعمله، وسار من المدينة ومعه أزواجه وأهل بيته وعامّة المهاجرين والانصار ومن شاء اللّه من قبائل العرب وأفناء الناس(135)، وكان معه جموع لايحصيهم إلاّ خالقهم ورازقهم(136)، ووافاهم في الطريق خلائق لايحصون، فكانوا من بين يديه ومن خلقه وعن يمينه وعن شماله مدّ البصر(137).

قال جابر (138): ورسول اللّه بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شي‌ء عملنا به.

ولمّا انتهى إلى وادي العقيق قال لعمر بن الخطّاب: أتاني آت من ربّي ـ وفي رواية أتاني جبرئيل (ع) ـ وقال: قل ((عمرة في حجّة، فقد دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة))، وفي عسفان قال له سراقة: إقضِ لنا قضاء قوم كأنّما ولدوا اليوم، فقال ((انّ اللّه تعالى قد أدخل عليكم في حجّكم هذا عمرة، فإذا قدمتم فمن تطوّف بالبيت

وبين الصفا والمروة فقد حلّ إلاّ من كان معه هدي)). وفي سرف بلّغ ذلك عامّة أصحابه فقال: من لم يكن معه هدي فأحبّ أن يجعلها عمرة فليفعل. قالت عائشة: فالاخذ بها والتارك لها من أصحابه، وكرّر التبليغ بها في بطحاء مكّة وقال ((من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها)).

قال المؤلِّف: يظهر ممّا سبق أنّ النبيّ تدرّج في تبليغهم حكم عمرة التمتّع فإنّه أخبر في العقيق عمر خاصّة بنزول الوحي عليه يأمره أن يجمع هو بنفسه (ص) بين الحجّ والعمرة، وفي عسفان بلّغ سراقة أنّ اللّه أدخل عليهم في حجّهم الّذي هم فيه عمرة وأنّ من تطوّف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حلّ إلاّ من كان معه الهدي، وفي سرف بلّغ عامّة أصحابه بالحكم فالاخذ بها والتارك لها من أصحابه، ويظهر أنّ التارك لها من أصحابه كانوا من مهاجرة قريش الّذين كانوا يرونها في الجاهليّة من أفجر الفجور. من أجل ذلك تدرّج الرسول في تبليغهم حكم التمتّع بالعمرة.

حتّى إذا كان بين الصفا والمروة (139) وحان وقت الاداء نزل عليه القضاء فأمر أصحابه ـ وهو في آخر طوافه على المروة ـ من كان منهم أهلّ بالحجّ ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولكنِّي لبّدت رأسي وسقت هديي ولا يحلّ منِّي حرام حتّى يبلغ الهدي محلّه. فقام إليه سراقة وقال: اقض لنا قضاء قوم كأنّما ولدوا اليوم؛ أعمرتنا لعامنا هذا أمّ للابد؟ فقال ((لا، بل للابد)) مرّتين وشبّك أصابعه واحدة في الاُخرى وقال: ((دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة)) مرّتين.

هاهنا قامت قيامة من كان يرى العمرة محرّمة في أشهر الحجّ من أصحابه وتعاظم ذلك عندهم وضاقت به صدورهم فقالوا: يا رسول اللّه! أيّ الحلّ؟ قال: ((الحلّ كلّه)) ((هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن عنده الهدي فليحلّ الحلّ كلّه فا نّ العمرة قد دخلت في الحجّ إلى يوم القيامة)) وقال: ((أقيموا حلالاً حتّى إذا كان يوم التروية فأهلّوا بالحجّ واجعلوا الّتي قدمتم متعة)) قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمّينا الحجّ؟! قال ((افعلوا ما آمركم به فإنّي لولا أنّي سقت الهدي لفعلت مثل الّذي أمرتكم به)) وقال ((أحلّوا وأصيبوا النِّساء))(140) ففشت في ذلك القالة وبلغه أنّهم يقولون لمّا لم يكن بيننا وبين عرفة إلاّ خمس أمرنا أن نحلّ إلى نسائنا فنأتي إلى عرفة تقطر مذاكيرنا، هكذا ردّوا عليه القول فغضب فانطلق حتّى دخل على عائشة غضبان فرأت الغضب في وجهه فقالت: من أغضبك أغضبه اللّه ـ وفي رواية قالت ـ أدخله اللّه النار قال: ((ما لي لا أغضب وأنا آمر أمرا فلا أُتّبع)).

ثمّ قام خطيبا فقال ((بلغني أنّ أقواما يقولون كذا وكذا واللّه لانا أبرّ وأتقى للّه منهم ـوفي رواية قال‌ـ قد علمتم أنّي أتقاكم للّه وأصدقكم وأبرّكم ولولا هديي لحللت)) قالوا: يا رسول اللّه! أيروح أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيّاً؟ قال: ((نعم)) فأحلوا ومسّوا الطيب ووطئوا النِّساء وفعلوا ما يفعل الحلال، فلمّا كان يوم التروية أهلّوا بالحجّ.

هكذا أطاعوا اللّه ورسوله بكلّ صعوبة واعتمروا في أشهر الحجّ عدا أُمّ المؤمنين عائشة الّتي حرمت منها لانّها حاضت فأمرها النبيّ أن تحجّ، فلمّا طهرت وأتمّت الحجّ أمر أخاها عبدالرّحمن فأعمرها من التنعيم كي لاترجع بحجّ مفرد، وتوفّي الرسول واستخلف أبو بكر فأفرد الحجّ، واستخلف عمر فأفرد، ورأى بعرفة رجلاً مرجلاً شعره فاستفهمه فقال قدمت متمتّعا وإنّما أحرمت اليوم فقال عند ذاك: لاتتمتّعوا في هذه الايّام فانّي لو رخّصت في المتعة لهم لعرسوا بهنّ تحت الاراك ثمّ راحوا بهنّ حجّا.

وقال: اِفصلوا بين حجّكم وعمرتكم اِجعلوا الحجّ في أشهر الحجّ واجعلوا العمرة في غير أشهر الحجّ، أتمّ لحجّكم وعمرتكم. واستشهد على صحّة فتواه لمّا سأله أبو موسى ما هذا الّذي أحدثت بشأن النسك وقال: إن نأخذ بكتاب اللّه فإنّ اللّه قال (فَأتمّوا الحَجّ والعُمرة للّهِ) وإن نأخذ بسنّة نبيّنا (ص) فإنّه لم يحلّ حتّى نحر الهدي، ذكر عمر في هذه الاحاديث وغيرها أنّ تمامهما في الفصل بينهما، وجعل العمرة في غير أشهر الحجّ، وقال: إنّ النبيّ لم يحلّ حتّى نحر الهدي، ولم يجرؤ أبو موسى ولا غيره أن يقول له: إنّ الرسول صرّح غير مرّة بأنّه لم يحلّ لانّه ساق الهدي ولا يحلّ حتّى ينحر وأنّ التمتّع بالعمرة في كتاب اللّه، عدا ما كان من أمر الامام عليّ فإنّه قال له: ((من تمتّع فقد أخذ بكتاب اللّه وسنّة نبيّه)) ولعلّ عمر اضطرّ بعد هذا الاعتراض إلى أن يجابههم بالواقع ويقول في خطبته: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه وأنا أنهى عنهما واُعاقب عليهما...

ويقول: واللّه إنّي لانهاكم عن المتعة وإنّها لفي كتاب اللّه ولقد فعلتها مع رسول اللّه.

لعلّ الخليفة صرّح بهذه الاقوال ليمنع سائر الصحابة من متابعة الامام الرواية عن رسول اللّه بما يضعف موقفه، ونرى أنّه قد كشف عن سبب نهيه في قوله: كرهت أن يظلّوا معرّسين بهنّ تحت الاراك ثمّ يروحون في الحجّ تقطر رؤوسهم، وفي قوله: إنّ أهل البيت ـ يعني أهل مكّة ـ ليس لهم ضرع ولا زرع وإنّما ربيعهم في من يطرأ عليهم(141).

إذا فالخليفة القرشي يعيد على عهده نفس الاقوال الّتي جابهوا الرسول بها لما امتنعوا عن عمرة التمتّع في حجّة الوداع.

وحقّ القول في هذه الواقعة أنّ الخليفة تأوّل وطلب الخير لذوي اُرومته من قريش سكان مكّة حين نهى عن عمرة التمتّع، وأراد تمام الحجّ والعمرة حين أمر بفصل الحجّ عن العمرة وإتيان العمرة في غير أشهر الحجّ وإن خالف في ذلك كتاب اللّه وسنّة نبيّه، واستنّ بسنّته المسلمون على عهده وأفردوا الحجّ، وتبعه في ذلك الخليفة القرشيّ عثمان فإنّه قال على عهده أتمّ للحجّ والعمرة أن لايكونا معا في أشهر الحجّ فلو أخّرتم هذه العمرة حتّى تزوروا البيت زورتين كان أفضل، فعارضه الامال وقال: أعمدت إلى سنّة سنّها رسول اللّه تنهى عنها وقد كانت لذي الحاجة ولنائي الدار ثمّ أهلّ بحجّة وعمرة فأنكر عثمان في هذه المرّة أن يكون قد نهى عنها وقال: إنّما كان رأيا أشرت به.

وفي أُخرى قال له الامام: إنّك تنهى عن التمتّع؟ قال: بلى! قال: ألم تسمع رسول اللّه تمتّع قال: بلى، فلبّى عليّ وأصحابه بالعمرة.

وفي أُخرى قال: لقد علمت إنّا تمتعنا مع رسول اللّه فقال: أجل ولكنّا كنّا خائفين.

وفي أُخرى قال له: ما تريد إلى أمر فعله رسول اللّه تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعنا منك، قال: لا أستطيع أن أدعك منِّي. فلمّا رأى عليّ ذلك أهلّ بهما جميعا.

وفي أُخرى لمّا رأى الامام عثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، أهلّ بهما: لبّيك بعمرة وحجّة معا، فقال عثمان: اتفعلها وأنا أنهى عنها؟ فقال عليّ: لم أكن لادع سنّة رسول اللّه لقول أحد من الناس.

وتشدّد الخليفة على ما لم يكن في منزلة الامام، وأمر بمن لبّى منهم بالعمرة في أشهر الحجّ أن يضرب ويحلق!

وعلى عهد معاوية، قال سعد لمعاوية: إنّ عمرة التمتّع حسنة جميلة. فقال معاوية: إنّ عمر كان ينهى عنها.

وقال قائد جلاوزة معاوية: لايفعل ذلك إلاّ من جهل أمر اللّه، واستشهد بنهي عمر عنها.

ووضع معاوية رواية عن لسان النبيّ (ص) أنّه نهى أن يقرن بين الحجّ والعمرة واستنشد الصحابة فأنكروا عليه فأصرّ عليها.

ويبدو أنّ الارهاب كان شديدا على عهد معاوية فإنّ الصحابي عمران بن حصين كتم أنفاسه حتّى إذا كان في مرض موته أسرّ إلى من ائتمنه بعد أن أخذ عليه العهد أن يكتم عليه إن عاش، وأخبره بأنّ الرسول جمع بين الحجّ والعمرة ثمّ لم ينه عنها ولم ينزل كتاب ينسخها حتّى إذا توفي (ص) قال فيها رجل برأيه ما شاء أن يقول.

*             *              *

 يوضح مجموع ما أوردناه عن هذا العهد أنّه امتاز على ما سبقه من العهود بأمرين:

أوّلهما: بأنّهم اتّخذوا سنّة عمر دينا يدينون به وأنّهم أعلنوا ذلك فإنّ جلواز معاوية الضحّاك يقول ((لايفعل ذلك إلاّ من جهل أمر اللّه)) واستشهد هو ومعاوية بنهي عمر عنها في مقابل استشهاد سعد بفعل رسول اللّه إيّاها.

ثانيهما: بوضع الحديث عن لسان رسول اللّه في ما يؤيِّد سنّة عمر. وبعد عهد معاوية استمرّ أتباع مدرسة الخلفاء على الامرين مثل ما فعله ابنا الزُّبير بمكّة فإنّهما نهيا عن عمرة التمتّع واستشهدا بنهي أبي بكر وعمر عنها في مقابل ابن عبّاس من أتباع مدرسة الائمّة الّذي كان يأمر بها، ولمّا قالوا له: حتّى متى تضلّ الناس وتأمر بالعمرة في أشهر الحجّ وقد نهى عنها أبو بكر وعمر؟ قال ابن عباس: أراهم سيهلكون، أقول: قال النبيّ، ويقولون: نهى أبو بكر وعمر، وتجري بين الطرفين خصومة شديدة وسباب، ويضع عروة حديثا يكذب فيه على رسول اللّه ومن صحبه ويقول: إنّهم أفردوا الحجّ أبدا في حجّة الوداع وغيرها، ويستشهد بأُمّه وخالته، غير أنّهما تقولان: اعتمرنا في حجّة الوداع، ويضع أتباع مدرسة الخلفاء بعد هذا العهد ـأيضاـ أحاديث على رسول اللّه وعلى عليّ بن أبي طالب أنّهما أفردا الحجّ وأمرا بإفراده وعلى أبي‌ذر انّه قال: إنّ عمرة التمتّع كانت لنا أصحاب رسول اللّه خاصّة، إلى غير ذلك من الحديث الموضوع بإتقان عجيب في صنعة الوضع والافتراء، فإنّهم

مثلاً يروون عن أبي‌ذر وهو في الربذة، وعن الامام عليّ وهو ينصح ابنه محمّدا، وعن واحد من أصحاب النبيّ بأنّه أخبر عمر بنهي النبيّ عنها وهو في مرض موته، ولكن مع كلِّ هذا الجهد تعلّقت قلوب الناس بعمرة التمتّع كما قيل ذلك لابن عباس ولم يكن

سببه عدم اتباعهم لسنّة عمر، بل كان سببه عدم تمكّنهم من إطاعته فيها، فإنّه لم يكن بمقدور المسلمين أن يشدّوا الرحال من أقاصي البلاد الاسلاميّة مرّ تين، مرّة للعمرة في غير أشهر الحجّ، وأُخرى للحجّ في أشهر الحجّ مثل الخراساني الّذي استفتى الحسن البصري في مكّة وقال: إنّي رجل بعيد الشقّة... والاخر الّذي سأل مجاهدا وقال: هذا أوّل ما حججت فلا تشايعني نفسي، فأيّ ذلك ترى أتّم، أن أمكث كما أنا أو أجعلها عمرة؟(142)

لم يكن مسكن أمثال هؤلاء في الحجاز ليستطيعوا المجي‌ء من بيوتهم إلى مكّة مرّتين كما كان يأمر به عمر وعثمان وأتباعهم. وماذا يصنع الّذي قد يتاح له المجي‌ء إلى الحجّ مرّة واحدة في حياته؟ وكيف يعمل مثل هذا بسنّة عمر؟ وقديما قيل: إذا أردت ألاّ تطاع فاطلب ما لايستطاع. من أجل هذا اضطرّ المسلمون إلى أن يتركوا من سنّة عمر ما لم يتمكّنوا من فعله وهو إفراد الحجّ من العمرة، وأخذ بعضهم منها ما أمكنه فعله وهو عدم الاحلال بين العمرة والحجّ، وبعضهم ترك سنّة عمر بالمرّة مثل أتباع مدرسة أحمد إمام الحنابلة.

على أنّ المسلمين في كلّ تلك القرون لم يألوا جهدا في تبرير فعل الخلفاء، من روايتهم الحديث عن النبيّ وآله وأصحابه في تأييد رأي الخلفاء، إلى تأييد فعلهم بما يستطاع قوله، مثل قولهم: إنّ الخلفاء ضربوا وحلقوا للترغيب لانّهم رأوا الافراد أفضل! إلى تسمية فعل الخلفاء بالاجتهاد وأنّ المسألة اجتهاديّة وأنّ الخليفة اجتهد في هذه المسألة! إذا فقد قال اللّه، وقال رسوله، واجتهد عمر واتّخذ من اجتهاده حكماً من أحكام الشرع الاسلامي!!! 


 

135  ما أوردنا هنا من أمر حجّ الرسول نقلناه من إمتاع المقريزي ص 510 ـ 511.

136  سيرة ابن سيِّد الناس 2 / 273.

137  زاد المعاد 2 / 213، فصل في حجّه بعد هجرته، قال ابن كثير في تاريخه 5 / 109 ـ 110: سمِّيت حجّة البلاغ لانّه (ع) بلغ الناس شرع اللّه في الحجّ قولاً وفعلاً، وسمِّيت حجّة الاسلام لانّه لم يحج من المدينة غيرها.

138  راجع قبله ص196.

139  راجع قبله ص239.

140  راجع قبله ص252.

141  وبالتعليل الّذي ذكرناه يرتفع ما يظهر من تناقض في ما روي عنه من التعليل.

142  المحلّى 7 / 103.