علل الاحاديث

علّق إمام الحنابلة أحمد بن حنبل على الحديث السابع وقال: (حديث بلال بن الحارث عندي غير ثابت. ولا اقول به، ولا نعرف هذا الرجل، يعني الحارث بن بلال.

وقال: رأيت لوعرف الحارث بن الحارث بن بلال، إلاّ أنّ أحد عشر رجلاً من أصحاب النبيّ (ص) يروون ما يروون من الفسخ، أين يقوم الحارث بن بلال منهم؟)(116).

قال المؤلِّف: قصد إمام الحنابلة من رواية أحد عشر صحابيا الفسخ: روايتهم فسخ الاحرام، والتمتّع بالحلّ بين العمرة والحجّ. ولعلّه قصد من عدم معرفته للحارث عدم معرفته بالوثاقة.

وعلق أيضا ابن حنبل على حديث أبي‌ذر وقال: رحم اللّه أباذر هي في كتاب الرّحمن ((فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ))(117)، قصد إمام الحنابلة إنّ الاية تفيد أنّ الحكم عامّ ولا يخص ناسا دون آخرين فكيف خالف أبوذر بقوله الاية الكريمة وفاته أنّ الرواية وضعت على أبي‌ذر كما وضعت الروايات الاُخرى على غيره.

وكما نسب إلى رسول اللّه (ص) أنّه أفرد الحجّ، وإلى الامام عليّ أنّه قال لابنه محمّد: يا بنيّ! أفرد الحجّ مع ما رأينا في ما سبق من مخالفته للخليفة عثمان، وكذلك ما روي عن سعيد بن المسيّب أنّ رجلاً من أصحاب رسول اللّه أتى عمر وشهد عنده أنّه سمع رسول اللّه في مرضه ينهى عن العمرة قبل الحجّ، ولست أدري من هو هذا الصحابي وكيف لم يستشهد عمر بقول هذا الصحابي في عصره، ولا استشهد به عثمان ولا معاوية ولا ابنا الزُّبير ولا غيرهم؟

كلّ هذه الاحاديث وغيرها وضعت متأخّرا وفي سبيل تبرير موقف الخلفاء من تحريمهم متعة الحجّ، وما أجود ما قاله في هذا المقام كلّ من ابن القيم في كتابه زاد المعاد وابن حزم في المحلّى، قال ابن القيم: ونحن نشهد اللّه علينا أنّا لو أحرمنا بحجّ لرأينا فرضا علينا فسخه إلى عمرة تفاديا من غضب رسول اللّه (ص) واتّباعا لامره،

فوَاللّه ما نسخ هذا في حياته ولا بعده ولا صحّ حرف واحد يعارضه، ولا خصّ به أصحابه دون من بعدهم، بل أجرى اللّه سبحانه على لسان سراقة أن يسأله هل ذلك مختصّ بهم؟ فأجاب ((بأن ذلك كائن لابد الابد)) فما ندري ما نقدّم على هذه الاحاديث، وهذا الامر المؤكّد الّذي غضب رسول اللّه (ص) على من خالفه.

وللّه درّ الامام أحمد ؛ إذ يقول لسلمة بن شبيب وقد قال له: يا أبا عبداللّه! كلّ أمرك عندي حسن إلاّ خلّة واحدة، قال: وما هي؟ قال: تقول بفسخ الحجّ إلى العمرة، فقال : يا سلمة! كنت أرى لك عقلاً، عندي في ذلك أحد عشر حديثا صحاحا عن رسول اللّه (ص) أأتركها لقولك؟!(118).

وقال أيضا: وقد روى عنه الامر بفسخ الحجّ إلى العمرة أربعة عشر من أصحابه وأحاديثهم كلّها صحاح وهم عائشة وحفصة اُمّا المؤمنين، وعليّ بن أبي طالب، وفاطمة بنت رسول اللّه (ص) ، وأسماء بنت أبي بكر الصدّيق، وجابر بن عبداللّه، وأبو سعيد الخدري، والبراء بن عازب، وعبداللّه بن عمر، وأنس بن مالك، وأبو موسى الاشعري، وعبداللّه بن عباس، وسبرة بن معبد الجهني، وسراقة بن مالك المدلجي (رض)(119).

وقال ابن حزم: روى أمر رسول اللّه (ص) من لا هدي له أن يفسخ حجّه بعمرة ويحلّ بأوكد أمر جابر بن عبداللّه و... خمسة عشر من الصحابة (رضي اللّه عنهم).

ورواه عن هؤلاء نيف وعشرون من التابعين ورواه عن هؤلاء من لايحصيه إلاّ اللّه عزّ وجلّ فلم يسع أحدا الخروج عن هذا(120).

وقال: وأمر النبيّ كلّ من لا هدي معه عموما بأن يحلّ بعمرة، وأنّ هذا هو آخر أمره على الصفا بمكّة، وأنّه (ع) أخبر بأنّ التمتّع أفضل من سوق الهدي معه وتأسّف إذ لم يفعل ذلك هو، وأنّ هذا الحكم باقٍ إلى يوم القيامة وما كان هكذا فقد أمّنا أن ينسخ أبدا، ومن أجاز نسخ ما هذه صفته فقد أجاز الكذب على خبر رسول اللّه(ص) وهذا ممّن تعمّده كفر مجرّد، وفيه أنّ العمرة قد دخلت في الحجّ وهذا هو قولنا لانّ الحجّ لايجوز إلاّ بعمرة متقدّمة له يكون بها متمتعا أو بعمرة مقرونة معه ولا مزيد(121).

وقال : قد أفتى بها أبو موسى مدّة إمارة أبي بكر وصدرا من إمارة عمر(رض) وليس توقّفه ـ عندما بلغه نهي عمر ـ حجّة على ما روى عن النبيّ وحسبنا قوله لعمر: ما الّذي أحدثت في شأن النسك فلم ينكر ذلك عمر، وأمّا قول عمر في قول اللّه تعالى (وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ للّهِ ِ) فلا إتمام لهما إلاّ  علّمه رسول اللّه الناس وهو الّذي اُنزلت عليه الاية وأمر ببيان ما أنزل عليه من ذلك.

وأمّا كونه لم يحلّ حتّى نحر الهدي فانّ حفصة ابنة عمر روت عن النبيّ بيان فعله قالت سألته: ما شأن الناس حلّوا ولم تحلّ من عمرتك؟ فقال: إنّي قلدت هديي فلا اُحلّ حتّى أنحر، ورواه أيضا علي...

ثمّ قال: فهذا أولى أن يتّبع من رأي رآه عمر(122).

وفي مكان آخر أورد الروايات الّتي جاء فيها أنّ فسخ الحجّ خاصّ بأصحاب رسول اللّه، ثمّ استشهد على بطلانها بأنّ سراقة قال لرسول اللّه حين أمرهم بفسخ الحجّ في عمرة: يا رسول اللّه! ألعامنا هذا أم لابد؟ فقال: بل لابد الابد.

ثمّ قال: فبطل التخصيص والنسخ وأمن من ذلك أبدا. وللّه أنّ من سمع هذا الخبر ثمّ عارض أمر رسول اللّه (ص) بكلام أحد ولو أنّه كلام أُمّي المؤمنين حفصة وعائشة وأبويهما (رض) لهالك فكيف باُكذوبات كنسيج العنكبوت الّذي هو أوهن البيوت عن الحارث بن بلال و... الّذي لايدرى من هم في الخلق. وليس لاحد أن يقتصر بقوله (ع): ((دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة)) على أنّه أراد جوازها في أشهر الحجّ دون ما بينه جابر وابن عباس من إنكاره (ع) أن يكون الفسخ لهم خاصّة أو لعامهم دون ذلك، ومن فعل ذلك فقد كذب على رسول اللّه جهاراً.

قال: وأتى بعضهم بطامّة وهي أنّه ذكر الخبر الثابت عن ابن عباس أنّهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور في الارض فقال قائلهم: إنّما أمرهم (ع) بذلك ليوقفهم على جواز العمرة في اشهر الحجّ قولاً وعملاً. وهذه عظيمة أوّل ذلك أنّه كذب على النبيّ في دعواهم إنّما أمرهم بفسخ الحجّ في عمرة ليعلمهم جواز العمرة في أشهر الحجّ ثمّ يقال لهم هبك لو كان ذلك ومعاذ اللّه من أن يكون أبحقّ أمر أم بباطل؟ فإن قالوا بباطل كفروا وإن قالوا: بحقّ قلنا: فليكن أمره (ع) بذلك لايّ وجه كان فإنّه قد صار بعدما أمر حقّا واجبا، ثمّ لو كان هذا الهوس الّذي قالوه فلاي معنى كان يخصّ بذلك من لم يسق الهدي دون من ساق؟

وأطمّ من هذا كلّه أنّ هذا الجاهل القائل بذلك قد علم أنّ النبيّ اعتمر بهم في ذي القعدة عاما بعد عام قبل الفتح. ثمّ اعتمر في ذي القعدة عام الفتح ثمّ قال لهم في حجّة الوداع في ذي الحليفة: من شاء منكم أن يهلّ بعمرة فليفعل ومن شاء  أن يهلّ بحجّ وعمرة فليفعل ومن شاء أن يهلّ بحج فليفعل(123)، ففعلوا كلّ ذلك فيا للّه ويا للمسلمين أبلغ الصحابة (رضي اللّه عنهم) من البلادة، والبله، والجهل أن لايعرفوا مع هذا كلّه انّ العمرة جائزة في أشهر الحجّ؟ وقد عملوها معه (ع) عاما بعد عام في أشهر الحجّ حتّى يحتاج إلى ان يفسخ حجّهم في عمرة ليعلموا جواز ذلك، تاللّه إنّ الحمير لتميّز الطريق ن أقلّ من هذا فكم هذا الاقدام والجرأة على مدافعة السنن الثابتة في نصر التقليد؟ مرّة بالكذب المفضوح، ومرّة بالحماقة المشهورة، ومرّة بالغثاثة والبرد حسبنا اللّه ونعم الوكيل.

قال المؤلِّف: فات ابن القيم وابن حزم وسائر أتباع مدرسة الامام أحمد أنّ الباعث على إنكار من أنكر عمرة التمتّع ليس جهلهم بالروايات الصحيحة المتواترة عن رسول اللّه (ص) في ذلك ليحتاجوا إلى تعريفهم بها، وليس سببه عدم فهمهم لمدلول تلك الروايات كي يعرّفوا بمدلولاتها، وإنّما الدافع لهم إلى ذلك ما يقصدون من تبرير موقف الخلفاء من هذا الحكم الشرعي وفي سبيل ذلك جاهدوا على مرّ القرون، فمنهم من وضع الاحاديث احتسابا للخير، ومنهم من التمس للخلفاء أعذارا مثل البيهقي الّذي قال: ((أراد عمر (رض) بالّذي أمر به من ترك التمتّع بالعمرة إلى الحجّ تمام العمرة الّتي أمر اللّه عزّ وجلّ بها، وأراد عمر (رض) أن يزار البيت في كلّ عام مرّتين وكره أن يتمتّع الناس بالعمرة إلى الحجّ فيلزم ذلك الناس فلا يأتوا البيت إلاّ مرّة واحدة في السنة)).

ودافع عن غيره من الخلفاء بقوله: ((اتبعوا ما أمر به عمر بن الخطّاب (رض) في ذلك احتسابا للخير))(124).

وبعض العلماء خلطوا في هذا السبيل بين الحقّ والباطل ولم يميّزوا الزائف من الصحيح، وبعضهم ناقض نفسه، وآخرون اجتهدوا فاستنبطوا من سيرة الخلفاء أحكاما لم يقم عليها دليل من كتاب ولا سنّة ويصيب الباحث الدوار إذا أراد أن يتابعهم في ما ذكروا في هذا الباب، ولا يحصل منهم على رأي ثابت أو مصيب، وللتدليل على ما قلنا نضيف إلى ما أوردناه إلى هنا ما أورده النووي في شرح مسلم باختصار، قال:

إختلف العلماء في هذه الانواع الثلاثة أيُّها أفضل فقال الشافعي ومالك وكثيرون: أفضلها الافراد ثمّ التمتّع ثمّ القِران، وقال أحمد وآخرون: أفضلها التمتّع، وقال أبو حنيفة وآخرون: أفضلها القران، وهذان المذهبان قولان آخران للشافعي(125) والصحيح تفضيل الافراد ثمّ التمتّع ثمّ القران، وأمّا حجّة النبيّ (ص) فاختلفوا فيها هل

كان مفردا أم متمتّعا أم قارنا وهي ثلاثة أقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة وكلّ طائفة رجّحت نوعا وادّعت أنّ حجّة النبيّ (ص) كانت كذلك.

إلى قوله: ومن دلائل ترجيح الافراد أنّ الخلفاء الراشدين(رض) بعد النبيّ(ص) أفردوا الحجّ (126) وواظبوا على إفراده، كذلك فعل أبو بكر وعمر وعثمان (رض)  واختلف فعل عليّ  (127) ولو لم يكن الافراد أفضل وعلموا أنّ النبيّ (ص) حجّ مفردا لم يواظبوا عليه مع انّهم الائمّة الاعلام وقادة الاسلام ويقتدى بهم في عصرهم وبعدهم، وكيف يليق بهم المواظبة على خلاف فعل رسول اللّه (ص) وأمّا الخلاف عن عليّ (رض) وغيره فإنّما فعلوه لبيان الجواز(128) وقد ثبت في الصحيح ما يوضح ذلك، ومنها ـ أي من دلائل ترجيح الافرادـ أنّ الافراد لايجب فيه دم بالاجماع وذلك لكماله ويجب الدم في المتمتّع والقران وهو دم جبران لفوات الميقات وغيره فكان ما لايحتاج إلى جبر أفضل.

ومنها أنّ الاُمّة أجمعت على جواز الافراد من غير كراهة(129)، وكره عمر وعثمان وغيرهما التمتّع والقران فكان الافراد أفضل واللّه أعلم. فإن قيل: كيف وقع الاختلاف بين الصحابة (رض) في صفة حجّته (ص) وهي حجّة واحدة، وكلّ واحد منهم يخبر عن مشاهدة في قضيّة واحدة(130)؟

قال القاضي عياض: قد أكثر الناس الكلام على هذه الاحاديث فمن مجيد منصف، ومن مقصّر متكلّف، ومن مطيل مكثر ومن مقتصر مختصر قال: وأوسعهم في ذلك نفسا أبو جعفر الطحاوي الحنفي فإنّه تكلّم في ذلك في زيادة على ألف ورقة، وتكلّم معه في ذلك أبو جعفر الطبري، ثمّ أبو عبداللّه بن أبي صفرة، ثمّ المهلّب، والقاضي أبوعبداللّه المرابط، والقاضي أبو الحسن بن القصّار البغدادي، والحافظ أبو عمر بن عبدالبرّ وغيرهم(131).

قال القاضي عياض: وأولى ما يقال في هذا على ما فحصناه من كلامهم واخترناه من اختياراتهم ممّا هو أجمع للروايات وأشبه بمساق الاحاديث أنّ النبيّ (ص) أباح للناس فعل هذه الانواع الثلاثة ليدلّ على جواز جميعها، ولو أمر بواحد لكان غيره يظنّ أنّه لايجزي فاضيف الجميع إليه وأخبر كلّ واحد بما أمره به وأباحه له ونسبه إلى النبيّ (ص) إمّا لامره به وإمّا لتأويله عليه...(132).

وقال النووي في مكان آخر من شرحه: ((قال المازري: اِختلف في المتعة الّتي نهى عنها عمر في الحجّ، فقيل: هي فسخ الحجّ إلى العمرة، وقيل: هي العمرة في أشهر الحجّ ثمّ الحجّ من عامه، وعلى هذا إنّما نهى عنها ترغيبا(133) في الافراد الّذي هو أفضل لا أ نّه يعتقد بطلانها أو تحريمها.

وقال القاضي عياض: ظاهر حديث جابر وعمران وأبي موسى أنّ المتعة الّتي اختلفوا فيها إنّما هي فسخ الحجّ إلى العمرة، قال: ولهذا كان عمر (رض) يضرب الناس عليها ولا يضربهم على مجرّد التمتّع في أشهر الحجّ وإنّما ضربهم على ما اعتقده هو وسائر الصحابة أنّ فسخ الحجّ إلى العمرة كان مخصوصا في تلك السنة للحكمة الّتي قدّمنا ذكرها. قال ابن عبدالبرّ: لا خلاف بين العلماء في أنّ التمتّع المراد بقول اللّه تعالى (فمن تمتّع الى الحجّ فما استيسر من الهدي) هوالاعتمار في أشهر الحجّ قبل الحجّ، قال: ومن التمتّع أيضاً القِران لأنّه تمتّع بسقوط سفره للنسك الآخر من بلده، قال: ومن التمتع أيضاً فسخ الحجّ الى العمرة. هذا كلام القاضي.

قلت: والمختار إنّ عمر وعثمان وغيرهما إنّما نهوا عن المتعة التي هي الاعتمار في اشهر الحجّ من عامه، ومرادهم نهي أولوية للترغيب في الإفراد لكونه أقضل. . .)).

انتهى ما نقلناه من شرح النووي (هامش) بتلخيص.

قال المؤلف: كلّ هؤلاء العلماء وكثيرون غيرهم ممّن كتبوا آلاف الأوراق في هذا الباب، قد قرأوا في كتاب الله (فَمَن تَمتّع بِالعُمرة الى الحَجّ)، واطلعوا على تلك الروايات الكثيرة المتواترة الصحيحة عن رسول اللّه بتشديده الامر بمتعة الحجّ، وقرأوا كذلك نهي عمر عنها ومعاقبته عليها وتعليله بأنّ الافراد أتمّ للعمرة وللحجّ وأن فيه ربيع أهل مكّة، ومع كلّ ذلك نقرأ كلّ تلك الاقوال المتناقضة من أنّ الرسول أباح لجماعة بحجّ التمتّع، ولاخرين بالافراد، ولغيرهم بالقران، ومن أجل اختلاف أقوال الرسول في حجّة الوداع اختلفت أقوال العلماء في هذا الصدد، وأنّ عمر نهى عن فسخ الحجّ ولم ينه

عن حجّ التمتّع، وإن نهي عمر وعثمان وغيرهما عن حجّ التمتّع نهي أولويّة للترغيب في الافراد لكونه أفضل.

أرأيت كيف يصبح الحكم المخالف للكتاب والسنّة أفضل؟! ورأيت كيف يكون الترغيب إلى شي‌ء بالعقوبة والضرب والحلق!!!؟

ومع كلّ هذا ليس لنا أن نشتطّ في القول على العلماء كما فعله ابن حزم، بل ينبغي أن نعذرهم فإنّهم في ما فعلوا طلبوا الخير وأرادوا تبرير فعل الخلفاء، وفي هذا السبيل وضعوا الاحاديث عن لسان رسول اللّه ولسان الائمّة من أهل بيته والكبراء من صحابته، وفي سبيل تبرير فعل الخلفاء أيضا سمّوا فعل الخلفاء اجتهادا وقالوا: إنّ الخلفاء تأوّلوا الخير، والحقّ أنّ العلماء أيضا تأوّلوا الخير في ما فعلوا وقالوا.

*             *              *

في ما سبق من البحوث يتّضح لنا كيف نشأ الاختلاف بين الاحاديث المنسوبة إلى رسول اللّه (ص) وكيف انتشر الاختلاف بين المسلمين عبر العصور، وفي ما يأتي بيان ذلك.


 

116  سنن ابن ماجة، ص994، باب: من قال كان فسخ الحج لهم خاصّة من كتاب المناسك، وراجع التعليق على الحديث 2429 في المنتقى من أخبار المصطفى لابن تيمية 2 / 238. وذكر ابن كثير في موجزه في 5 / 166 من تاريخه.

117  المنتقى من أخبار المصطفى لابن تيميّة 1 / 239 بهامش ح3431.

118  زاد المعاد 2 / 247 فصل في إحلال من لم يكن ساق الهدي معه. والمحلّى لابن حزم 7 / 100 ـ 110.

119  زاد المعاد 1 / 246.

120  المحلّى 7 / 101.

121  المحلّى 7 / 103، ذكرنا في ما يلي موجز كلام ابن حزم في هذا الباب.

122  المحلّى 7 / 102، وقوله ((فهذا أولى أن يتّبع)) أي قول رسول اللّه وأمره أولى أن يتّبع من رأي رآه عمر.

123  قصد انّ الامر بعمرة التمتّع كان في بدء الامر في حجّة الوداع تخييريا ونزل القضاء به حتما عندما كان الرسول في آخر شوط من سعيه.

124  السنن الكبرى للبيهقي 5 / 21.

125  ان اختلاف أقوال الشافعي يدل على تحيره في الحكم الشرعي !

126  الواقع الحقّ أنّ العلماء استندوا إلى فعل الخلفاء المذكور وأوّلوا ما خالفه من نص الكتاب وفعل الرسول وقوله ـ السنّة ـ تبريرا منهم لفعل الخلفاء كما أشرنا إليه.

127  إن كان قصده من اختلاف فعل الامام عليّ، اختلاف فعله مع أفعال الخلفاء في هذا المقام كما يظهر من قوله في ما يأتي فهو صحيح. وإن كان قصده أنّ الامام اختلفت أفعاله بعضها مع بعض فهو كذب وافتراء على الامام.

128  قد صرح الامام أنّه خالفهم لاحياء سنّة الرسول الّتي منعوا إقامتها ، راجع قبله على عهد عثمان .

129  وقد خالف أبناء الاُمّة هؤلاء، رسول اللّه حيث غضب في حجّة الوداع على من تردّد في فسخ الافراد إلى التمتّع وخالفهم أئمّة أهل البيت تبعاً لرسول اللّه وخالفهم أتباع مدرسة أهل البيت وغير هؤلاء ممّن رضي بسنّة الرسول، إذا فالاُمّة لم تجمع على ذلك.

130  إنّما نشأ هذا الاختلاف بعد مخالفة الخلفاء لسنّة الرسول حيث روى بعضهم أحاديث خلافا للواقع تبريرا لعمل الخلفاء.

131  وتبعهم في الكتابة ابن قيم الجوزية في زاد المعاد ووفى الموضوع حقّه، وكتب فيه أيضا ابن حزم وكتبنا فيه هذا البحث. كُتبت في هذا الموضوع طول القرون آلاف الاوراق ولو اكتفى المسلمون بصريح الكتاب والسنّة لكفتهم وريقة صغيرة.

132  لا، والّذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ إنّ الرسول لم يأمر في حجّة الوداع إلاّ بحجّ التمتّع ومنع من غيره، ولم يظن أحد في عصره ولا من بعده أنّ الرسول أمر بغير حجّ التمتّع، وإن كل هذه الاقوال قيلت في سبيل تبرير فعل الخليفة مع علم القائلين ببطلان أقوالهم.

إلى هنا ذكرنا في المتن ملخصا من باب ((بيان وجوه الاحرام وأنّه يجوز إفراد الحجّ والتمتّع...)) من شرح النووي 8 / 134 ـ 137.

133  إنّ الخليفة عمر (رض) نهى عن حجّ التمتّع وعاقب على فعله وأمر بالافراد في الحجّ والعمرة كما صرّحت بذلك الروايات الّتي ذكرناها في ما سبق، وإنّما قال العلماء هذه الاقوال التماسا لما يعذرون به الخليفة.