موقف ابن عمر
في
صحيح مسلم وسنن أبي داود والنِّسائي والترمذي والبيهقي وغيرها، واللفظ للاوّل عن
ابن عمر قال: تمتّع رسول اللّه (ص) في حجّة الوداع بالعمرة إلى الحجّ فكان من الناس
من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلمّا قدم رسول اللّه(ص) مكّة قال للناس ((من
كان منكم أهدى فإنّه لا يحلّ من شيء حرم منه حتّى يقضي حجّه، ومن لم يكن منكم
أهدى، فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثمّ ليهلّ بالحجّ وليهد...))
الحديث(95).
واعترض عليه بقول أبيه ونهيه كما رواه الترمذي في سننه عن ابنه سالم: أنّه سمع
رجلاً من أهل الشام وهو يسأل عبداللّه بن عمر عن التمتّع بالعمرة إلى الحجّ، فقال
عبداللّه بن عمر: هي حلال. فقال الشامي: إنّ أباك قد نهى عنها، فقال عبداللّه بن
عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول اللّه (ص) أأمر أبي أتّبع أم أمر رسول
اللّه (ص) ؟ فقال الرجل: بل أمر رسول اللّه (ص) . فقال: لقد صنعها رسول اللّه(96).
وفي رواية قال: اعتمر النبيّ قبل أن يحجّ(97).
وقال ابن كثير: وكان ابنه عبداللّه يخالف فيقال له: إنّ أباك كان ينهى عنها! فيقول:
خشيت أن يقع عليكم حجارة من السماء! قد فعلها رسول اللّه، أفسنّة رسول اللّه نتّبع
أم سنّة عمر بن الخطّاب؟(98).
وروى عنه أيضا خلاف هذا الموقف
(99) ولعلّ سبب اختلاف فتاويه في العمرة اختلاف أزمنة
الفتاوي والروايات عنه كما لو كان السؤال منه على عهد أبيه، أو على عهد عثمان
مثلاً. فينبغي أن يكون الجواب موافقا لموقف الخلافة الراشدة، أمّا في عصر ابن
الزُّبير ومناهضة الخلافة الامويّة له، فكان يسهل مخالفته.
وبهذا تيسّر وقوع الخلاف الشديد حول عمرة التمتّع في هذا العصر ووقع فكان منهم من
ينهى عنها وهم عصبة الخلافة، ومنهم من يحبذها ويخبر عن أمر الرسول بها وهم بعض من
بقي من أصحاب الرسول مثل جابر بن عبداللّه الانصاري الّذي كان يخبر عن سنّة الرسول
في ذلك كما رواه مسلم في صحيحه عن أبي نضرة، قال: كنت عند جابر فأتاه آت فقال: إنّ
ابن عباس وابن الزُّبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع رسول اللّه ثمّ
نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما(100).
وبقي هذا الخلاف بين أتباع الطرفين مدّة من الزمن، ومن مظاهر ذلك الخلاف ما روي عن
موسى بن نافع الاسدي أنّه قال: قدمت مكّة وأنا متمتّع بعمرة فدخلت قبل التروية
بثلاثة أيّام فقال لي ناس من أهل مكّة: تصير حجّتك مكّيّة فدخلت على عطاء بن أبي
رباح أستفتيه، فقال: حدّثني جابر بن عبداللّه أنّه حجّ مع رسول اللّه (ص) يوم ساق
البدن وقد أهلّوا بالحجّ مفردا فقال لهم رسول اللّه (ص) : ((أحلّوا من إحرامكم
بالطواف بالبيت وبين الصفا والمروة واقصروا وأنتم حلال فإذا كان يوم التروية
فأهِلّوا بالحجّ واجعلوا الّتي قدمتم بها متعة)) قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمّينا
الحجّ، فقال ((إفعلوا ما أمرتكم فلولا أنّي سقت الهدي لفعلت مثل الّذي أمرتكم به
ولكنّي لا يحلّ منِّي حرام حتّى يبلغ الهدي محلّه)) ففعلوا
(101).
وفي عصر ابن الزُّبير ـ أيضا ـ ظهرت أمارات انتصار من أحيى سنّة الرسول وتعلّقت
قلوب الناس بعمرة التمتّع حسب ما يظهر من روايات مسلم في صحيحه مثل الرواية الاتية:
قال رجل من بني الهجيم لابن عباس ما هذه الفتيا الّتي تشغّفت أو تشغّبت بالناس انّ
من طاف بالبيت فقد حلّ؟! فقال: سنّة نبيّكم وإن رغمتم.
وفي رواية بعدها: إنّ هذا الامر قد تفشّغ بالناس من طاف بالبيت فقد حلّ. الطواف
عمرة
(102).
((تشغّفت)) أي علقت بقلوب الناس و((تشغّبت)) أي خلطت عليهم أمرهم و((تفشّغ)) أي
انتشر وفشا بين الناس.
وقد علّق ابن القيم على رواية ابن عباس السابقة وقال: ((وصدق ابن عباس: كلّ من طاف
بالبيت ممّن لا هدي معه من مفرد أو قارن أو متمتّع فقد حلّ إمّا وجوبا وإمّا حكما،
هذه هي السنّة الّتي لا رادّ لها ولا مدفع وهذا كقوله (ص) : ((إذا أدبر النهار من
هاهنا وأقبل اللّيل من هاهنا، فقد أفطر الصائم)) إمّا أن يكون المعنى أفطر حكما أو
دخل وقت إفطاره، وصار الوقت في حقّه وقت إفطار، فهكذا هذا الّذي قد طاف بالبيت إمّا
أن يكون قد حلّ حكما، وإمّا أن يكون ذلك الوقت في حقّه ليس وقت إحرام، بل هو وقت
حلّ ليس إلاّ، ما لم يكن معه هدي وهذا صريح السنّة)).
وروى عن ابي الشعثاء عن ابن عباس قال: ((من جاء مهلاً بالحجّ فإنّ الطواف بالبيت
يصيّره إلى عمرة شاء أو أبى)) قلت: إنّ الناس ينكرون ذلك عليك قال: هي سنّة نبيّهم
وإن رغموا
(103).
هكذا جاهد ابن عباس في عصره وأعانه غيره من أتباع مدرسة الائمّة أمثال جابر بن
عبداللّه الانصاري، ومن هؤلاء وبعد هؤلاء تسرّى القول بعمرة التمتّع إلى أتباع
مدرسة الخلفاء، كما يظهر ذلك من رواية ابن حزم عن منصور بن المعتمر، قال:
حجّ الحسن البصري وحججت معه في ذلك العام، فلمّا قدمنا مكّة، جاء رجل إلى الحسن،
فقال: يا أبا سعيد! إنّي رجل بعيد الشقّة من أهل خراسان وإنّي قدمت مهلاّ ً بالحجّ،
فقال له الحسن: إجعلها عمرة واحلّ، فأنكر ذلك الناس على الحسن(104)
وشاع قوله بمكّة فأتى عطاء بن أبي رباح فذكر ذلك له، فقال: صدق الشيخ ولكنّا نفرق
أن نتكلّم بذلك(105).
ويزول هذا التخوّف في عصر بني العباس وينتشر القول بعمرة التمتّع على عهدهم ولعلّ
لموقف جدّهم عبداللّه بن العباس دخلاً في ذلك، وعلى عهدهم يتبنّى أحمد بن حنبل
القول بعمرة التمتّع ومن الطبيعي أن يستمرّ ذلك في أتباع مدرسته.
ويشهد لذلك قول ابن القيم: وقد روى هذا ـ أي حجّ التمتّع ـ عن النبيّ من سمّينا
وغيرهم، وروى ذلك عنهم طوائف من كبار التابعين، حتّى صار منقولاً نقلاً يرفع الشكّ
ويوجب اليقين، ولا يمكن أحدا أن ينكره أو يقول: لم يقع وهو مذهب أهل بيت رسول
اللّه، ومذهب حبر الاُمّة وبحرها ابن عباس وأصحابه ومذهب أبي موسى الاشعريّ ومذهب
إمام أهل السنّة والحديث أحمد بن حنبل وأتباعه ومذهب أهل الحديث معه(106).
وهكذا يزول الحرج عن المسلمين في اتّباع سنّة الرسول بعد ذلك إلى يومنا الحاضر.
95 صحيح مسلم، باب وجوب الدم على المتمتّع، الحديث 174، ص901، وشرح النووي 8 /
208، وسنن أبي داود 2 / 160، باب في الإقران، الحديث 1805، وسنن النِّسائي 2 / 15،
باب التمتّع، وسنن الترمذي 4 / 39، باب ما جاء في التمتّع وقال: هذا حديث صحيح،
وسنن البيهقي 5 / 17، باب من اختار التمتّع بالعمرة إلى الحجّ...، و 5 / 20 و 23
منه، وزاد المعاد 1 / 216، فصل في جمعه بين الحجّ والعمرة، و ص236 منه، والمنتقى،
الحديثان 2387 و 2416.
96 صحيح الترمذي 4 / 38، باب ما جاء في التمتّع من كتاب الحجّ.
97 سنن البيهقي 4 / 354، باب العمرة قبل الحجّ عن البخاري.
98 تاريخ ابن كثير 5 / 141.
99 سنن البيهقي 4 / 5.
100 صحيح مسلم، الحديث 1249، ص914.
101 سنن البيهقي 4 / 356، باب المتمتّع بالعمرة إلى الحجّ إذا أقام بمكّة حتّى
ينشئ الحجّ إن شاء من مكّة لا من الميقات. وصحيح مسلم، ص884، الحديث 143: وتصير
الان حجّتك مكّيّة لانشائك إحرامها من مكّة فتفوتك فضيلة الاحرام من الميقات فيقل
ثوابك بقلّة مشقّتك.
102 صحيح مسلم، الحديث 206 و 207، ص 912 ـ 913.
103 زاد المعاد 1 / 249.
104 هكذا نجد سنّة رسول اللّه في هذا العصر منكرا لدى المسلمين .
105 المحلّى لابن حزم 7 / 103. والمنصور بن المعمر أبو عتاب السلمي الكوفي أخرج
حديثه جميع أصحاب الصحاح، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، التقريب 2 / 277. والحسن
بن أبي الحسن يسار البصري مولى الانصار كان يرسل كثيرا ويدلس، رأس الطبقة الثالثة
(ت: 110ه ) وقد قارب التسعين، أخرج حديثه أصحاب الصحاح. تقريب التهذيب 1 / 165.
وعطاء بن أبي رباح أسلم، مولى قريش، (ت: 114ه ) روى حديثه جميع أصحاب الصحاح،
تقريب التهذيب 2 / 22.
106 زاد المعاد 1 / 249، كان مذهب أبي موسى التمتّع بالعمرة إلى الحجّ ويفتي به من
قبل أن يسمع من الخليفة ما أحدثه في شأن النسك، ومن بعد ذلك تابعه على رأيه.