على عهد معاوية

كان معاوية على عهده جادّا كلّ الجد في إحياء سنن الخلفاء الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان، وخاصّة في ما كان فيها إرغام لاهل البيت ومخالفة لمدرستهم لا سيّما الامام عليّ، كانت هذه سياسته على العموم، وفي ما يخصُّ هذا الحكم ذكرت الروايات التالية ما قام به هو وبعض جلاوزته من جهد(73):

في سنن النِّسائي عن ابن عباس، قال: هذا معاوية ينهى الناس عن المتعة وقد تمتّع النبيّ (ص) (74).

وفي سنن الدارمي عن محمّد بن عبداللّه بن نوفل، قال: سمعت عام حجّ معاوية يسأل سعد بن مالك: كيف تقول بالتمتّع بالعمرة إلى الحجّ؟ قال: حسنة جميلة. قال: قد كان عمر ينهى عنها، فأنت خير من عمر؟! قال: عمر خير منِّي، وقد فعل ذلك النبيّ وهو خير من عمر(75).

ويبدو من بعض الروايات أنّ هذه المحاولة على عهد معاوية لم تقتصر عليه فحسب بل أعانه عليها بعض جلاوزته أيضا كما تدلّ عليه الرواية التالية:

في موطّأ مالك وسنن النِّسائي والترمذي والبيهقي وغيرها، واللفظ للاوّل، عن محمّد بن عبداللّه بن الحارث: انّه سمع سعد بن أبي وقّاص والضحّاك بن قيس عام حجّ معاوية بن أبي سفيان، وهما يذكران التمتّع بالعمرة إلى الحجّ، فقال الضحّاك بن قيس: لايفعل ذلك إلاّ من جهل أمر اللّه عزّ وجلّ، فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي! فقال الضحّاك: فإنّ عمر بن الخطّاب قد نهى عن ذلك، فقال سعد: قد صنعها رسول اللّه (ص) وصنعناها معه(76).

والضحّاك بن قيس قرشيّ فهريّ، ولذا قال له سعد ((يا ابن أخي)). ولد الضحّاك قبل وفاة النبيّ بسبع سنين، ولي على شرطة معاوية، وله في الحروب معه بلاء عظيم، وسيّره على جيش على عهد الامام عليّ فأغار على سواد العراق وقتل من لقي من الاعراب، وأغار على الحاجّ وأخذ أمتعتهم وقتل منهم. ولي دفن معاوية وأخبر

يزيد بموته وبايع ابن الزُّبير بعد يزيد وقاتل مروان بمرج راهط فقتل بها سنة أربع وستّين(77).

هذا هو الضحّاك بن قيس قائد جلاوزة معاوية ولا غرابة بعد ذلك في أن يحتطب هذا بحبال معاوية ويعينه على ما يبتغيه.

ويبدو أنّ معاوية ـ بالاضافة إلى ما ذكرنا ـ استعان بوضع الحديث للمنع من حجّ التمتّع حسب ما رواه كلّ من البيهقي وأبي داود في سننهما وغيرهما واللفظ للاوّل: إنّ معاوية قال لنفر من أصحاب رسول اللّه (ص) ، ولفظ أبي داود: قال لاصحاب رسول اللّه أتعلمون... أنّ رسول اللّه نهى عن صفف النمور؟ قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: وأنا اشهد. قال: أتعلمون أنّ النبيّ (ص) نهى عن لبس الذهب إلاّ مقطّعا؟

قالوا: اللّهمّ نعم!

قال: أتعلمون أنّ النبيّ (ص) نهى أن يقرن بين الحجّ والعمرة؟ قالوا: اللّهمّ لا.

قال: واللّه إنّها لمعهنّ.

قال ابن القيم بعد إيراد الحديث: ((ونحن نشهد باللّه أنّ هذا وهم من معاوية أو كذب عليه، فلم ينه رسول اللّه عن ذلك قطّ))(78) هكذا قال ابن القيم لحسن ظنّه بمعاوية، والطريف في الامر أنّ معاوية يروي رواية أُخرى عن رسول اللّه يناقض فيها نفسه. وروايته هذه حسب ما رواها كلّ من البخاري ومسلم في صحيحيهما، وأحمد في مسنده، واللفظ للاوّل، عن ابن عبّاس قال: قال لي معاوية: أعلمت أنّي قصّرت من رأس رسول اللّه عند المروة بمشقص؟ فقلت له: لا أعلم هذا إلاّ حجّة عليك.

وفي لفظ المنتقى ((في أيّام العشر بمشقص)).

قال ابن القيم: وهذا ممّا أنكره الناس على معاوية وغلّطوه فيه(79).

في الرواية الاُولى يحلف أصحاب النبيّ أنّ النبيّ لم ينه عن قران العمرة بالحجّ ضمن ما نهى عنه، ويحلف معاوية أنّه معهنّ، وتدلّنا رواية معاوية هذه على أنّ الرواية الاُخرى الّتي رويت موافقة لرأي معاوية أيضا وضعت في عصر معاوية كما سندرسها في آخر هذا الباب إن شاء اللّه تعالى، أمّا الرواية الثانية الّتي ناقض فيها روايته

الاُولى فإنّ معاوية أراد أن يتبجّح فيها بأنّه كان مقرّبا من رسول اللّه وفي خدمته، وفاته أنّها تناقض فتواه وروايته الاُولى، وقد لاقى معاوية في سبيل إحياء سنّة عمر مخالفة شديدة من سعد بن أبي وقّاص؛ فقد روى مسلم في صحيحه عن غنيم بن قيس، قال ((سألت سعد بن أبي وقّاص عن المتعة فقال: فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش))(80).

قال الراوي: يعني بيوت مكّة.

وفي رواية أُخرى: يعني معاوية.

قال المؤلِّف: جعلوا لفظ العرش بضمّتين ليكون جمع العُرش بضمّ العين ويكون بمعنى بيوت مكّة ولعلّ سعدا تلفظه بفتح العين وسكون الراء وقصد أنّه كان يومذاك كافرا بربّ العرش.

هكذا عارض سعد معاوية في أكثر من مكان ولم يكن سائر الصحابة بمكانة سعد ابن أبي وقّاص فاتح العراق والفرد الباقي من الستّة أهل الشورى الّذين رشّحهم عمر ابن الخطّاب (رض) للخلافة ليستطيعوا مجاهرة عصبة الخلافة بالمخالفة يومذاك، بل كان فيهم مثل الصحابي عمران بن حصين الّذي كتم أنفاسه طيلة حياته حتّى إذا وجد نفسه على فراش الموت جاهر برأيه كما رواه مسلم وغيره واللفظ لمسلم عن مطرّف قال: بعث إليّ عمران بن حصين في مرضه الّذي توفي فيه، فقال: إنّي كنت محدّثك بأحاديث لعلّ اللّه أن ينفعك بها بعدي، فإن عشتُ فاكتم عنِّي وإن متّ فحدّث بها إن شئت، إنّه قد سُلّم عليَّ واعلم أنّ نبيّ اللّه (ص) قد جمع بين حجّ وعمرة ثمّ لم ينزل فيها كتاب ولم ينهنا عنهما رسول اللّه، قال فيها رجل برأيه ما شاء(81).

وفي رواية أُخرى: انّي لاُحدثّك بالحديث اليوم ينفعك اللّه به بعد اليوم: واعلم انّ رسول اللّه قد أعمر طائفة من أهله في العشر ـ أي عشر ذي الحجّة ـ فلم تنزل آية تنسخ ذلك ولم ينه عنه حتّى مضى لوجهه، ارتأى كلّ امرئ بعد ما شاء أن يرتئي.

وفي رواية: إرتأى رجل برأيه ـ يعني عمر ـ (82).

هكذا كان الامر على عهد معاوية، حتّى إذا مات وبويع ابنه يزيد بالخلافة انصرف في عامه الاوّل إلى قتال الحسين واستئصال أهل بيته، وبعد ذلك انصرف إلى قتال الصحابة والتابعين بمدينة الرسول حتّى فتحها وفعل فيها الافاعيل، ثمّ انصرف إلى حرب ابن الزُّبير بمكّة، ثمّ هلك وبويع عبداللّه بن الزُّبير فجاهد عبداللّه بن الزُّبير في

إحياء سنّة الخلفاء في شأن عمرة التمتّع كما يلي بيانه:

 


 

73  من أمثلة ذلك سياستهم في منع نشر حديث الرسول، فقد منعه أبو بكر وعمر وتابعهم على ذلك فقال على منبر الرسول ((لا يحل لاحد يروي حديثا لم يسمع في عهد أبي بكر ولا عمر)). منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 4 / 64، وقال معاوية ((عليكم من الحديث بما كان في عهد عمر))، رواه الذهبي بترجمة عمر من تذكرة الحفاظ، ومنتخب الكنز 4 / 61، وراجع فصل: (مع معاوية) من كتابنا:

(أحاديث أُمّ المؤمنين عائشة).

74  سنن النِّسائي، باب التمتّع.

75  سنن الدارمي 2 / 35. ومحمّد بن عبداللّه بن نوفل هو محمّد بن عبداللّه بن الحارث بن نوفل بن عبدالمطلّب، في تقريب التهذيب 2 / 175 مقبول من الثالثة.

76  موطأ مالك 1 / 344، باب ما جاء في التمتّع، الحديث 60، وسنن النِّسائي 2 / 15، باب التمتّع، والترمذي 4 / 38، باب ما جاء في التمتّع، والبيهقي 5 / 17، وتفسير القرطبي 2 / 388، وقال: هذا حديث صحيح، وزاد المعاد 2 / 218، وبدائع المنن، ح903، وابن كثير 5 / 127 و 135.

77  ترجمة الضحّاك بأُسد الغابة وفصل: (مع معاوية) من كتاب (أحاديث أُمّ المؤمنين عائشة) 1 / 243.

78  سنن البيهقي 5 / 20، باب كراهية من كره القران والتمتّع، وسنن أبي داود، باب في إفراد الحجّ، ص157، وزاد المعاد 1 / 229، ومجمع الزوائد 3 / 236 باختصار، وذكره ابن كثير في تاريخه 5 / 140 ـ 141 جملة من أحاديث الباب.

79  صحيح البخاري 1 / 207، باب الحلق والتقصير، وصحيح مسلم، باب التقصير في العمرة، ح209، وسنن أبي داود 2 / 159 ـ 160، ح 1802 ـ 1803 من كتاب المناسك، ومسند أحمد 4 / 96 ـ 98، والمنتقى 2 / 270، ح2579 و 2580، ومنحة المعبود، ح1503، والمشقص: نصل عريض يرمى به الوحش.

80  صحيح مسلم، باب جواز التمتّع، ح164، ص898، وشرح الحديث عند النووي 7 / 304، والمنتقى ح2386، وتاريخ ابن كثير 5 / 127 و 135.

81  صحيح مسلم، باب جواز التمتّع، الحديث 166 و 168 و 169، ص899، وشرح النووي 305 ـ 306، وعمران بن حصين في أُسد الغابة بعثه عمر قاضيا على البصرة وكان مجاب الدعوة وكانت الملائكة تسلم عليه في مرض وفاته. توفي بالبصرة سنة اثنتين وخمسين أي في خلافة معاوية. ترجمته بأُسد الغابة 4 / 137.

82  صحيح مسلم، كتاب الحجّ، باب جواز التمتّع، الحديث 165 و 166، وقد اخترنا لفظ مسلم، ومسند أحمد 4 / 434، وسنن الدارمي 2 / 35، والبخاري، كتاب الحجّ، باب التمتّع 1 / 190، ويختلف لفظه مع ما سبق، وسنن ابن ماجة، الحديث 2978، باب التمتّع بالعمرة إلى الحجّ، ومسند أحمد 4 / 429 و 436،  438 و 439، وسنن البيهقي 4 / 344، و  5 / 14، والمنتقى، الحديث 2380 و 2381، وزاد المعاد 1 / 217 و 220، وتاريخ ابن كثير 5 / 126، وفي ص137 منه أحاديث الباب.