على عهد عثمان
تابع عثمان عمر في ما استنّ من الفصل بين الحجّ والعمرة ولا غرو في ذلك فإنّ كليهما
من مهاجرة قريش، ولا فارق بينهما وبين عهديهما في ما يعود إلى هذا الحكم عدا ما كان
من مجاهرة الامام عليّ على مخالفة عثمان فيه وأمره من معه أن يجاهروا بمخالفته، في
حين أنّ أحدا لم يستطع أن يجاهر الخليفة عمر في ذلك: بعد قوله: ((متعتان كانتا على
عهد رسول اللّه (ص) أنا أنهى عنهما واُعاقب عليهما متعة الحجّ...))
(60) وبعد ضربه
الناس على ذلك، وفي ما يلي الروايات الّتي ذكرت كيفيّة معارضة الامام للخليفة:
في
مسند أحمد عن عبداللّه بن الزُّبير، قال: واللّه أنا لمع عثمان بن عفّان بالجحفة
ومعه رهط من أهل الشام فيهم حبيب بن مسلمة الفهري إذ قال عثمان، وذكر له التمتّع
بالعمرة إلى الحجّ: إنّ أتمّ للحجّ والعمرة أن لايكونا في أشهر الحجّ فلو أخّرتم
هذه العمرة حتّى تزوروا هذا البيت زورتين كان أفضل، فإنّ اللّه تعالى قد وسّع
الخير، وعليّ بن أبي طالب في بطن الوادي يعلف بعيرا له، قال: فبلغه الّذي قال عثمان
فأقبل حتّى وقف على عثمان فقال: أعمدت إلى سنّة سنّها رسول اللّه (ص) ورخصة رخّص
اللّه تعالى بها للعباد في كتابه تضيّق عليهم فيها وتنهى عنها وقد كانت لذي الحاجة
ولنائي الدار؟! ثمّ أهلّ بحجّة وعمرة معا. فأقبل عثمان على الناس فقال: وهل نهيت
عنها؟ إنّي لم أنه عنها، إنّما كان رأيا أشرت به فمن شاء أخذ به ومن شاء تركه(61).
وفي موطّأ مالك، عن جعفر بن محمّد عن أبيه أنّ المقداد بن الاسود دخل على عليّ ابن
أبي طالب بالسقيا وهو ينجع بكرات له دقيقاً وخبطاً فقال: هذا عثمان بن عفّان ينهى
عن أن يقرن بين الحجّ والعمرة. فخرج عليّ بن أبي طالب وعلى يديه أثر الدقيق والخبط
فما أنسى أثر الدقيق والخبط على ذراعيه حتّى دخل على عثمان بن عفّان فقال: أنت تنهى
عن أن يقرن بين الحجّ والعمرة. فخرج عليّ بن أبي طالب وعلى يديه أثر الدقيق وال
والخبط فما أنسى أثر الدقيق والخبط على ذراعيه حتّى دخل على عثمان بن عفّان فقال:
أنت تنهى عن أن يقرن بين الحجّ والعمرة؟ فقال عثمان ذلك رأيي
فخرج عليّ مغضباً وهو يقول: لبّيك اللّهمّ لبّيك بحجّة وعمرة معا(62).
وفي سنن النِّسائي ومستدرك الصحيحين ومسند أحمد، واللفظ للاوّل، عن سعيد ابن
المسيّب، قال: حجّ عليّ وعثمان فلمّا كنّا ببعض الطريق نهى عثمان عن التمتّع فقال
عليّ إذا رأيتموه ارتحل فارتحلوا، فلبّى عليّ وأصحابه بالعمرة فلم ينههم عثمان،
فقال عليّ: ألم أُخبر أنّك تنهى عن التمتّع؟ قال: بلى، قال له عليّ: فلم تسمع رسول
اللّه(ص) تمتّع؟ قال: بلى!(63).
قال الامام السندي بهامشه: قوله: ((إذا رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا)) أي ارتحلوا معه
ملبّين بالعمرة ليعلم أنّكم قدّمتم السنّة على قوله وإنّه لا طاعة له في مقابلة
السنّة(64).
وأخرجه أحمد بلفظ آخر هذا نصّه: حجّ عثمان حتّى إذا كان في بعض الطريق أُخبر عليّ
أنّ عثمان نهى أصحابه عن التمتّع بالعمرة والحجّ، فقال عليّ لاصحابه إذا راح
فروحوا، فأهلّ عليّ وأصحابه بعمرة، فلم يكلّمهم عثمان، فقال عليّ ألم اُخبر أنّك
نهيت عن التمتّع؟ ألم يتمتّع رسول اللّه (ص) ؟ قال: فما أدري ما أجابه عثمان(65).
في
الروايات الانفة نرى من الخليفة في شأن عمرة التمتّع لينا وتسامحا وفي غيرها أبدى
غلظة وشدّة في شأنها مثل الروايات التالية:
في
صحيح مسلم ومسند أحمد وسنن البيهقي وغيرها واللفظ للاوّل، عن شعبة عن قتادة عن
عبداللّه بن شقيق، قال: كان عثمان ينهى عن المتعة وكان عليّ يأمر بها، فقال عثمان
لعليّ كلمة، ثمّ قال عليّ: لقد علمت أنّا قد تمتّعنا مع رسول اللّه (ص) فقال: أجل،
ولكنّا كنّا خائفين!
وفي رواية بمسند أحمد: فقال عثمان لعليّ إنّك كذا وكذا.
وفي رواية أُخرى: فقال عثمان لعليّ قولاً.
وفي آخر الرواية: قال شعبة فقلت لقتادة: ما كان خوفهم؟ قال: لا أدري(66).
في
هذا الحديث كتموا قول عثمان لعليّ وأبدلوه مرّة بلفظ ((إنّك كذا وكذا)) ومرّة بلفظ
((قولاً))، أمّا قول عثمان: ((أجل ولكنّا كنّا خائفين)) فلم يدر قتادة ما خوفهم
ولست أدري ـ أيضا ـ ولا المنجّم يدري ما كان خوفهم وقد أمرهم رسول اللّه بأداء عمرة
التمتّع في حجّة الوداع وأدّوها حينذاك أي في آخر سنة من حياة الرسول وكان ذلك بعد
انتشار الاسلام في الجزيرة العربيّة وبعد انحسار الشرك منها إلى الابد.
قال ابن كثير: ولست أدري على مَ يحمل هذا الخوف، من أيّ جهة كان؟
وقال قبله: قد أطد اللّه له الاسلام، وفتح البلد الحرام، وقد نودي برحاب منى أيّام
الموسم في العام الماضي: أن لايحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوفنّ بالبيت عريان(67).
في
الحديث السابق احتجّ عثمان على صحّة فتواه بأنّهم أدّوا عمرة التمتّع لانّهم كانوا
خائفين، وفي الاحاديث الاتية: لم يحتجّ بشيء وأبدى عنفا أكثر.
في
صحيح مسلم والبخاري وسنن النِّسائي ومسند الطيالسي وأحمد وغيرها واللفظ للاوّل عن
سعيد بن المسيّب، قال: اجتمع عليّ وعثمان بعسفان وكان عثمان ينهى عن المتعة أو
العمرة، فقال عليّ: ما تريد إلى أمر فعله رسول اللّه تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعنا
منك! قال: لا أستطيع أن أدعك منّي. فلمّا رأى عليّ ذلك أهلّ بهما جميعا(68).
وفي صحيح البخاري وسنن النِّسائي والدارمي والبيهقي ومسند أحمد والطيالسي وغيرها،
واللفظ للاوّل، عن مروان بن الحكم، قال: شهدت عثمان وعليّا وعثمان ينهى عن المتعة
وأن يجمع بينهما فلمّا رأى عليّ أهلّ بهما: لبّيك بعمرة وحجّة معا، قال: ما كنت
لادع سنّة النبيّ (ص) لقول أحد.
ولفظ النِّسائي: إنّ عثمان نهى عن المتعة وأن يجمع بين الحجّ والعمرة معا فقال
عثمان: أتفعلها وأنا أنهى عنها؟ فقال عليّ: لم أكن لادع سنّة رسول اللّه لاحد من
الناس.
وفي أُخرى: لقولك(69).
* * *
قال ابن القيم بعد إيراد الاحاديث الانفة:
((فهذا يبيّن أنّ من جمع بينهما كان متمتّعا عندهم، وأن هذا هو الّذي فعله رسول
اللّه (ص) وقد وافقه عثمان على أن رسول اللّه (ص) فعل ذلك فإنّه لمّا قال له: ((ما
تريد إلى أمر فعله رسول اللّه (ص) تنهى عنه)) لم يقل له: لم يفعله رسول اللّه (ص)
ولولا أنّه وافقه على ذلك لانكره، ثمّ قصد عليّ موافقة النبيّ (ص) والاقتداء به في
ذلك وبيان أنّ فعله لم ينسخ وأهلّ لهما جميعا تقريرا للاقتداء به ومتابعته في
القران لسنّة نهى عنها عثمان متأوّلاً))
(70) انتهى.
* * *
من
مجموع الروايات الانفة علمنا أنّ الامام عليّا كان يتعمّد الاجهار بمخالفة الخليفة
في إجهاره بنيّة حجّ التمتّع، وأنّ الخليفة كان متسامحا فيه أحيانا ومتشدّدا أُخرى.
ونرى أنّ تسامحه كان في أوائل عهده وأنّ تشدّده كان بعد ذلك، وبلغ من تشدّده أنّه
ضرب وحلق من فعل ذلك. روى ابن حزم: أنّ عثمان سمع رجلاً يهلُّ بعمرة وحجٍّ، فقال:
علَيَّ بالمهلِّ، فضربه وحلقه
(71). ضربه الخليفة تعذيبا له وحلقه تشهيرا به ومثلة.
ومع كلّ ذلك التشديد فإنّ معارضة المسلمين بدئ على هدا العهد، وكان الامام عليّ هو
البادئ بها، فهو الّذي جاهر بخلافهم وأمر رفاقه بذلك، ثمّ انتشرت المعارضة بعد هذا
على عهد الخلفاء الاخرين، أمّا ما جرى على عهد الامام فهذا بيانه:
60 مضى في أوّل هذا البحث مصدره.
61 مسند أحمد 1 / 92، الحديث 707، وراجع ذخائر المواريث 416، والجحفة على ثلاث
مراحل من مكّة في طريق المدينة.
62 موطأ مالك، الحديث 40 من باب القران في الحجّ، ص336، وابن كثير 5 / 129،
و((السقايا)) قرية جامعة بطريق مكّة، و((ينجع)) يسقي، و((بكرات)) جمع بكرة ولد
الناقة أو الفتى منها، و((الخبط)) ورق ينفض بالمخابط ويخلط بدقيق وغيره ويوخف
بالماء ويسقى للابل.
63 سنن النِّسائي 2 / 15، كتاب الحجّ، باب التمتّع، ومسند أحمد 1 / 57، الحديث 402
بمسند عثمان، ومستدرك الصحيحين 1 / 472، وتاريخ ابن كثير 5 / 126 و 129.
64 الامام السندي هو أبو الحسن محمّد بن عبدالهادي الحنفي نزيل المدينة المنوّرة
(ت: 1138ه ).
65 مسند أحمد 1 / 60، الحديث 424.
66 صحيح مسلم، الحديث 158، ص896، باب جواز التمتّع من كتاب الحجّ، ومسند أحمد 1 /
97، الحديث 756، والرواية الثانية في ص60، الحديث 431 ونظيره الحديث 432 بعده، وسنن
البيهقي 5 / 22، والمنتقى، الحديث 2382، وراجع كنز العمال ط. الاُولى 3 / 33، وشرح
معاني الاخبار، كتاب مناسك الحجّ، ص 380 و 381، وفي تاريخ ابن كثير 5 / 127 بإيجاز،
وقال في ص129 منه بعد ذِكر الحديث: فهذا اعتراف من عثمان (رض) بما رواه علي. ومعلوم
أنّ عليّا (رض) أحرم في حجّة الوداع بإهلال
النبيّ.
67 تاريخ ابن كثير 5 / 137.
68 صحيح مسلم، ص897، الحديث 159، باب جواز التمتّع، وصحيح البخاري 1 / 190، باب
التمتّع والاقران، ومسند الطيالسي 1 / 16، ومسند أحمد 1 / 136، الحديث 1146، وسنن
البيهقي 5 / 22، ومنحة المعبود 1 / 210، باب ما جاء في القران، الحديث 1005، وراجع
شرح معاني الاثار، ص371 وزاد المعاد 1 / 218، فصل في جمعه بين الحجّ والعمرة، و
ص220 منه بحث في أنّه (ص) كان قارنا لا مفردا، وتاريخ ابن كثير 5 / 129. وعسفان
منزل بين الجحفة ومكّة. معجم البلدان.
69 صحيح البخاري 1 / 190، وسنن النِّسائي 2 / 15، باب القران، وسنن الدارمي، باب
القران 2 / 69، وسنن البيهقي 4 / 352، و 5 / 22، ومسند الطيالسي 1 / 16، الحديث 95،
ومسند أحمد 1 / 95، الحديث 733، و 1 / 136، الحديث 139، وزاد المعاد 1 / 217، وراجع
الطحاوي في شرح معاني الاثار، ص376 كتاب مناسك الحجّ، وكنز العمال 3 / 31، ومنحة
المعبود، ح1004، وتاريخ ابن كثير 5/ 126 و 129.
70 زاد المعاد 1 / 218.
71 المحلّى لابن حزم 7 / 107.