على عهد الخليفة عمر

كان أوّل من أفرد الحجّ بعد الرسول الخليفة القرشي أبو بكر وكذلك كان أوّل من نهى المسلمين عن عمرة التمتّع بعد الرسول، الخليفة القرشيّ عمر، كما دلّت عليه الروايات الاتية:

في صحيح مسلم ومسند الطيالسي وسنن البيهقي وغيرها، واللفظ للاوّل، عن جابر، قال: تمتّعنا مع رسول اللّه (ص) فلمّا قام عمر قال: إنّ اللّه كان يحلّ لرسوله ما يشاء بما شاء، وإنّ القرآن قد نزل منازله فأتمّوا الحجّ والعمرة للّه كما أمركم اللّه وابتوا نكاح هذه النِّساء فلن أُوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته بالحجارة.

وبعده في صحيح مسلم: فافصلوا حجّكم عن عمرتكم فإنّه أتمُّ لحجّكم وأتمُّ لعُمرتكم(48).

وأورد البيهقي الرواية في سننه بتفصيل أوفى، قال جابر: تمتّعنا مع رسول اللّه(ص) ومع أبي بكر 2 فلمّا ولي عمر خطب الناس فقال: ((إنّ رسول اللّه(ص) هذا الرسول، وإنّ القرآن هذا القرآن، وإنّهما كانتا متعتان على عهد رسول اللّه وأنا أنهى عنهما واُعاقب عليهما: إحداهما متعة النِّساء، ولا أقدر على رجل تزوّج امرأة إلى أجل إلاّ غيبته بالحجارة، والاُخرى متعة الحجّ. إفصلوا حجّكم عن عمرتكم فإنّه أتمُّ لحجّكم وأتمُّ لعمرتكم))(49).

يشير الخليفة في الحديث الاوّل إلى أنّ اللّه أحل لرسوله التمتّع بالعمرة إلى الحجّ لانّه كان يحلّ لرسوله ما شاء بما شاء وليس من تمام العمرة أن يجمع بينهما فافصلوا حجّكم عن عمرتكم فإنّه أتمّ لحجّكم وأتمّ لعُمرتكم.

ويعين الحديث الاتي الحادثة الّتي نهى عمر بعدها عن الجمع بين الحجّ والعمرة:

عن الاسود بن يزيد قال: بينما أنا واقف مع عمر بن الخطّاب بعرفة عشيّة عرفة فإذا هو برجل مرجّل شعره يفوح منه ريح الطيب. فقال له عمر: أمحرم أنت؟ قال: نعم. فقال عمر: ما هيئتك بهيئة محرم، إنّما المحرم الاشعث الاغبر الاذفر، قال: إنّي قدمت متمتعا وكان معي أهلي وإنّما أحرمت اليوم، فقال عمر عند ذلك: لاتتمتعوا في هذه الايّام، فإنّي لو رخّصت في المتعة لهم لعرّسوا بهنّ في الاراك، ثمّ راحوا بهن حجّابا(50).

ترجيل الشعر تسريحه وتنظيفه وتحسينه، والاذفر هنا: الرائحة الكريهة.

قال ابن القيم بعد إيراد الرواية: وهذا يبيّن أنّ هذا من عمر رأي رآه، قال ابن حزم: وكان ماذا وحبذا ذلك، وقد طاف النبيّ (ص) على نسائه ثمّ أصبح محرما، ولا خلاف في أنّ الوطء مباح قبل الاحرام بطرفة عين.

وتحدّث أبو موسى الاشعري عمّا جرى له مع الخليفة في شأن متعة الحجّ وقال كما رواه مسلم والبخاري في صحيحيهما وغيرهما واللفظ لمسلم:

كان رسول اللّه (ص) بعثني إلى اليمن فوافقته في العام الّذي حجّ فيه فقال لي رسول اللّه (ص) : ((يا أبا موسى! كيف قلت حين أحرمت؟)) قال: قلت: لبّيك إهلالاً كإهلال النبيّ (ص) فقال: ((هل سقت هديا؟)) فقلت: لا، قال: ((فانطلق فطف بالبيت وبين الصفا والمروة ثمّ أحلّ...)).

وتمام الحديث في رواية قبلها: فطفت بالبيت وبالصفا وبالمروة ثمّ أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي.

وفي رواية: ثمّ أهللت بالحجّ.

وزاد عليه أحمد بمسنده، يوم التروية، قال: فكنت اُفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر وإمارة عمر، فإنّي لقائم بالموسم إذ جاءني رجل فقال: إنّك لاتدري ما أحدث أميرالمؤمنين في شأن النسك.

ولفظ البيهقي: ((فينا أنا عند الحجر الاسود والمقام أُفتي الناس بالّذي أمرني به رسول اللّه (ص) إذ جاءني رجل فسارّني فقال: لاتعجل بفتياك فإنّ أميرالمؤمنين أحدث في المناسك))(51).

فقلت: أيُّها الناس! من كنّا أفتيناه بشي‌ء فليتّئد، فهذا أميرالمؤمنين قادم عليكم فبه فأتمّوا، قال: فلمّا قدم قلت: يا أميرالمؤمنين! ما هذا الّذي أحدثت بشأن النسك؟

ولفظ البيهقي: ((أحدث في النسك شي‌ء؟ فغضب عمر أميرالمؤمنين من ذلك ثمّ قال... إن نأخذ بكتاب اللّه فإن كتاب اللّه يأمر بالتمام))(52).

وفي رواية: فإنّ اللّه عزّ وجلّ قال: (وَأَتِّمُوا الْحَجَّ وَالعُمْرَةَ للّهِ ِ) ومن السنّة بعمل النبيّ في حجّة الوداع حيث لم يحلّ حتّى نحر الهدي.

في حين أنّ المراد بإتمام الحجّ والعمرة في الاية أداء مناسكهما وإتمام سننهما بحدودهما في مقابل المصدود والخائف الّذي لايستطيع أداءها. وقد نصّت الاية بعد هذه الجملة على تشريع عمرة التمتّع بقوله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) ونصّ النبيّ على أنّه لم يحلّ لانّه ساق الهدي وقال: ((ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة)) وقال: ((دخلت العمرة في الحجّ إلى الابد))، وحاشا أبا حفص ألاّ يدرك كل ذلك وخاصّة بعدما روى عنه ابن عباس كما في سنن النِّسائي وقال: سمعت عمر يقول: واللّه إنّي لانهاكم عن المتعة وإنّها لفي كتاب اللّه ولقد فعلتها مع رسول اللّه (ص) يعني العمرة في الحجّ(53).

إذا فاستشهاده بالكتاب والسنّة غير وجيه، وإن دافعه إلى ما فعل هو ما أفصح عنه في حديث آخر له رواه أبو نعيم في حلية الاولياء والمتقي في كنز العمّال واللفظ‍ للاوّل قال: إنّ عمر بن الخطّاب نهى عن المتعة في أشهر الحجّ وقال: فعلتها مع رسول اللّه (ص) وأنا أنهى عنها وذلك أنّ أحدكم يأتي من أُفق من الافاق شعثا نصبا معتمرا أشهر الحجّ وإنّما شعثه ونصبه وتلبيته في عمرته ثمّ يقدم فيطوف بالبيت ويحلّ ويلبس ويتطيّب ويقع على أهله إن كانوا معه، حتّى إذا كان يوم التروية أهلّ بالحجّ وخرج إلى منى يلبّي بحجّة لا شعث فيها ولا نصب ولا تلبية إلاّ يوما والحجّ أفضل من العمرة، لو خلّينا بينهم وبين هذا لعانقوهنّ تحت الاراك، وإنّ أهل البيت ليس لهم ضرع ولا زرع وإنّما ربيعهم في من يطرأ عليهم(54).

وفي رواية أُخرى، قال عمر: قد علمت أنّ النبيّ فعله وأصحابه ولكن كرهت أن يظلّوا معرّسين بهنّ في الاراك ثمّ يروحون في الحجّ تقطر رؤوسهم(55).

في هذين الحديثين صرّح الخليفة بأنّ دافعه إلى ما فعل أمران:

أوّلاً: احترام الحجّ، ويحتجّ هنا لما يرى بعين الاحتجاج الّذي احتجّت به الصحابة عندما أبت على رسول اللّه التمتّع بالعمرة إلى الحجّ في حجّة الوداع، ومن هنا نرى أنّ قائل القول في المقامين أيضا واحد، وهم مهاجرة قريش الّذين رأوا في عمرة التمتّع مخالفة لما دأبوا عليه من سنن الحجّ والعمرة في الجاهليّة.

والدافع الثاني له إلى منع الجمع بين الحجّ والعمرة في سفرة واحدة ما صرّح به في أحد الحديثين من ((أنّ أهل البيت ليس لهم ضرع ولا زرع وإنّما ربيعهم في من يطرأ عليهم)).

إذا فالخليفة يأمر بالفصل بين الحجّ والعمرة، وأن تجعل العمرة في غير أشهر الحجّ؛ ليأتي المسلمون إلى مكّة مرّتين، مرّة للحجّ وأُخرى للعمرة ففيه ربيع ذوي اُرومته من قريش سكان الحرم.

ويقصد هذا ـ أيضا ـ في جوابه لعليّ بن أبي طالب كما في سنن البيهقي قال:

قال عليّ بن أبي طالب لعمر (رض): أنهيت عن المتعة؟! قال: لا، ولكنّي أردت كثرة زيارة البيت، قال: فقال عليّ (رض) : من أفرد الحجّ فحسن ومن تمتّع فقد أخذ بكتاب اللّه وسنّة نبيّه (ص) (56).

*             *              *

 كان ما تقدّم كلّ ما انتهى إلينا من أخبار نهي عمر (رض) عن عمرة التمتّع على قلّة ما لدينا من مصادر البحث، وما ذكرناه على قلّته ألقى بعض الضوء على اجتهاد عمر في هذا الحكم ودافعه إلى ما تأوّل، وقد أدركنا من مجموع ما تقدّم أن نهي عمر كان شديدا عن متعة الحجّ، وكان يضرب الناس عليها (57)، قال ابن كثير: وقد كان الصحابة (رضي اللّه عنهم) يهابونه كثيرا فلا يتجاسرون على مخالفته(58)، ولم نجد من يعارضه على عهده أو يتكلّم ببنت شفة في خلافه عدا ما كان من قول عليّ له (ومن تمتّع فقد أخذ بكتاب اللّه وسنّة نبيّه)(59).

وأصبح إفراد الحجّ بعد ذلك سنّة عمريّة استنّ الخلفاء القرشيون به، كما نرى ذلك في سيرة عثمان وغيره في ما يأتي:

 


 

48  صحيح مسلم، ص885، باب في المتعة بالحجّ والعمرة، الحديث 145، ومسند الطيالسي، ص247 الحديث 1729، وسنن البيهقي 5 / 21.

49  سنن البيهقي 7 / 206، باب نكاح المتعة وفي لفظه: ((إنّ القرآن هذا القرآن)) تحريف.

50  زاد المعاد 1 / 258 ـ 259، فصل: في ما جاء في المتعة من الخلاف.

والاسود بن يزيد بن قيس النخعي: أبو عمرو أو أبو عبدالرّحمن، مخضرم، ثقة، مكثر، فقيه، من الطبقة الثانية. أخرج حديثه جميع أصحاب الصحاح، مات سنة أربع أو خمس وسبعين. تقريب التهذيب 1 / 77.

51  سنن البيهقي 5 / 20.

52  سنن البيهقي 4 / 338، باب: الرجل يحرم بالحجّ تطوّعا، و 5 / 20 منحة المعبود، ح1502.

53  النِّسائي، كتاب الحجّ، باب التمتّع 2 / 16، وط. بيروت دار إحياء التراث العربي 5 / 135، وتاريخ ابن كثير 5 / 122 ولفظه ((وقد فعله النبيّ))، قال ابن كثير: إسناده جيّد ولم يخرجوه.

54  كنز العمال 5 / 86، وحلية الاولياء 5 / 205.

55  صحيح مسلم، الحديث 157، ص896، ومسند الطيالسي، الحديث 516، ج2 / 70، ومسند أحمد 1/ 49 و 50، وسنن النِّسائي، كتاب الحجّ، باب التمتّع 1 / 16، وسنن البيهقي 5 / 20، وابن ماجة، الحديث 2979، ص692، وكنز العمال 5 / 86.

56  سنن البيهقي 5 / 21.

57  نقل ذلك النووي في شرح صحيح مسلم 1 / 170 عن القاضي عياض.

58  تاريخ ابن كثير 5 / 141.

59  مضى آنفا مصدره.