عائشة فاتتها العمرة قبل الحجّ فأمرها النبيّ أن تعتمر بعده

في صحيح مسلم عن عائشة، قالت: خرجنا مع النبيّ ولا نرى إلاّ الحجّ حتّى إذا كنّا بسَرَف أو قريبا منه حضت، فدخل عليّ النبيّ وأنا أبكي فقال: ((أنفست؟)) (يعني الحيضة، قالت) قلت: نعم. قال ((انّ هذا شي‌ء كتبه اللّه على بنات آدم فاقضي ما يقضي الحاجّ غير أن لاتطوفي بالبيت حتّى تغتسلي))(39).

وفي رواية قبلها: فلمّا قضينا الحجّ أرسلني رسول اللّه مع عبدالرّحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت فقال ((هذه مكان عمرتك))(40).

وفي رواية أُخرى بصحيح مسلم وسنن أبي داود، أتم ممّا مضى: قالت: خرجنا مع رسول اللّه في حجّة الوداع فأهللنا بعمرة، ثمّ قال رسول اللّه (ص) ((من كان معه هدي فليهلّ بالحجّ مع العمرة، ثمّ لايحلّ حتّى يحلّ منهما جميعا)) فقدمت مكّة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول اللّه(ص) فقال ((أنقضي رأسك وامتشطي وأهلّي بالحجّ ودعي العمرة)) قالت: ففعلت، فلمّا قضينا الحجّ أرسلني رسول اللّه (ص) مع عبدالرّحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت، فقال: ((هذه مكان عمرتك)) قالت: فطاف الّذين أهلّوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثمّ حلّوا، ثمّ طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجّهم... الحديث(41).

وفي رواية أُخرى قالت: فأردفني خلفه على جمل له فجعلت أرفع خماري أحسره عن عنقي فيضرب رجلي بعلّة الراحلة، قلت: وهل ترى من أحد. قالت: فأهللت بعمرة. ثمّ أقبلنا حتّى انتهينا إلى رسول اللّه وهو بالحصبة(42).

وفي صحيح البخاري عن عائشة أنّها قالت: يا رسول اللّه! اعتمرتم‌ولم أعتمر. فقال: ياعبدالرّحمن! إذهب بأُختك فأعمرها من التنعيم. فأحقبها على ناقة فاعتمرت(43).

وفي سنن أبي داود والبيهقي واللفظ للاوّل عن ابن عباس، قال: ما أعمر رسول اللّه (ص) عائشة ليلة الحصبة إلاّ قطعا لامر أهل الشرك فإنّهم كانوا يقولون: إذا برأ الدّبر وعفا الاثر ودخل صفر فقد حلّت العمرة لمن اعتمر.

ولفظ البيهقي: قال: ما أعمر رسول اللّه (ص) عائشة في ذي الحجّة إلاّ ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، فإنّ هذا الحيّ من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون: إذا عفا الاثر وبرأ الدبر ودخل صفر حلّت العمرة لمن اعتمر وكانوا يحرّمون العمرة حتّى ينسلخ ذوالحجّة ومحرّم.

وفي لفظ الطّحاوي: واللّه ما أعمر رسول اللّه (ص) عائشة في ذي الحجّة إلاّ ليقطع بذلك أمر الجاهليّة(44).

وقع كلّ ما ذكرنا من أمر التمتّع بالعمرة إلى الحجّ في حجّة الوداع وفي آخر سنة من حياة النبيّ، ويبدو أنّ الممتنعين من التمتّع بالعمرة إلى الحجّ الّذين تعاظم عليهم ذلك كانوا من مهاجرة قريش من أصحاب النبيّ، ويدلّ على ذلك:

أوّلاً: ما رواه ابن عباس في حديثه ((أن هذا الحيّ من قريش ومن دان دينهم كانوا يحرّمون العمرة حتّى ينسلخ ذو الحجّة ومحرّم))(45).

ثانيا: إنّ الّذين منعوه بعد رسول اللّه ـ أيضا ـ هم ولاة المسلمين من قريش كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه.

وكانوا يقصدون من وراء ذلك احترام الحجّ على حدّ زعمهم وأن يأتي الناس إلى مكّة مرّتين: مرّة للحجّ ومرّة للعمرة لما فيه ربيع قريش من سكّان مكّة كما يفهم هذا من حديث للخليفة عمر حين نهى عن التمتّع بالعمرة(46).

 


 

39  ((سرف))، بين مكّة والمدينة وعلى أميال من مكّة، والحديث 119 بباب ((بيان وجوه الاحرام)) من صحيح مسلم، ص873، وفي سنن أبي داود 2 / 154 مع اختلاف يسير، وكذلك في ابن ماجة، الحديث 2963.

40  ((التنعيم)) موضع على ثلاثة أميال أو أربعة من مكّة. أقرب أطراف الحل إلى البيت. سمِّي بالتنعيم لان على يمينه جبل نعيم، وعلى يساره جبل ناعم.

والحديث في باب ((بيان وجوه الاحرام)) من صحيح مسلم، ص870، الحديث 111، وذكر أحاديث الباب ابن كثير في تاريخه 5 / 138 ـ 139.

41  سنن أبي داود 2 / 153، باب في إفراد الحجّ، الحديث 1781، ومنحة المعبود، الحديث 990، صحيح مسلم، باب بيان وجوه الاحرام، الحديث 111، ص870.

42  الحديث 134 من باب ((بيان وجوه الاحرام)) بصحيح مسلم، ص880، الخمار: ثوب تغطِّي به المرأة رأسها، و((أحسره)) أي أكشفه واُزيله، و((يضرب رجلي بعلة الراحلة)) أي يضرب رجلها بعود بيده حين تكشف خمارها غيرة عليها، و((الحصبة)) المحصب وهو موضع رمي الجمار بمنى.

43  صحيح البخاري 2 / 184.

44  سنن أبي داود، باب العمرة 2 / 204، ومسند أحمد 1 / 161، الحديث 2361، والسنن الكبرى للبيهقي 4 / 345، باب العمرة في أشهر الحجّ، وراجع مشكل الاثار للطحاوي 3 / 155 و 156.

45  راجع قبله حديث البيهقي في فصل عائشة فاتتها العمرة.

46  راجع في ما يأتي رواية كنز العمال وحلية الاولياء في باب: على عهد عمر.