كيف تلقى الصحابة حكم التمتّع بالعمرة

ذكرنا في ما سبق كيف تدرّج النبيّ (ص) في تبليغهم تشريع التمتّع بالعمرة إلى الحجّ، وفي ما يلي نذكر كيف تلقّته الصحابة يومذاك:

في صحيح مسلم عن ابن عباس قال: قدم النبيّ (ص) وأصحابه لاربع خلون من العشر ـ أي من العشرة الاُولى من ذي الحجّة ـ وهم يلبّون بالحجّ فأمرهم أن يجعلوها عمرة.

وفي رواية أُخرى بعده: أن يحوّلوا إحرامهم بعمرة إلاّ من كان معه الهدي(27).

وفي ثالثة: قدم النبيّ وأصحابه صبيحة رابعة مهلّين بالحجّ فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول اللّه! أيّ الحلّ؟! قال: ((الحلّ كلّه))(28).

وفي رابعة: قال رسول اللّه (ص) : ((هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن عنده الهدي فليحلّ الحلّ كلّه فإنّ العمرة قد دخلت في الحجّ إلى يوم القيامة))(29).

وفي رواية أُخرى بصحيحي البخاري ومسلم عن جابر: أنّه حجّ مع رسول اللّه عام ساق معه الهدي وقد أهلّوا بالحجّ مفرداً، فقال رسول اللّه (ص) : ((أحلّوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة وقصّروا وأقيموا حلالاً حتّى إذا كان يوم التروية فأهلّوا بالحجّ واجعلوا الّتي قدمتم متعة)) ـ أي عمرة التمتّع ـ قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سَمّينا الحجّ؟! قال ((افعلوا ما آمركم به فإنّي لولا أنّي سقت الهدي لفعلت مثل الّذي أمرتكم به ولكن لايحلّ منّي حرام حتّى يبلغ الهدي محلّه))(30).

وفي رواية ثانية لجابر بصحيح البخاري وسنن أبي داود ومسند أحمد وغيرها واللفظ للاوّل، قال: فقالوا: ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر؟.. الحديث(31).

وفي ثالثة بصحيحي البخاري ومسلم وسنن ابن ماجة وأبي داود ومسند أحمد واللفظ للاوّل: عن عطاء، قال: سمعت جابر بن عبداللّه في أُناس معه، قال: أهللنا أصحاب رسول اللّه (ص) في الحجّ خالصا ليس معه عمرة، قال: فقدم النبيّ(ص) صبح رابعة مضت من ذي الحجّة فلمّا قدمنا أمرنا النبيّ أن نحلّ وقال: أحلّوا وأصيبوا من النِّساء، قال: ولم يعزم عليهم ولكن أحلّهنّ لهم فبلغه أنّا نقول: لمّا لم يكن بيننا وبين عرفة إلاّ خمس أمرنا أن نحلّ إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا! قال: فقام رسول اللّه (ص) فقال ((قد علمتم أنّي أتقاكم للّه وأصدقكم وأبرّكم، ولولا هديي لحللت كما تحلّون فحلّوا فلو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت...)) الحديث(32).

وفي رابعة بصحيح البخاري: قال: قدم رسول اللّه (ص) صبيحة رابعة من ذي الحجّة مهلّين بالحجّ لايخلطهم شي‌ء، فلمّا قدمنا أمرنا فجعلناها عمرة وأن نحلّ إلى نسائنا، ففشت في ذلك القالة.

إلى قوله: فبلغ ذلك النبيّ (ص) فقام خطيبا، فقال: ((بلغني أنّ أقواما يقولون: كذا وكذا واللّه لانّا أبرّ واتقى للّه منهم...)) الحديث(33).

وفي رواية الصحابي البراء بن عازب بسنن ابن ماجة ومسند أحمد ومجمع الزوائد ـواللفظ للاوّل‌ـ قال: خرج رسول اللّه (ص) وأصحابه فأحرمنا بالحجّ فلمّا قدمنا مكّة، قال: ((اجعلوا حجّكم عمرة)) فقال الناس: يا رسول اللّه! قد أحرمنا بالحجّ فكيف نجعلها عمرة؟! قال: ((انظروا ما آمركم به فافعلوا)) فردّوا عليه القول، فغضب فانطلق ثمّ دخل على عائشة غضبان فرأت الغضب في وجهه فقالت: من أغضبك أغضب اللّه، قال: ((ما لي لا أغضب وأنا آمر أمرا فلا أُتّبع))(34).

وقد حدّثت عائشة عن هذا ـ كما في صحيح مسلم وغيره واللفظ لمسلم عن عائشة ـ وقالت: قدم رسول اللّه لاربع مضين من ذي الحجّة أو خمس فدخل عليّ وهو غضبان، فقلت: من اغضبك يا رسول اللّه أدخله اللّه النار قال: ((أوَ ما شعرت انّي أمرت الناس بأمر فإذا هم يتردّدون))(35).

وفي رواية ابن عمر ذكر ما قالوه، قال: قالوا: يا رسول اللّه! أيروح إلى منى وذكره يقطر منيّا؟! قال: ((نعم)). وسطعت المجامر(36).

سطعت المجامر أي سطعت رائحة المسك من المجامر، وفي الجملة كناية عن مباشرة الرجال للنِّساء بعد تهيئهنّ لذلك.

وفي رواية جابر بصحيح مسلم قال: أهللنا مع رسول اللّه بالحجّ فلمّا قدمنا مكّة أمرنا أن نحلّ ونجعلها عمرة فكبر ذلك علينا وضاقت به صدورنا فبلغ ذلك النبيّ فما ندري أشي‌ء بلغه من السماء أم شي‌ء من قبل الناس، فقال: ((أيُّها الناس! أحلّوا فلولا الهدي الّذي معي فعلت كما فعلتم)) قال: فأحللنا حتّى وطئنا النِّساء وفعلنا ما يفعل الحلاّل، حتّى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكّة بظهر أهللنا بالحجّ(37).

وفي رواية أُخرى قال: قلنا: أيُّ الحلّ؟ قال: ((الحلّ كلّه))، قال: فأتينا النِّساء ومسسنا الطيب، فلمّا كان يوم التروية أهللنا بالحجّ(38).

*             *              *

 هكذا قبلوا أن يجمعوا بين الحجّ والعمرة في أشهر الحجّ ويتمتّعوا بالحلّ بينهما بكلّ صعوبة لانّه كان يخالف ما دأبوا عليه في العصر الجاهلي، وبما أنّ أُمّ المؤمنين عائشة حرمت من العمرة قبل الحجّ لمّا حاضت، فقد دعا النبيّ أن تعتمر بعد الحجّ. كما صرّحت به الروايات الاتية: 


 

27  صحيح مسلم، الحديث 201 ـ 203 من باب جواز العمرة في أشهر الحجّ، ص911، وفي سنن أبي داود 2 / 156، الحديث 1791 عن ابن عباس: أنّ النبيّ قال: ((إذا أهلّ الرجل بالحجّ ثمّ قدم مكّة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حلّ، وهي عمرة))...

28  صحيح مسلم، الحديث 198، ص909، باب جواز العمرة، وصحيح البخاري 1 / 191، وهذه الروايات الثلاث في زاد المعاد لابن القيم 1 / 246.

29  صحيح مسلم، ص911، باب جواز العمرة في أشهر الحجّ، الحديث 201 ـ 203، وسنن أبي داود 2 / 156، والبيهقي 5 / 18، والحديث 2423 من المنتقى، والمصنف لابن أبي شيبة 4 / 202.

30  صحيح البخاري 1 / 190، باب التمتّع والاقران والافراد بالحجّ...، وصحيح مسلم، ص 884 ـ 885 باب بيان وجوه الاحرام... الحديث 143، وزاد المعاد 1 / 248، فصل في إهلاله بالحجّ.

31  صحيح البخاري 1 / 213، و 4 / 166 كتاب التمنّي، باب لو استقبلت من أمري ما استدبرت، وسنن أبي داود 2 / 156، باب إفراد الحجّ، الحديث 1789 باختلاف يسير، ومسند أحمد 3 / 305، وسنن البيهقي 5 / 3، باب من اختار الإفراد...، و 4 / 338 منه، وزاد المعاد 1 / 246، فصل في إحلال من لم يكن ساق الهدي.

32  فتح الباري 17 / 108 ـ 109، باب نهي النبيّ على التحريم من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، وصحيح مسلم، ص883، باب وجوه الاحرام، الحديث 141، وسنن أبي داود، باب إفراد الحجّ، وابن ماجة، باب التمتّع بالعمرة، والبيهقي 4 / 338، و 5 / 19، وزاد المعاد 3 / 246، ومسند أحمد 3 / 356.

33  البخاري 2 / 52 كتاب الشركة، باب الاشتراك في الهدي، وسنن ابن ماجة 1 / 992، الحديث 298.

34  سنن ابن ماجة، ص993، باب فسخ الحجّ، ومسند أحمد 4 / 286، ومجمع الزوائد، باب فسخ الحجّ إلى العمرة، وزاد المعاد 1 / 247، والمنتقى، باب ما جاء في فسخ الحجّ إلى العمرة، الحديث 2428.

35  صحيح مسلم، ص879، باب بيان وجوه الاحرام، وأنّه يجوز إفراد الحجّ... الحديث 130، وزاد المعاد 1 / 247، وسنن البيهقي 5 / 19، باب من اختار التمتّع بالعمرة إلى الحجّ، ومنحة المعبود، ح1051.

36  صحيح مسلم، ص884، باب بيان وجوه الاحرام، الحديث 142، وقريب منه لفظ زاد المعاد 1 / 248 فصل في إهلاله (ص) بالحجّ، وسنن البيهقي 4 / 356، و 5 / 4، والمنتقى، الحديث 2426، ومجمع الزوائد 3 / 233.

37  صحيح مسلم، ص882، الحديث 138، والمنتقى، الحديث 2400 و 2415، باب إدخال الحجّ على العمرة.

38  زاد المعاد 1 / 246.