متعة الحجّ في السنّة

بما أنّ العمرة في أشهر الحجّ كانت لدى قريش في الجاهليّة من أفجر الفجور فقد تدرّج الرسول في تبليغ حكم عمرة التمتع كما يظهر من الروايات التالية:

في صحيح البخاري وسنن أبي داود وابن ماجة والبيهقي، واللفظ للاوّل، في كتاب الحجّ باب قول النبيّ ((العقيق واد مبارك)) عن عمر بن الخطّاب، قال: سمعت رسول اللّه بوادي العقيق يقول: ((أتاني آت من ربّي فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجّه)).

وفي رواية أُخرى: ((وقل عمرة وحجّه)).

وفي لفظ سنن البيهقي: ((أتاني جبرئيل (ع) )) وفي آخر الرواية: ((فقد دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة)).

العقيق، في معجم البلدان: العقيق الّذي جاء فيه إنّك بواد مبارك هو الّذي ببطن وادي ذي الحليفة. وهو الّذي جاء فيه أنّه مهلّ أهل العراق من ذات عرق.

وقال ابن حجر في شرح الحديث بفتح الباري: بينه وبين المدينة أربعة أميال(14).

أخبر رسول اللّه (ص) عمر بنزول الوحي عليه بأن يجمع بين العمرة والحجّ، وفي تبليغه خاصّة حكمة نعرفها ممّا جرى على عهده في شأن العمرة.

في وادي عقيق أخبر عمر بنزول الوحي عليه؛ وفي منزل عسفان أخبر سراقة بذلك في جواب سؤاله كما رواه أبو داود قال:

حتّى إذا كان ـ رسول اللّه (ص) ـ بعسفان قال له سراقة بن مالك المدلجي: يا رسول اللّه! اقض لنا قضاء قوم كأنّما ولدوا اليوم، فقال: ((إنّ اللّه تعالى قد أدخل عليكم في حجّكم هذا عمرة، فإذا قدمتم فمن تطوّف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حلّ إلاّ من كان معه هدي))(15).

عسفان بين الجحفة ومكّة، والجحفة تبعد عن مكّة أربع مراحل.

وفي سرف الّتي تبعد ستّة أميال أو أكثر من مكّة بلّغ عامّة أصحابه أنّ من أحبّ أن يجعلها عمرة فليفعل، كما روته عائشة قالت: خرجنا مع رسول اللّه في أشهر الحجّ وليالي الحجّ وحُرُم الحجّ فنزلنا بسرف، قالت: فخرج إلى أصحابه فقال: ((من لم يكن معه هدي فأحبّ أن يجعلها عمرة فليفعل ومن كان معه الهدي فلا)) قالت: فالاخذ بها والتارك لها من أصحابه(16).

يظهر ممّا سبق أنّ التاركين لها كانوا من مهاجرة قريش الّذين كانوا يرون في الجاهليّة أنّ العمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور.

وكرّر التبليغ بذلك بعد نزولهم بطحاء مكّة حسب ما رواه ابن عباس قال:

قدم لاربع مضين من ذي الحجّة فصلّى بنا الصُّبح بالبطحاء ثمّ قال: ((من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها))(17).

هكذا تدرّج الرسول في تبليغ هذا الحكم حتّى إذا ما أتمّوا الطواف والسعي، نزل عليه القضاء في ذلك فأمرهم جميعا بذلك، كما رواه البيهقي قال: ... نزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة فأمر أصحابه من كان منهم أهلّ بالحجّ ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة وقال: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولكنّي لبّدت رأسي وسقت هديي فليس لي محلّ إلاّ محلّ هديي)) فقام إليه سراقة بن مالك 2 فقال: يا رسول اللّه! اقض لنا قضاء قوم كأنّما ولدوا اليوم أعمرتنا هذه لعامنا أم للابد! فقال رسول اللّه (ص) : بل للابد دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة...(18).

*             *              *

 في الاحاديث السابقة قال رسول اللّه (ص) لعمر: أمرني ربّي أن أقول ((عمرة في حجّة)) أو ((عمرة وحجّة)) أي أن أنوي في سفري هذا الجمع بين الحجّ والعمرة.

وقال في جواب سراقة بعسفان: إنّ اللّه قد أدخل في حجّكم هذا عمرة، خصّ التبليغ في حجّهم ذاك.

ثمّ بلّغ عامّة الحاجّ معه بسرف بلفظ من أحبّ أن يجعلها عمرة وفي بطحاء مكّة بلفظ من شاء أن يجعلها، حتّى إذا حان وقت الاداء والاحلال من العمرة بلّغهم كافّة أنّ العمرة دخلت في الحجّ للابد.

وقول سراقة في الحرّتين (قضاء قوم كأنّما ولدوا اليوم) يقصد بغضّ النظر عمّا كانت عليه قريش في الجاهليّة. وهاهنا تواترت الروايات بما فعله الرسول وكيف بلّغ حكم التمتّع بالعمرة إلى الحجّ كما يأتي:

قال أنس كما في مسند أحمد والمنتقى: خرجنا نصرخ بالحجّ فلمّا قدمنا مكّة أمرنا رسول اللّه أن نجعلها عمرة وقال ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة ولكنّي سقت الهدي وقرنت بين الحجّ والعمرة))(19).

وقال أبو سعيد الخدري كما في صحيح مسلم ومسند أحمد: خرجنا مع رسول اللّه نصرخ بالحجّ صراخا فلمّا قدمنا مكّة أمرنا أن نجعلها عمرة إلاّ من ساق الهدي فلمّا كان يوم التروية ورحنا إلى منى أهللنا بالحجّ(20).

وفي زاد المعاد لابن القيم قال: وفي الصحيحين عن عائشة: (خرجنا مع رسول اللّه لانذكر إلاّ الحجّ). فذكرت الحديث وفيه (فلمّا قدمنا مكّة قال النبيّ (ص) لاصحابه اجعلوها عمرة فأحلّ الناس إلاّ من كان معه الهدي...) (21).

قال: وفي لفظ البخاري: خرجنا مع رسول اللّه (ص) ولا نرى إلاّ الحجّ فلمّا قدمنا تطوّفنا بالبيت فأمر النبيّ (ص) من لم يكن ساق الهدي أن يحلّ فحلّ من لم يكن ساق الهدي ونساؤه لم يسقن فاحللن (22).

قال وفي صحيح مسلم عن ابن عمر عن حفصة زوج النبيّ قال: حدّثتني انّ النبيّ أمر أزواجه أن يحللن عام حجّة الوداع فقلت ما منعك أن تحلّ؟ فقال: ((إنّي لبّدت رأسي وقلّدت بدني فلا أحِلُّ حتّى أنحر الهدي)) (23).

قال وفي صحيح البخاري عن ابن عباس  : أهلّ المهاجرون والانصار وأزواج النبيّ في حجّة الوداع وأهللنا فلمّا قدمنا مكّة أمرنا أن نجعلها عمرة قال رسول اللّه (ص) ((اجعلوا إهلالكم بالحجّ عمرة إلاّ من قلّد الهدي...)) الحديث (24).

وأتمّ ما ورد في هذا الباب رواية جابر بن عبداللّه الانصاري في كيفيّة حجّة النبيّ والّتي أخرجها أصحاب الصحاح ونحن نورد ملخّصها هاهنا عن صحيح مسلم:

روى مسلم في صحيحه في باب حجّة النبيّ عن جابر أنّه قال ما ملخّصه: انّ رسول اللّه (ص) مكث تسع سنين لم يحجّ، ثمّ أذّن في العاشرة أنّ رسول اللّه حاجّ فقدم المدينة بشر كثير كلّهم يلتمس أن يأتمّ برسول اللّه ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتّى أتينا ذاالحليفة فصلّى رسول اللّه في المسجد ثمّ ركب القصواء ـ ناقته ـ حتّى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت مدّ بصري بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك ورسول اللّه بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شي‌ء عملنا به، فأهلّ بالتوحيد...

إلى قوله: لسنا ننوي إلاّ الحجّ لسنا نعرف العمرة، حتّى إذا أتينا البيت معه استلم الركن...

وهكذا وصف جابر ما عمل به رسول اللّه إلى قوله: حتّى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال ((لو أنّي استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلّ وليجعلها عمرة)).

قال جابر: فقام سراقة بن مالك بن جُعشُم فقال: يا رسول اللّه! ألعامنا هذا أم للابد؟ فشبّك رسول اللّه (ص) أصابعه واحدة في الاُخرى وقال: ((دخلت العمرة في الحجّ)) مرّتين. ((لا، بل لابدٍ أبد))(25).

وفي البخاري: قال سراقة: ألنا هذا خاصّة؟ قال: ((لا بل للابد))(26)


 

14  صحيح البخاري 1 / 186، والرواية الثانية في باب ما ذكر النبيّ وحضّ على اتفاق أهل العلم من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة 4 / 177، وسنن أبي داود، المناسك 2 / 159، وابن ماجة، الحديث 2976 ص991، باب التمتّع بالعمرة إلى الحجّ، وسنن البيهقي 5 / 13 ـ 14، وفتح الباري 4 / 135، وتاريخ ابن كثير 5 / 117 و 128 و 136.

15  سنن أبي داود 1 / 159، باب في الاقران، الحديث 1801 من المناسك، والمنتقى لابن تيمية، باب ما جاء في نسخ الحجّ إلى العمرة، الحديث 2427.

وسراقة بن مالك بن جُعْشُم أبو سفيان الكناني المدلجي. كان يسكن قديدا بالقرب من مكّة، وهو الّذي تبع الرسول حين هاجر إلى المدينة ليرده إلى قريش فيأخذ الجعالة مائة ناقة فساخت قوائم فرسه، أسلم عام الفتح، مات سنة أربع وعشرين، روى عنه غير مسلم من أصحاب الصحاح تسعة عشر حديثا. تقريب التهذيب 1 / 284، وجوامع السيرة ص283، وسيرة ابن هشام 2 / 103 و250 و 309.

16  صحيح البخاري 1 / 189، باب قوله تعالى: الحجّ أشهر ملعومات، وصحيح مسلم، ص875، الحديث 121 و 123 بإيجاز، وكذلك بسنن البيهقي 4 / 356، باب المفرد أو القارن يريد العمرة...، ومصنف ابن أبي شيبة 4 / 102.

17  سنن البيهقي 5 / 4.

18  سنن البيهقي 5 / 6، وتلبيد الشعر أن يجعل فيه شيئا من صمغ عند الاحرام لئلاّ يشعث ويقمل إبقاء على الشعر، وإنّما يلبد من يطول مكثه في الاحرام، نهاية اللّغة.

19  المنتقى، الحديث 2393، نقله عن مسند أحمد 3 / 266.

20  صحيح مسلم، الحديث 211، وفي 212 عنه، وعن جابر ص914، ومسند أحمد 3 / 3 و 5 و 71 و75 و 148 و 266، والمنتقى، الحديث 2418 واللفظ للاوّل.

21  هذا الحديث وثلاثة بعده أخرجها ابن القيّم في زاد المعاد بفصل (في إحلال من لم يكن ساق الهدي) 1 / 246 ـ 247، ونحن نبيّن مواضعها.

الحديث (أ) بصحيح مسلم، الحديث 120، ص 873 و 874، وابن ماجة، الحديث 2981.

22  صحيح البخاري، كتاب الحجّ، باب التمتّع والاقران والافراد بالحجّ، الحديث الاوّل 1 / 189، وصحيح مسلم، الحديث 128، ص877، وسنن أبي داود 2 / 154، باب في إفراد الحجّ، الحديث 1783 وليس في لفظه: ونساؤه...

23  صحيح مسلم، الحديث 177 ـ 179، ص902، وسنن أبي داود 2 / 161، الحديث 1806.

24  صحيح البخاري 1 / 191، كتاب الحجّ، باب 36.

25  صحيح مسلم، باب حجّة النبيّ، الحديث 147، ص 886 ـ 888، وسنن أبي داود، المناسك 2 / 182، وسنن ابن ماجة، المناسك ص1022، وسنن الدارمي، المناسك، باب في سنّة الحاج 2 / 44، ومسند أحمد 3 / 32، وسنن البيهقي 5 / 7، باب ما يدلّ على أنّ النبيّ (ص) أحرم إحراما واحدا، ومنحة المعبود الحديث 991، وفي المحلّى: لابد أبد قيل: بإضافة الاوّل للثاني أي لاخر الدهر، 7 / 100.

26  صحيح البخاري، كتاب التمنِّي، باب قول النبيّ لو استقبلت من أمري ما استدبرت 4 / 166.