بعد ابن عبدالعزيز

إجتهد يزيد بن عبدالملك فقبض فدكاً من بني فاطمة، فلمّا ولي السفاح ردّها إلى بني فاطمة، ثمّ اجتهد المنصور وقبضها منهم، وردّها المهديّ إلى ولد فاطمة، واجتهد موسى بن المهدي وقبضها منهم وردّها المأمون إليهم، وبقيت في أيديهم حتّى ولي المتوكّل فاجتهد وقبضها منهم وأقطعها عبداللّه البازيار (106) فقطع إحدى عشرة نخلة كان الرسول قد غرسها، وكان هذا آخر ما بلغنا من أخبار اجتهاد الخلفاء في الخمس وفي تركة الرسول، ويأتي بعد ذلك آراء العلماء في موارد اجتهاد الخلفاء.

 آراء العلماء في مصرف الخمس

تضاربت آراء العلماء في مصرف الخمس بعد الرسول (ص) تبعاً لتضارب أفعال الخلفاء، فقال قوم: إنّ سهم رسول اللّه (ص) للامام أي الخليفة، وإنّ سهم ذي القربى لقرابة الامام، وقال قوم: بل يجعلان في السلاح والعدّة، وقال آخرون: إنّ تعيين مصرف الخمس منوط باجتهاد الخلفاء.

وقال بعضهم في منع عمر أهل البيت خمسهم: ((إنّه من باب الاجتهاد)) ((وإنّ عمر لم يخرج بما حكم عن طريقة الاجتهاد ومن قدح في ذلك فانّما يقدح في الاجتهاد الّذي هو طريق الصحابة)) و((إنّها مسألة اجتهادية))، وقالوا في جواب من انتقده وقال ((إنّه أعطى أزواج النبيّ وأفرض، ومنع فاطمة وأهل البيت من خمسهم... ولم يكن ذلك في زمن النبيّ)) قالوا في جوابه: ((إنّه من مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية))(107).

ولا يعزب عن بالنا انّ كلّ هذا الكلام يجري في مورد خمس غنائم الفتوح، وأنّ كلّ هؤلاء القائلين بهذه الاقوال يقولون: إنّ الاية الكريمة (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَي‌ْء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى...) إنّما تخصّ خمس غنائم الفتوح.

إذا فإنّ هؤلاء يقولون ـ مع تعيين اللّه سبحانه مصرف خمس غنائم الفتوح في هذه الاية ـ ((فإنّ تعيين مصرف الخمس منوط باجتهاد الخلفاء)).

وقد عيّن الخلفاء مصرف الخمس كما يلي:

اجتهد أبو بكر وعمر فمنعا فاطمة ابنة رسول اللّه وسائر ذوي قربى الرسول وأقربائه من بني هاشم وبني المطلب من سهامهم في الخمس، وزاد عثمان في هذه المسألة اجتهادا فدفع الخمس وتركة الرسول إلى أقاربه ووصل بذلك رحمهم، وزاد معاوية في هذه المسألة اجتهادا فضمّ إلى ذلك كلّ صفراء وبيضاء وروائع غنائم الفتوح وأدخل كلهنّ خزائنه الخاصّة، واجتهد الخلفاء الامويّون والعباسيّون من بعد أُولئك فأدخلوا الخمس خزائنهم الخاصّة وأنفقوا من كلّ ذلك على الشعراء الخلعاء والجواري المغنّيات.

واجتهد العلماء وعدّوا كل ما فعله الخلفاء حكماً من أحكام الشرع الاسلامي وأنّ على المسلمين أن يدينوا به وأنّ من خالف ذلك فقد خالف السنّة والجماعة.

إذا فإنّ قولهم ((اجتهد الخليفة في المسألة)) يعني: إنّ الخليفة ارتأى ذلك، وأنّ ((المسألة اجتهاديّة)) يعني: إنّ رأي الخليفة فيها هو الحكم الاسلامي، وعلى هذا فإنّهم يقولون: قال اللّه وقال رسوله واجتهدت الخلفاء، وإنّ اجتهاد الخلفاء مصدر للتشريع الاسلامي في عداد كتاب اللّه وسنّة رسوله، وإنّا للّه وإنّا إليه راجعون!!

*             *              *

 أوردنا بشي‌ء من التفصيل آراء مدرسة الخلفاء في الخمس وأعمالهم فيه واستدلالهم على ما ارتأوا، وأشرنا إلى قول أئمّة أهل البيت في الخمس وأنّه يقسّم لديهم على ستّة أسهم ثلاثة منها للّه ولرسوله ولذوي قرباه للعنوان، يقبض الرسول هذه الاسهم في حياته ويعود أمرها من بعده إلى الائمّة الاثني عشر من أهل بيته،

والاسهم الثلاثة الاُخرى منه لفقراء بني هاشم وأيتامهم وأبناء سبيلهم مع وصف الفقر(108).

وقالوا أيضا: إنّ الخمس يجب إخراجه من كلّ مال فاز به المسلم من جهة العدى وغيرهم(109) واستدلّوا في كلتا المسألتين بعموم آية الخمس مع ما لديهم من سنّة الرسول، قال فقهاء مدرستهم في مقام الاستدلال بالاية على المسألة الثانية:

إنّ الاية وإن كانت قد نزلت في غنائم غزوة بدر، ولكن ليس للمورد أن يخصّص(110)، والتخصيص من غير دليل باطل (111)، وبيان الايراد على الاستدلال وجوابه كما يلي(112):

إنّ المورد على الاستدلال بالاية قال: إنّ الاية نزلت في غنائم غزوة بدر فلا تشمل ما عدا غنائم الحرب.

وأُجيب عنه: بأنّ نزول الاية في غزوة بدر لايخصّص الحكم العام الوارد في الاية ـوهو وجوب أداء الخمس من المغنم‌ـ ويجعل الحكم خاصّا بغنائم الحرب. ومثاله من غير هذا المورد؛ حكم جلد الشهود على الزِّنا إن لم يبلغ عددهم الاربعة والوارد في قصّة الافك، فإنّ المورد وهو قصّة الافك لايخصّص الحكم العام الّذي ورد في الايات وهو جلد الشهود إن لم يبلغوا أربعة بتلك الواقعة، وكذلك شأن حكم الظهار الوارد في سورة المجادلة فإنّه ما خصّ المرأة الّتي جادلت وزوجها يومذاك وإن نزلت  الاية في شأنهما، وهكذا الامر في ما عداهما.

وقالوا في الجواب أيضا: أنّ تخصيص الاية وتقييدها ـ بغنائم دار الحرب ـ أولى بطلب الدليل عليه(113) وانّ على من يخصّص الاية بها إقامة الدليل(114).

وممّا يؤيّد هذه الاجوبة ما ذكره القرطبي من مدرسة الخلفاء بتفسير الاية قال: والاتّفاق ـ أي اتّفاق علماء مدرسة الخلفاء ـ حاصل على أنّ المراد بقوله تعالى (مَا غَنِمْتُم مِن شَي‌ْء) مال الكفّار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر، ولا تقتضي اللّغة هذا التخصيص على ما بيّناه (115).

إذا فتخصيص الغنائم بغنائم دار الحرب خلاف المتبادر من اللفظ عند أهل اللّغة، وقول علماء مدرسة الخلفاء بالتخصيص يخالف المعنى المتبادر من اللفظ عند إطلاقه.

واُجيب على الايراد أيضا: بأنّ الاية وإن كانت نازلة في مورد خاص ـهو غزوة بدرـ ولكن من المعلوم عدم اختصاصها بذلك المورد الخاصّ حتّى انّ من ذهب من العامّة إلى عدم وجوب الخمس في مطلق الغنائم لم يخصِّصه بخصوص مورد الاية بل عمّمه إلى مطلق الغنائم المأخوذة في الحروب. انّا لو بنينا على الجمود في استفادة الحكم من الاية بحيث لم نتعدّ موردها بوجه لوجب القول بعدم وجوب الخمس إلاّعلى من شهد غزوة بدر في ما اغتنم من المشركين في تلك الغزوة، ولم يقل بهذا أحد، فلابدّ من التعدّي من مورد الاية لا محالة، فنحن نتعدّى منه إلى مطلق ما يصدق عليه الغنيمة سواء كان مكتسباً من الحرب أو التجارة أو الصناعة أو غير ذلك(116).

وبالاضافة إلى استدلالهم بآية الخمس يستدلّون بما جاء عن أئمّة أهل البيت في هذا الحكم كما يفعلون في سائر الاحكام فانّ الرسول قد أمر بالتمسّك بهم في حديث الثقلين وغيره، سواء أسند الائمّة حديثهم إلى جدّهم الرسول مثل الحديث الّذي رواه الصدوق في الخصال عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه عن عليّ بن أبي طالب عن النبيّ (ص) قال في وصيّته له: يا عليّ! إنّ عبدالمطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن أجراها اللّه له في الاسلام، حرّم نساء الاباء على الابناء فأنزل اللّه عزّ وجلّ (وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاء)(117) ووجد كنزا فأخرج منه الخمس وتصدّق به فأنزل اللّه عزّ وجلّ (وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا غَنِمْتُم مِن شَي‌ْء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ...) ولمّا حفر زمزم... الحديث(118).

وهذا الحديث يعني أنّ الاية تشمل غير غنائم الحرب، وقد سبق ذكر سنّة الرسول في ذلك أيضا.

هذه خلاصة أدلّة أتباع مدرسة أئمّة أهل البيت في هذا المقام.

 


 

106  كلمة فارسية: أي صاحب البازي ومربيه، ويبدو أنّه كان يلي طيور صيد المتوكل.

107  أي أن مخالفة عمر لرسول اللّه هي من باب مخالفة مجتهد لمجتهد آخر.

108  مضى بيانه في باب مواضع الخمس لدى مدرسة أهل البيت.

109  جاء ذلك بباب الخمس في الموسوعات الحديثية والكتب الفقهية لدى مدرسة أهل البيت.

110  راجع كتاب الخمس بمستند النراقي وغيره.

111  المنتهى، للعلاّمة الحلي (ت: 729ه‍‍ ) 1 / 729.

112  توخينا الشرح والتبسيط في هذا الكتاب وتجنبنا المصطلحات العلميّة مهما أمكن ليعم نفعه إن شاء اللّه تعالى.

113  مسالك الافهام 2 / 80.

114  الخلاف للشيخ الطوسي 2 / 110، و 1 / 358، وقريب منه لفظ مصباح الفقيه، ص19 من كتاب الخمس.

115  تفسير القرطبي 8 / 1.

116  تقريرات الحاج السيِّد حسين البروجردي زبدة المقال ص5.

117  النِّسأ / 22.

118  الخصال ط. وتحقيق الغفاري ص312.