الصدقة بعد الرسول (ص)

تابع أئمّة أهل البيت الرسول (ص) في تحريمهم الصدقة على ذوي قربى الرسول(ص)؛ فقد قال الامام جعفر الصادق في جواب من قال له: إذا منعتم الخمس هل تحلّ لكم الصدقة؟: ((لا، واللّه ما يحلّ لنا ما حرّم علينا بغصب الظالمين حقّنا، وليس منعهم إيّانا ما أحلّ اللّه لنا بمحلّ لنا ما حرّم اللّه علينا)).

أمّا الخلفاء فقد استولوا على تركة الرسول وهي:

أ ـ الحوائط السبعة (وصية مخيريق).

ب ـ أرضه من أموال بني النضير.

ج، د، ه‍‍ ـ الحصون الثلاثة: في خيبر.

و ـ الثلث من أرض وادي القرى.

ز ـ مهزور (موضع سوق بالمدينة).

ح ـ فدك.

وكان الرسول قد وقف ستّة من الحوائط السبعة فهي صدقة الرسول، ووهب شيئا من أراضي بني النضير لابي بكر وعبدالرّحمن بن عوف وأبي دجانة، وأعطى أزواجه من حصون خيبر، وأعطى فدكاً لفاطمة، وأعطى حمزة بن النعمان العذري رمية سوط‍ من وادي القرى.

لمّا توفّي الرسول جاء أبو بكر وعمر إلى عليّ فقال له عمر: ما تقول في ما ترك رسول اللّه؟

قال علي: نحن أحقّ الناس برسول اللّه.

قال عمر: والّذي بخيبر؟

قال علي: والّذي بخيبر.

قال عمر: والّذي بفدك؟

قال علي: والّذي بفدك.

قال عمر: أما واللّه حتّى تحزّوا رقابنا بالمناشير فلا.

ودفع أبو بكر إلى عليّ آلة رسول اللّه ودابّته وحذاءه وقال: ما سوى ذلك صدقة، واستولى على كلّ ما تركه الرسول مرّة واحدة حتّى فدك ولم يتعرّض لشي‌ء ممّا وهبه النبيّ لسائر المسلمين، فخاصمتهم فاطمة في ثلاثة أُمور:

أ ـ في فدك منحة الرسول إيّاها: فطلب أبو بكر منها البيّنة فشهد لها رجل وامرأة فرفض شهادتهما لانّهما لم يكونا رجلين أو رجلاً وامرأتين.

ب ـ في إرثها من الرسول: بعد عشرة أيّام من وفاة رسول اللّه جاءت فاطمة إلى أبي بكر ومعها عليّ والعباس فقالت: ميراثي من رسول اللّه أبي، فقال أبو بكر: أمن الرثّة أو من العقد؟ قالت: فدك وخيبر وصدقته بالمدينة أرثها كما ترثك بناتك، فقال أبو بكر: أبوك واللّه خير منّي، وأنت واللّه خير من بناتي.

وفي رواية قالت: من يرثك إذا متّ؟

قال: ولدي وأهلي.

قالت: ما بالك ورثت رسول اللّه دوننا؟

قال: يا بنت رسول اللّه! ما فعلت، ما ورثت أباك أرضا ولا ذهبا ولا فضّة ولا غلاما ولا ولدا.

فقالت: سهمنا بخيبر وصافيتنا بفدك.

قال: سمعت رسول اللّه يقول: ((نحن معاشر الانبياء لانورث، ما تركنا فهو صدقة، إنّما يأكل آل محمّد من هذا المال ـ يعني مال اللّه ـ ليس لهم أن يزيدوا على المأكل)) ما كان النبيّ يعول فعلي. فقال عليّ (وَوَرِثَ سُلَيمَـانُ دَاود) وقال: (يَرِثُنِي وَيَرِث مِن آل يَعْقُوب)، قال أبو بكر: هو هكذا، وأنت واللّه تعلم مثل ما أعلم، فقال عليّ: هذا كتاب اللّه ينطق، فسكتوا وانصرفوا.

ج ـ في سهم ذي القربى: لمّا منع أبو بكر فاطمة وبني هاشم سهم ذوي القربى وجعله في السلاح والكراع أتته فاطمة وقالت:

لقد علمت الّذي ظلمتنا أهل البيت من الصدقات (أي أخذت أوقاف رسول اللّه) وما أفاء اللّه علينا من الغنائم في القرآن من سهم ذوي القربى ثمّ قرأت عليه:

(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَي‌ْء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى...) الاية.

وفي رواية قالت: عمدت إلى ما أنزل اللّه فينا من السماء فرفعته عنّا. فقال أبو بكر: بأبي أنت وأُمّي ووالد ولدك، السمع والطاعة لكتاب اللّه ولحق رسول اللّه وحق ابنته، وأنا أقرأ من كتاب اللّه الّذي تقرئين منه ولم يبلغ علمي منه أنّ هذا السهم من الخمس مسلّم إليكم كاملاً! قالت: أفلك هو ولاقربائك؟ قال: لا، واُنفق الباقي في مسالح المسلمين، قالت: ليس هذا حكم اللّه.

وفي رواية قال لها: حدّثني رسول اللّه ((انّ اللّه تعالى يطعم النبيّ الطعمة ما كان حيّا فاذا قبضه إليه رفعت)).

وفي رواية: سمعت رسول اللّه يقول ((سهم ذوي القربى لهم في حياتي وليس لهم بعد موتي)) فغضبت فاطمة وقالت: أنت وما سمعت من رسول اللّه أعلم، ما أنا بسائلتك بعد مجلسي. واللّه لا اُكلّمكما أبدا، فماتت وما تكلّمهما.

*             *              *

 لمّا أدلت فاطمة بكل ما لديها من دليل وشهود وأبى أبو بكر أن يردّ إليها شيئا ممّا أخذ، رأت أن تبسط الخصومة على ملا من المسلمين وتستنصر أصحاب أبيها وتشركهم في المسؤولية فذهبت إلى مسجد أبيها في لمّة من حفدتها ما تخرم مشيتها مشية الرسول حتّى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والانصار فنيطت دونها ملاءة فخطبت فيهم وقالت في خطبتها:

أيُّها الناس! أنا فاطمة وأبي محمّد (ص) أقولها عودا على بدء (لَقَدْ جَا‌كُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ...) الاية، ثمّ قالت في كلامها:

أفعلى عمد تركتم كتاب اللّه ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول اللّه (وَوَرِثَ سُلَيمَـانُ دَاود)، وقال تعالى في ما قصّ من خبر يحيى بن زكريا (رَبّ هَبْ لِي مِن لَدُنكَ وَلِيّا يَرثنِي وَيَرِث مِن آل يَعقُوب)، وقال عزّ ذكره (وَأُولو الاَرْحَام بَعْضهم أولى بِبَعض فِي كِتَاب اللّه)، وقال (يُوصِيكُم اللّه فِي أَولاَدِكُم لِلذكر مثل حَظّ الاُنثيين)، وقال (إِن تَرك خَيراً الوَصِيَّة لِلوَالِدَين وَالاْ َقْرَبِين بِالْمَعرُوف حَقّا عَلَى المُتَّقِينَ)، وزعمتم أن لا حقّ ولا إرث لي من أبي ولا رحم بيننا، أفخصّكم اللّه بآية أخرج نبيّه (ص) منها أم تقولون أهل ملّتين لايتوارثون؟ أوَلَست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة؟ لعلّكم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من النبيّ (ص) أفحكم الجاهلية تبغون؟...

ثمّ عادت فاطمة إلى بيتها وهجرت أبا بكر ولم تزل مهاجرته حتّى  توفّيت وعاشت بعد النبيّ ستّة أشهر فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر.

تأوّل الخليفة أبو بكر حديثاً رواه هو، فمنع ابنة الرسول من إرث أبيها، واجتهد فرفع الخمس عن ذوي قربى الرسول، وعلى ذلك انتهى عهده!