خلاصة البحث:
من
أجل فهم مغزى اجتهاد الخلفاء في الخمس وفي حقّ ابنة الرسول بعد ما لابسهما الغموض
خلال أحقاب طويلة؛ اضطررنا أوّلاً إلى درس المصطلحات الاسلامية: الزّكاة والصدقة
والفيء والصفيّ والانفال والغنيمة والخمس فوجدنا:
أ ـ
أنّ الزّكاة في الشرع الاسلامي بمعنى: عامّة حقّ اللّه في المال.
ب ـ
وأنّ الصدقة: اسم لما يجب إخراجه من النقدين والغلاّت والانعام إذا بلغ أحدها
النصاب، وما فرض دفعه يوم عيد الفطر. وممّا يدلّ على ما ذكرنا؛ أنّ الخمس والصدقة
والصفيّ ذكرت في كتاب رسول اللّه لبيان أنواع الزّكاة. إذا فالصدقة صنف من أصناف
الزّكاة وليست مرادفة لها، وبالاضافة إلى ذلك لنا أن نقول: كيف تكون الزّكاة بمعنى
الصدقة وقد وردت في الايات المكّية وقبل أن ينزل تشريع الصدقة في المدينة(85)؟ وعلى
ضوء ما ذكرنا تفسّر الزّكاة في الحديث الشريف ((إذا أدّيت زكاة مالك فقد قضيت حقّ
اللّه في المال)): بأنّه إذا أدّيت المفروض عليك في مالك فقد قضيت حقّ اللّه، وأمّا
الدفع المستحبّ من المال فهو نفل وليس بحقّ، وكذلك تفسّر في الحديث ((من استفاد
مالاً فلا زكاة حتّى يحول الحول)) بأنّه لا حقّ للّه في ماله حتّى يحول الحول.
وكذلك الشأن في نظائرهما.
الصدقة مشتركة في ما ذكرناه آنفا وفي ما يخرجه الانسان من ماله على وجه القربة
نفلاً كان أو فرضا، والفرق بينهما أنّ الحقّ المفروض في النقدين والغلاّت والانعام
إذا أخذها الحاكم قهرا يكون زكاة وصدقة واجبة وليس بالصدقة الّتي يخرجها الانسان
على وجه القربة.
ج ـ
وأنّ الفيء: ما حصل من أموال الكفّار من غير حرب. وأجمعوا على أنّ أموال بني
النضير كانت من الفيء، وأنّ النبي تصرّف فيها تصرّف الملاّك في أملاكهم.
د ـ
الانفال، جمع النفل: العطيّة والهبة، والنفل: الزيادة على الواجب، وأنفله: أعطاه
زيادة، واستعمل الانفال في القرآن الكريم في غزاة بدر حين سلب اللّه عن المسلمين
تملّك ما حازوه من المشركين بغير قتال وكلّ أرض انجلى عنها أهلها بغير حرب وعلى
قطائع الملوك والاجام والارضين الموات وما شابهها.
هـ ـ
وأنّ الغنيمة والمغنم: كانت العرب في الجاهلية والاسلام تقول: غنم الشيء غنما إذا
فاز به بلا مشقّة، والاغتنام: انتهاز المغنم، والمغنم ما يغنم، وتقول لما يحصل من
جهة العدى ـ وهو ما لايخلو من مشقّة ـ : سلبَهُ، إذا أخذ ما على المسلوب وما معه من
ثياب وسلاح ودابّة، وتقول: حربه، إذا أخذ كلّ ماله، وكانت النهيبة والنهبى عندهم
تساوق الغنيمة والمغنم في عصرنا. وأوّل ما استعمل مادّة ((غنم)) في كسب المال مطلقا
وبلا لحاظ ((الفوز بلا مشقّة)) كان في القرآن الكريم، وفي ما جمع من مال العدوّ
ببدر، وبعد أن سلب اللّه ملكية الافراد عنه وسمّاه الانفال وجعله للّه ولرسوله ثمّ
جعله مغنما للجماعة، وشرع اللّه في الاية دفع الخمس من مطلق المغانم للّه ولرسوله
ولذوي قرباه بعد أن كان في الجاهلية المرباع للرئيس خاصّة، وعمّم مورد الاخذ وجعله
من مطلق المغانم ونزّل الفرض من الربع إلى الخمس ووزّعه على ستّة سهام بدل أن يكون
سهما واحدا وخاصّا بالرئيس.
وممّا يدلُّ على أنّ الخمس فرض دفعه من مطلق المغانم ـ بالاضافة إلى ما ذكرناـ:
إجماع المسلمين على أنّ الرسول أخذ الخمس من المال المستخرج من الارض معدنا أو كنزا
وهو ليس ممّا حازه المسلمون من العدى في الحرب.
ويدلُّ على ذلك من السنّة ـ أيضا ـ أمر الرسول وفد عبدالقيس أن يدفعوا ((الخمس من
المغنم))، قال لهم ذلك عندما سألوه أن يعلّمهم أحكام الاسلام كي يعلموا قبيلتهم
فانّهم لايستطيعون الخروج من حيّهم في غير الاشهر الحرم خوفاً من مضر، ولا يتصور
لهذه القبيلة أن تكون غازية ليكون المراد من المغنم هنا غنائم الحرب، فلابدّ إذا أن
يكون المراد من المغنم مطلق المال المكتسب.
وكذلك الشأن في ما جاء في كتب الرسول لسائر القبائل العربية الّتي أسلمت، وكذلك في
عهوده لولاته، مثل ما جاء في كتاب عهده لولاته الّذين بعثهم إلى اليمن بعد إسلام
أهل اليمن ((أن يأخذ ـ الوالي ـ من المغانم خمس اللّه وما كتب على المؤمنين
الصدقة)).
وكذلك ما جاء في كتاب الرسول لقبيلة سعد ((أن يدفعوا الخمس والصدقة لرسوليه)) فإنّ
هذه القبيلة لم تكن قد خاضت حرباً ليطلب النبيّ منها أن تدفع إلى رسوليه خمس غنائم
حربهم، وإنّما طلب منهم دفع الصدقة من مواردها ودفع خمس أرباحهم.
وكذلك المراد من خمس المغنم في سائر كتبه إلى القبائل العربية المسلمة، خمس أرباح
مكاسبها.
ويؤكّد ما ذكرنا، انّ حكم الحرب في الاسلام يخالف ما كانت عليه العرب في الجاهلية
حيث كان لكلّ قبيلة الحقّ في الاغارة على غير حلفائها ونهب أموالهم كيفما اتّفق،
وعند ذاك يملك كلّ فرد ما نهب وسلب وحرب وما عليه شيء عدا دفع المرباع للرئيس، ليس
الامر هكذا في الاسلام لتصحّ مطالبة النبيّ القبائل بخمس غنائم
حروبهم بدل الربع بل إنّ الحاكم الاعلى في الاسلام هو الّذي يقرّر الحرب وفق قوانين
الاسلام، والمسلمون ينفّذون أوامره، ثمّ إنّ الحاكم هو الّذي يلي بعد الفتح قبض
الغنائم أو يلي ذلك نائبه، ولا يملك أحد من الغزاة غير سلب القتيل شيئا، بل يأتي
كلّ غاز بما
سلب حتّى الخيط والمخيط وإلاّ عدّ من الغلول الّذي هو عار وشنار على أهله ونار يوم
القيامة، ثمّ إنّ الحاكم هو الّذي يقبض الخمس من الغنائم ويقسّم الباقي على
المجموعة.
إذاً فالحاكم هو الّذي يعلن الحرب في الاسلام، وهو الّذي يقبض الغنائم ويأخذ خمسها
بنفسه، ثمّ يقسّم الباقي، وليس غيره الّذي يدفع الخمس إليه، وإذا كان الامر هكذا في
الاسلام وكان إخراج الخمس على عهد النبيّ من شؤون النبيّ في هذه الاُمّة فما معنى
طلب النبيّ الخمس من الناس وتأكيده ذلك في كتاب بعد كتاب إن لم يكن
الخمس في تلك الكتب مثل الصدقة ممّا يجب على المخاطبين دفعه من أموالهم، وليس خاصّا
بغنائم الحرب؟
وبناء على ما ذكرنا فقد كان النبيّ يطلب ممّن أسلم أن يؤدّي الخمس من كل ما غنم عدا
ما فرضت فيه الصدقة، وكان مدلول الغنائم والمغانم يومذاك مساوقا لمطلق ما ظفر به من
المال، ثمّ تطوّر مدلول هذه المادّة عند المسلمين من بعد انتشار الفتوح ومنع
الخلفاء الخمس من أهله ونسيان المسلمين هذا الحكم.
أمّا مواضع الخمس فقد نصّت آية الخمس على أنّ الخمس للّه ولرسوله ولذوي قربى الرسول
ويتاماهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم. فالخمس إذا يقسّم ستّة أسهم وما جاء في بعض
الروايات من أنّ سهم اللّه وسهم الرسول واحد إن كان المقصود إن سبيلهما واحد وإنّ
الرسول يتصرف فيهما فهو صواب، وإلاّ فهو مخالف لظاهر الاية. وتواترت الروايات عن
أئمّة أهل البيت بأن سهم ذي القربى لاهل البيت في عصر الرسول ومن بعده لهم ولسائر
الائمّة الاثني عشر من أهل البيت، وأنّ السهام الثلاثة للّه ولرسوله ولذي قرباه
للعنوان، وأنّ سهم اللّه لرسوله يضعه حيث يشاء، والسهمان بعد الرسول للامام القائم
مقامه. وعلى هذا فنصف الخمس في هذه العصور لامام العصر من حيث إمامته، والنصف الاخر
من الخمس لغير أهل بيت النبيّ من أيتام أقرباء النبيّ ومساكينهم وأبناء سبيلهم وهم
يستحقّونه بقرابتهم من النبيّ من جهة الاب وحاجتهم إليه في مؤونتهم وإن فضل عنهم
شيء فللوالي، وإن نقص فعلى الوالي أن يسدّ عوزهم، وما قبضه أحدهم من الخمس وتملكه
ينتقل بعد وفاته لورثته وأقرباء النبيّ من غير أهل البيت الّذين يستحقّون نصف الخمس
بالفقر، هم ذكور أولاد عبدالمطلب وذكور أولاد المطلب الّذين حرمت عليهم الصدقة، ولم
يرض الرسول أن يلي أحدهم على الصدقات ويصيب من سهم العاملين عليها حتّى مولاهم،
فإنّه منع مولاه من الاشتراك مع عامل الصدقة كي لايصيب منها (86)، وتابعه على ذلك
أهل بيته.
ومن هنا يتّضح خطأ من زعم أنّه بعث ابن عمّه الامام عليّا إلى اليمن لقبض الصدقة
مثل ابن هشام، بل بعثه لقبض الخمس كما صرّح به غيره.
قال ابن هشام في باب خروج الاُمراء والعمّال على الصدقات من سيرته: وكان رسول اللّه
(ص) قد بعث أُمراءه وعمّاله على الصدقات إلى قوله: وبعث عليّ بن أبي طالب إلى نجران
ليجمع صدقتهم ويقدم عليه بجزيتهم.
ثمّ قال في باب موافاة عليّ (رضوان اللّه عليه) رسول اللّه (ص) في الحجّ: لمّا أقبل
عليّ (رض) من اليمن ليلقى رسول اللّه (ص) بمكّة تعجّل إلى رسول اللّه (ص) واستخلف
على جنده الّذين معه رجلاً من أصحابه فعمد ذلك فكسا كلّ رجل من القوم حلّة من البزّ
الّذي كان مع عليّ (رض) فلمّا دنا جيشه خرج ليلقاهم فإذا عليهم الحلل، قال: ويلك ما
هذا؟ قال: كسوت القوم ليتجمّلوا به إذا قدموا في الناس، قال: ويلك انزع قبل أن
تنتهي به إلى رسول اللّه (ص) ، قال: فانتزع الحلل من الناس فردّها في البزّ. قال:
وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم.
قال: فاشتكى الناس عليّا (رض) ، فقام رسول اللّه فينا خطيبا فسمعته يقول: ((أيُّها
الناس! لاتشكوا عليّا، فواللّه إنّه لاخشن في ذات اللّه أو في سبيل اللّه من أن
يُشكى))(87).
وقال في فصل السرايا والبعوث:
وغزوة عليّ بن أبي طالب إلى اليمن، غزاها مرّتين قال: بعث رسول اللّه(ص) عليّ بن
أبي طالب إلى اليمن، وبعث خالد بن الوليد في جند آخر وقال: إن التقيتما فالامير
عليّ بن أبي طالب(88).
إذا فقد ذكروا ثلاث خرجات للامام إلى اليمن غازيا في اثنتين، وجابيا في واحدة وقد
غمّت على العلماء أخبار تلك الخرجات والتبست، ونحن نوجز أخبارها في ما يلي ليتبيّن
لنا الصواب في الامر:
في
صحيح البخاري عن البراء بن عازب، قال: بعثنا رسول اللّه (ص) مع خالد ابن الوليد إلى
اليمن، قال: ثمّ بعث عليّا بعد ذلك مكانه، فقال: ((مُر أصحاب خالد من شاء منهم أن
يعقب معك فليعقب)) الحديث(89).
وقد روى البيهقي تفصيل هذا الخبر عن البراء قال: إنّ رسول اللّه (ص) بعث خالد بن
الوليد إلى اليمن يدعوهم إلى الاسلام، قال البراء فكنت في من خرج مع خالد بن الوليد
فأقمنا ستّة أشهر يدعوهم إلى الاسلام فلم يجيبوه، ثمّ إنّ رسول اللّه(ص) بعث عليّ
بن أبي طالب وأمره أن يقفل خالدا إلاّ رجلاً كان مع خالد فأحبّ
أن
يعقب مع عليّ فليعقب معه. قال البراء فكنت في من عقب مع عليّ فلمّا دنونا من القوم
خرجوا إلينا ثمّ تقدّم فصلّى بنا عليّ ثمّ صفّنا صفّا واحدا ثمّ تقدّم بين أيدينا
وقرأ عليهم كتاب رسول اللّه (ص) فأسلمت همدان جميعا، فكتب عليّ إلى رسول اللّه
بإسلامهم، فلمّا قرأ رسول اللّه (ص) الكتاب خرّ ساجدا ثمّ رفع رأسه فقال: ((السلام
على همدان، السلام على همدان))(90).
وفي عيون الاثر وإمتاع الاسماع بعده واللفظ للامتاع، فقال: السلام على همدان وكرّر
ذلك ثلاثا، ثمّ تتابع أهل اليمن على الاسلام(91).
هذا خبر إحدى الغزوتين، أورده البخاري مقتضبا، وأورد غيره تمام الخبر لما في بقية
الخبر من انتقاص لمقام الصحابي الشهير خالد بن الوليد مقابل منقبة للامام علي.
وإمام المحدّثين البخاري (رض) يتجنب ذكر ما فيه منقصة لذوي الجاه من الصحابة من فرط
غيرته عليهم وتعصّبه لهم.
وخبر الغزوة الثانية في العدد لا في من أورده الواقدي والمقريزي وابن سيده وهذا
موجز خبره: بعث النبيّ عليّا مع ثلاثمائة إلى أرض مذحج وكانت خيله أوّل خيل دخلت
تلك البلاد ففرّق أصحابه فأتوا بنهب وسبي، ثمّ لقي جمعا فدعاهم إلى الاسلام فأبوا
ورموا في أصحابه فحمل عليهم وقتل منهم عشرين فارسا، فانهزموا فلم يتبعهم، ودعاهم
إلى الاسلام فأجابوا وبايعه نفر من رؤسائهم على الاسلام، فخمّس الغنائم، ووزّع
أربعة أخماسها على جنده، وسار بهم راجعا وأسرع ليلقى رسول اللّه، وخلّف عليهم أبا
رافع فسألوا أبا رافع أن يكسوهم فكساهم ثوبين ثوبين، فلمّا رجع
إليهم عليّ وتلقّاهم جرّدهم منها فشكوه إلى النبيّ(92).
كان هذا موجز أخبار الغزوتين. أمّا خبر بعثه لجباية المال فقد قال البخاري وابن
القيّم: أنّه كان لقبض الخمس(93)، وقال ابن هشام ومن تبعه أنّه كان لقبض الصدقة
وجزية أهل نجران.
وهناك أخبار أُخرى عن خرجات الامام إلى اليمن منتشرة في كتب الصحاح والمسانيد
والسير، غير أنّها لم تعيّن في أي خرجاته كانت، مثل ما رواه البخاري ومسلم
والنِّسائي وأحمد واللفظ للاوّل، قال: بعث عليّ وهو باليمن إلى النبيّ بذهيبة في
تربتها(94).
وفي رواية: في أديم مقروظ لم تحصّل من ترابها(95).
في
تربتها: أي أنّها غير مسبوكة ولم تصفّ من تراب معدنها، وأديم مقروظ: جلد مدبوغ
بالقرظ.
وهناك روايات عن إرسال النبيّ إيّاه قاضيا إلى اليمن وشرح بعض أحكامه عند ذاك مثل
ما في مسند أحمد وسنن أبي داود، باب كيف القضاء؟ عن عليّ، قال: بعثني رسول اللّه
(ص) إلى اليمن قاضيا، فقلت: يا رسول اللّه! تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث ولا
علم لي بالقضاء، فقال: ((إنّ اللّه سيهدي قلبك ويثبّت لسانك)). وفي مسند أحمد: فوضع
يده على صدري، فقال: ((ثبّتك اللّه وسدّدك. فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينّ
حتّى تسمع من الاخر كما سمعت من الاوّل، فإنّه أحرى أن يتبيّن لك القضاء)) قال: ما
شككت في قضاء بعد(96).
وذكروا من قضاياه في هذه الخرجة بعض ما استطرفوه، مثل ما رووا أنّ ثلاثة نفر من أهل
اليمن أتوا عليّا يختصمون إليه في ولد وقد وقعوا على المرأة في طهر واحد، فقال
لاثنين منهما: طِيبا بالولد لهذا، فأبيا، ثمّ قال لاثنين طِيبا لهذا بالولد فأبيا
فقال: أنتم شركاء متشاكسون! إنّي مقرع بينكم فمن قرع فله الولد وعليه لصاحبيه ثلثا
الدية، فأقرع بينهم، فجعله لمن قرع، فأتى من اليمن أحدهم وأخبر النبيّ بذلك فضحك
رسول اللّه (ص) حتّى بدت نواجذه(97).
وقضيّة أُخرى نوردها من لفظ الامام بإيجاز، قال: بعثني رسول اللّه إلى اليمن، ثمّ
حدّث عن قوم بنوا زبية للاسد فوقع فيها الاسد فكابّ الناس عليه فوقع فيها رجل
فتعلّق بآخر وتعلّق الاخر بآخر حتّى صاروا فيها أربعة فجرحهم الاسد، فانتدب له رجل
بحربة فقتله، وماتوا عن جراحتهم كلّهم، فقام أولياء الاوّل إلى أولياء الاخر
فأخرجوا السلاح ليقتتلوا، فأتاهم عليّ على تفيئة ذلك، فقال:
أتريدون أن تقاتلوا ورسول اللّه (ص) حيّ؟!
وفي رواية: أتقتلون مائتين في أربعة؟! إنّي أقضي بينكم قضاء إن رضيتم فهو القضاء،
وإلاّ حجز بعضكم عن بعض حتّى تأتوا النبيّ (ص) فيكون هو الّذي يقضي بينكم فمن عدا
بعد ذلك فلا حقّ له. إجمعوا من قبائل الّذين حفروا البئر ربع الدية وثلث الدية ونصف
الدية والدية كاملة، فللاوّل الربع لانّه أهلك من فوقه، وللثاني ثلث الدية وللثالث
نصف الدية وللرابع الدية كاملة، فأبوا أن يرضوا، فأتوا النبيّ وهو عند مقام إبراهيم
فقصّوا عليه القصّة، فقال ((أنا أقضي بينكم)) واحتبى، فقال رجل من القوم: إنّ عليّا
قضى فينا، فقصّ عليه القصّة فأجازه رسول اللّه(ص)(98).
هذه أخبار خرجات الامام إلى اليمن، نسب العلماء وقوع حوادث بعث خرجاته إلى غيره
توهّما، وبعضهم أورد أخبار خرجاته الثلاث مجتمعة في مكان واحد(99)، وآخرون أوردوها
في مكانين(100). لهذا ولغير هذا(101) جاءت أخبار خرجات الامام إلى اليمن غامضة
وموهمة، ولعلّنا نستطيع أن نستكشف الحقيقة من طبيعة الحوادث المرويّة عن خرجات
الامام إلى اليمن، فلنا أن نقول مثلاً: إنّ غزاة مذحج كانت الاُولى في خرجاته إلى
اليمن، وغزاة همدان الثانية، وفي الثالثة ذهب واليا وقاضيا ومخمّسا، ودليلنا على ما
نقول:
أوّلاً ـ
إنّهم في غزاة مذحج قالوا: كانت خيله أوّل خيل دخلت تلك البلاد، أي بلاد اليمن.
ثانيا ـ
وقوع القتال في غزاة مذحج دون غزاة همدان وينبغي أن يكون القتال قبل السلم، وإنّهم
قالوا في غزاة همدان: ((أسلمت همدان جميعا)) وقالوا: ((ثمّ تتابع أهل اليمن على
الاسلام))، إذا لا قتال في اليمن بعد هذا وإنّما أرسل النبيّ ولاته وجباته إليها
ومن
ضمنهم الامام، وكانت هذه ثالثة خرجاته إليها حيث أرسله النبيّ واليا وقاضيا
ومخمّسا، وصدرت منه في هذه المرّة أحكامٌ سارت بذكرها الركبان، وفي هذه المرّة أرسل
ذهيبة في ترابها إلى النبيّ ولم تكن الذهيبة من غنائم الحرب لانّ أهل اليمن كانوا
قد أسلموا وبعث النبيّ إليهم الولاة والقضاة والمصدِّقين، ولانّ غنائم الحرب يحملها
الجيش الغازي معه إلى المدينة بعد انتهاء الغزوة سواء سهام الخمس منها أو بقيّة
الغنائم الموزّعة على أفراد الجيش، ولا معنى لارسال المال في هذه الحالة قبل عودة
الجيش إلى المدينة بل ينبغي أن يكون بعث المال من قبل الوالي والعامل.
ولم تكن الذهيبة من الصدقات لما ثبت أنّ النبيّ لايبعث الامام عاملاً على الصدقة.
ويؤيّد ذلك ما في فقه أئمّة أهل البيت من اشتراط كون الذهب والفضّة مسكوكين لتجب
فيهما الصدقة(102).
ولم تكن الذهيبة من جزى أهل نجران لانّ جزيتهم كانت محدّدة في ألفي حلّة ثمن كلّ
حلّة أربعون درهما(103). إذا فقد كانت الذهيبة من خمس السيوب أو خمس أرباح المكاسب.
وعلى ما ذكرنا كان النبيّ قد بعث الامام إلى اليمن في هذه المرّة مخمّسا كما أرسل
رسوليه أُبيّا وعنبسة إلى سعد هذيم من قضاعة وإلى جذام مصدّقين ومخمسين(104) ولعل
غيرهم من عمّال رسول اللّه ممّن ذكروا في عداد المصدّقين أيضا كانوا مأمورين بأخذ
الخمس بالاضافة إلى أخذ الصدقة، وأنّهم كانوا قد أخذوا الخمس من موارده ودفعوه إلى
رسول اللّه، غير أنّ الخلفاء لمّا رفعوا الخمس بعد رسول اللّه(105)
أهمل الرواة
والعلماء ذكره، لانّه كان يخالف سياسة الخلفاء في أدوار الخلافة الاسلامية.
وإذا أضفنا إلى ما ذكرنا ملاحظة ثروة سكان شبه الجزيرة العربية يومذاك، وأنّ عامّة
ثروة القبائل كانت من الانعام وقليلاً من الغرس والزرع، وأنّ كلّ تلك كانت من موارد
الصدقات ولم تكن من موارد الخمس، وكانت المدينة عاصمة الاسلام أيضا بلدا زراعيا،
وكانت عامّة ثروة أهلها الزرع والضرع، وأنّ التجارة كانت منحصرة بأهل مكّة وبعض
قبائل أهل الكتاب، وأنّ انصراف المسلمين بالمدينة إلى الحرب ضدّ قريش واليهود وسائر
القبائل العربية والّتي ناف عددها على الثمانين بين غزوة وسريّة في زهاء عشر سنوات،
أي بمعدل ثماني معارك حربيّة في كلّ سنة؛
أدّى ذلك كلّه إلى جعل الطرق التجارية في الحجاز مجالاً للاغارة والغزو والسلب بين
الاطراف المتحاربة وانقطاع التجارة في تلك السنوات، ومن أجل ذلك ندر وجود مورد ربح
غير موارد الصدقات.
كلّ هذه العوامل أدّت إلى عدم انتشار أخبار أخذ الرسول الخمس من أرباح المكاسب في
كتب السيرة والحديث. أمّا أخبار أخذه الخمس من الكنوز والمعادن وبعثه المخمّسين مع
المصدّقين فقد أوردنا ما وجدنا من أخبارها على قلّة ما لدينا من مصادر هذه
الدراسات.
85 مثل قوله تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُون) الاية 4 من سورة
المؤمنون، وقوله تعالى (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ) الاية 156 من سورة الاعراف، وكذلك الزّكاة في الايات 13 و 31 و55 من
سورة مريم، و 73 من سورة الانبياء، وفرضت الصدقة في السنة السابعة أو الثامنة أو
التاسعة من بعد هجرة الرسول إلى المدينة.
86 سيرة ابن هشام 4 / 273 ـ 275، والامتاع ص509، فقد روى البيهقي في سننه الكبرى:
إنّ أُمّ كلثوم منعت من إعطاء مواليها الصدقة، وروت عن جدّها الرسول أنّه قال:
((إنّا أهل البيت نهينا عن الصدقة، وإن موالينا من أنفسنا)) وقالت: فلا تأكلوا
الصدقة.
87 سيرة ابن هشام 4 / 275.
88 سيرة ابن هشام 4 / 319، وابن كثير 7 / 343، وراجع طبقات ابن سعد 2 / 169، وعيون
الاثر 2/ 271.
89 البخاري 3 / 50، كتاب المغازي، باب بعث عليّ بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى
اليمن.
90 عيون الاثر 2 / 272، باب سرية عليّ بن أبي طالب، والامتاع ص510.
91 نقل الخبر ابن كثير 5 / 105 من تاريخه، باب بعث رسول اللّه (ص) عليّ بن أبي
طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن.
92 مغازي الواقدي 3 / 1079 ـ 1081، وإمتاع الاسماع ص 503 و 504، وعيون الاثر 2/271
و 272.
93 البخاري 3 / 50، باب بعث علي وخالد إلى اليمن، وابن
القيم بهامش شرح المواهب 1 / 121، قال في فصل أُمرائه: وولّى عليّ بن أبي طالب
الاخماس باليمن والقضاء بها.
94 البخاري 4 / 188، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى تعرج الملائكة...، والنِّسائي 2
/ 359، كتاب الزّكاة، باب المؤلفة قلوبهم، ومسند أحمد 3 / 68، 72 و 73، وقريب منه
في البخاري 2 / 155، ومسلم، كتاب الزّكاة 143، وسنن أبي داود 3 / 301 و 4 / 174،
باب تحريم الدم، و ص243 منه ح4764، كتاب السنة، باب في قتال الخوارج.
95 البخاري 3 / 50، كتاب المغازي، باب بعث علي، ومسلم 2 / 741، ح143، و ص743 منه،
ح144، ومسند أحمد 3 / 4، و ص3 منه بإيجاز مخلّ.
96 سنن أبي داود 3 / 301، ح3582، وابن ماجة، كتاب الاحكام، ح2310، ومسند أحمد 1 /
149 و ص111 منه، ح882، وراجع ص84 منه، ح636، و ص88 منه، ح666.
97 سنن ابن ماجة، كتاب الاحكام ح2348، وسنن أبي داود 2 / 281، باب من قال بالقرعة،
وتاريخ ابن كثير 5 / 107.
أوجزت لفظ الحديث، ويبدو أن حادثة وقوعهم على امرأة واحدة في طهر واحد وقعت من
الرجال الثلاثة زمن جاهليتهم وولدت المرأة بعد إسلامهم فتحاكموا عند الامام حال
إسلامهم.
98 مسند أحمد 1 / 77، ح573، و ح574، و ص128 منه، ح1064، و ص152، ح1309، ومجمع
الزوائد 6 / 287، والمنتقى، ح3994.
99 مثل ابن كثير في تاريخه فإنّه ذكر جميع أخبار خرجاته تحت عنوان ((باب بعث رسول
اللّه عليّ بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن)).
100 مثل ابن هشام ومن تبعه فإنّهم ذكروها في باب خروج الاُمراء والعمّال على
الصدقات في السنة العاشرة وفي باب تعداد السرايا والبعوث.
101 ما كانت الظروف في عصور يلعن الامام على جميع منابر المسلمين وخاصّة في خطبة
الجمعة تسمح لنشر أخبار فيها فضيلة ومنقبة للامام، فإنّ الولاة كانوا يطاردون من
يذكر الامام بخير منذ عصر معاوية حتّى القرن الاوّل من عصر بني العباس عدا عصر ابن
عبدالعزيز وعصر السفاح.
102 راجع فصل زكاة النقدين في فقه الامامية مثل مصباح الفقيه للهمداني، ص53 من
كتاب الزّكاة.
103 راجع إمتاع الاسماع ص502.
104 راجع قبله ص 102 ـ 103 .
105 كما جابهت به ابنة النبيّ أبا بكر.