بعد عمر بن عبدالعزيز

لا ذكر للخمس بعد ابن عبدالعزيز، أمّا فدك فقد قال ياقوت وابن أبي الحديد:

لمّا ولي يزيد بن عاتكة قبضها منهم فصارت في أيدي بني مروان كما كانت، يتداولونها حتّى انتقلت الخلافة عنهم، فلمّا ولي أبو العباس السفاح ردّها على عبداللّه ابن الحسن بن الحسن، ثمّ قبضها أبو جعفر لمّا حدث من بني حسن ما حدث، ثمّ ردّها المهدي ابنه على ولد فاطمة (ع) ، ثمّ قبضها موسى بن المهدي وهارون أخوه، فلمّا تزل في أيديهم حتّى ولي المأمون فردّها على الفاطميين.

قال أبو بكر حدثني محمّد بن زكريا، قال حدثني مهدي بن سابق قال: جلس المأمون للمظالم فأوّل رقعة وقعت فى يده نظر فيها وبكى وقال للّذي على رأسه، نادِ: أين وكيل فاطمة؟ فقام شيخ عليه دراعة وعمامة وخف ثغري فتقدم فجعل يناظره في

فدك والمأمون يحتجّ عليه وهو يحتجّ على المأمون، ثمّ أمر أن يسجل لهم بها فكتب السجل وقرئ عليه فأنفذه. فقام دعبل إلى المأمون فأنشد الابيات الّتي أوّلها:

                أصبح وجه الزمان قد ضحكا

                           برد مأمون هاشم فدكا(79)

وتفصيل الكتاب جاء في فتوح البلدان قال : ولمّا كانت سنة عشر ومائتين أمر أميرالمؤمنين المأمون عبداللّه بن هارون الرشيد، فدفعها إلى ولد فاطمة وكتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة:

((أمّا بعد، فإنّ أميرالمؤمنين بمكانه من دين اللّه وخلافة رسول اللّه (ص) والقرابة به، أولى من استنّ سنّته ونفّذ أمره وسلّم منحه منحة وتصدق عليه بصدقة منحته وصدقته وباللّه توفيق أميرالمؤمنين وعصمته وإليه في العمل بما يقرِّبُهُ إليه رغبته. وقد كان رسول اللّه (ص) أعطى فاطمة بنت رسول اللّه (ص) فدكاً وتصدق بها عليها وكان ذلك أمرا ظاهرا معروفا لا اختلاف فيه بين آل رسول اللّه (ص) ولم تزل تدعي منه ما هو أولى به من صدِّق عليه فرأى أميرالمؤمنين أن يردها إلى ورثتها ويسلمها إليهم تقربا إلى اللّه تعالى بإقامة حقّه وعدله وإلى رسول اللّه (ص) بتنفيذ أمره وصدقته فأمره بإثبات ذلك في دواوينه والكتاب به إلى عمّاله.

فلئن كان ينادي في كلّ موسم ـ بعد أن قبض اللّه نبيّه (ص) ـ أن يذكر كلّ من كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك فيقبل قوله وينفذ عدته، إنّ فاطمة (رض) لاولى بأن يصدّق قولها في ما جعل (ص) لها وقد كتب أميرالمؤمنين إلى المبارك الطبري مولى أميرالمؤمنين يأمره بردّ فدك على ورثة فاطمة بنت رسول اللّه (ص) بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها وما فيها من الرقيق والغلات وغير ذلك وتسليمها إلى محمّد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، ومحمّد ابن عبداللّه بن الحسن بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب لتولية أميرالمؤمنين إيّاهما القيام بها لاهلها.

فاعلم ذلك من رأي أميرالمؤمنين وما ألهمه اللّه من طاعته ووفقه له من التقرّب إليه وإلى رسوله (ص) وأعلمه من قبلك وعامل محمّد بن يحيى ومحمّد بن عبداللّه بما كنت تعامل به المبارك الطبري، وأعنهما على ما فيه عمارتها ومصلحتها ووفور غلاتها إن شاء اللّه، والسلام)).

وكتب يوم الاربعاء لليلتين خلت من ذي القعدة سنة عشر ومائتين: فلمّا استخلف المتوكل على اللّه رحمه اللّه أمر بردها على ما كانت عليه قبل المأمون ؛(80).

وذكر بقية الخبر ابن أبي الحديد وقال: فلم تزل في أيديهم حتّى كان أيّام المتوكل فأقطعها عبد بن عمر البازيار وفيها إحدى عشرة نخلة غرسها رسول اللّه (ص) بيده فكان بنو فاطمة يأخذون تمرها فإذا كان أقدم الحاج أهدوا لهم من ذلك التمر فيصلونهم فيصير إليهم من ذلك مال جزيل جليل فصرم عبداللّه بن عمر البازيار ذلك التمر، وجه رجلاً يقال له بشران بن أبي أُميّة الثقفي إلى المدينة فصرمه ثمّ عاد إلى البصرة ففلج(81).

كان هذا آخر العهد بأخبار فدك والخمس من قبل خلفاء المسلمين. أمّا آراء علمائهم فكما يلي:

*             *              *

 استعرضنا في ما سبق رأي الخلفاء في الخمس وفعلهم جيلاً بعد جيل ورأينا كيف ناقض بعضه الاخر. وتضاربت كذلك آراء فقهاء مدرسة الخلفاء في الخمس تبعا لما فعله الخلفاء.

قال ابن رشد: واختلفوا في الخمس على أربعة مذاهب مشهورة:

أحدها: أنّ الخمس يقسم على خمسة أقسام على نصّ الاية وبه قال الشافعي. والقول الثاني: أنّه يقسم على أربعة أخماس...

والقول الثالث: أنّه يقسّم اليوم ثلاثة أقسام، وأنّ سهم النبيّ وذوي القربى سقطا بموت النبيّ.

والقول الرابع: أنّ الخمس بمنزلة الفي‌ء يعطى منه الغنيّ والفقير.

والّذين قالوا يقسم أربعة أخماس أو خمسة اختلفوا في ما يفعل بسهم رسول اللّه(ص) وسهم القرابة بعد موته، فقال قوم: يردّ على سائر الاصناف الّذين لهم الخمس، وقال قوم: بل يردّ على باقي الجيش، وقال قوم: بل سهم رسول اللّه (ص) للامام، وسهم ذوي القربى لقرابة الامام. وقال قوم: بل يجعلان في السلاح والعدّة.

واختلفوا في القرابة من هم؟(82).

وقال ابن قدامة في المغني بعدما روى أنّ أبا بكر قسّم الخمس على ثلاثة أسهم: وهو قول أصحاب الرأي ـ أبي حنيفة وجماعته ـ قالوا: يقسّم الخمس على ثلاثة:

اليتامى والمساكين وابن السبيل وأسقطوا سهم رسول اللّه بموته وسهم قرابته أيضا.

وقال مالك: الفي‌ء والخمس واحد يجعلان في بيت المال.

وقال الثوري والحسن: يضعه الامام حيث أراه اللّه عزّ وجلّ.

وما قاله أبو حنيفة فمخالف لظاهر الاية فإنّ اللّه تعالى سمّى لرسوله وقرابته شيئا وجعل لهما في الخمس حقّا كما سمّى الثلاثة الاصناف الباقية فمن خالف ذلك فقد خالف نصّ الكتاب، وأمّا حمل أبي بكر وعمر (رضي اللّه عنهما) على سهم ذي القربى في سبيل اللّه فقد ذكر لاحمد فسكت وحرّك رأسه ولم يذهب إليه، ورأى أنّ قول ابن عباس ومن وافقه أولى، لموافقته كتاب اللّه وسنّة رسول اللّه (ص) ...(83).

ورأى أبو يعلى والماوردي أنّ تعيين مصرف الخمس منوط باجتهاد الخلفاء(84).

*             *              *

 لقد طال بنا الحديث عن اجتهاد الخلفاء في الخمس وحقّ ابنة الرسول وتشعّب ولابدّ لنا من أجل استيعاب الفكرة وأخذ النتيجة أن نلخّص البحث ونضيف إليه بعض الايضاحات في ما يلي:

 


 

71  طبقات ابن سعد 5 / 287 و 288 وقد ذكرتها وما يليها بإيجاز.

72  طبقات ابن سعد 5 / 289.

73  الخراج ص25.

74  طبقات ابن سعد 5 / 288.

75  طبقات ابن سعد 5 / 289.

76  بمادّة فدك من معجم البلدان.

77  شرح النهج 4 / 103.

78  شرح النهج 4 / 81.

79  شرح النهج 4 / 81، وفتوح البلدان بمادّة فدك.

أبو خالد يزيد بن عبدالملك بن مروان وأُمّه عاتكة بنت يزيد بن معاوية. ولد بدمشق وولي الخلافة بعد عمر بن عبدالعزيز سنة 101ه‍‍  بعهد من أخيه سليمان، في مرآة الجنان 1 / 224 و 225 قال: سيروا بسيرة عمر بن عبدالعزيز فأتوه بأربعين شيخا شهدوا له أنّ الخلفاء لا حساب عليهم ولا عذاب. وغلبت جاريته حبابة في تولية الولاة وغيرها. وطرب يوما فقال دعوني أطير فقالت على من تدع الاُمّة؟ قال: عليك. ولمّا ماتت تركها ثلاثة أيّام حتّى أنتنت وهو يشمّها ويقبلها ويبكي، ومات بعدها بأيّام سنة خمس ومائة. قيل مات عشقا ولا يعلم خليفة مات عشقا غيره، راجع فهرست الاغاني وابن الاثير 5 / 90 ـ 93، وتاريخ الخميس 2 / 318.

والسفاح أبو العباس بن محمّد بن عليّ بن عبداللّه بن العباس أوّل الخلفاء العباسيين. ولد ونشأ بالشرارة وبويع له بالخلافة في الكوفة سنة 132هـ‍  توفي بالجدري بالانبار سنة 136ه‍‍ . راجع تاريخ ابن الاثير 5 / 125، وغيره في حوادث سنة 136ه‍‍ .

ولي بعده أخوه أبو جعفر المنصور عبداللّه وتوفي سنة 158ه‍‍  في طريق مكّة ودفن بالحجون من مكّة. راجع حوادث سنة 158ه‍‍  من كتب التاريخ.

ولي بعده أبو عبداللّه محمّد المهدي بن المنصور وتوفي سنة 169ه‍‍ . ثمّ ولي بعده أبو محمّد موسى الهادي بن المهدي وتوفي سنة 170ه‍‍ . ثمّ ولي بعده أبو جعفر أخوه هارون الرشيد وتوفي سنة 193ه‍‍ . وولي المأمون أبو جعفر عبداللّه بن الرشيد سنة 198ه‍‍  بعد قتل أخيه الامين وتوفي سنة 219ه‍‍ .

80  خبر فدك في فتوح البلدان ص 37 و 38.

81  شرح النهج 4 / 81.

82  ابن رشد في الفصل الاوّل في حكم الخمس 1 / 407 من بداية المجتهد.

83  المغني لابن قدامة 7 / 301، باب تسمية الفي‌ء والغنيمة، وابن قدامة هو موفق الدين، أبو محمّد عبداللّه ابن محمّد بن أحمد بن محمود بن قدامة (ت: 630ه‍‍ ).

84  باب قسم الفي‌ من الاحكام السلطانية للماوردي ص126، و ص120 من الاحكام السلطانية لابي يعلى.