الخمس وتركة الرسول (ص) في عصر خلفاء بني أُميّة

يظهر ممّا جاء في الاخبار ان اجتهاد معاوية في منع بني هاشم من الخمس ومنع ذريّة الرسول من إرثه كان مشابها لاجتهاد الخلفاء الثلاثة قبله، غير أنّه أضاف إلى ذلك ما أدّى إليه اجتهاده الخاصّ. أمّا منعهم من الخمس فيعلم من الروايتين التاليتين:

في طبقات ابن سعد: انّ عمر بن عبدالعزيز لمّا أمر بدفع شي‌ء من الخمس إلى بني هاشم اجتمع نفر منهم فكتبوا كتابا وبعثوا به مع رسول إليه يتشكرون له ما فعل بهم من صلة أرحامهم، وأنّهم لم يزالوا مجفيّين منذ كان معاوية... الحديث(63).

وفيه أيضا: إنّ عليّ بن عبداللّه بن عباس وأبا جعفر محمّد بن عليّ قالا: ((ما قسّم علينا خمس منذ زمن معاوية إلى اليوم))(64).

أمّا ما أدى إليه اجتهاده الخاصّ في ذلك، فقد رواه بترجمة الحكم بن عمرو كلّ من الحاكم في مستدركه والذهبي في تلخيصه وابن سعد في طبقاته وابن عبدالبرّ في الاستيعاب وابن الاثير في أُسد الغابة، وذكره في حوادث سنة خمسين من تاريخه كلّ من الطبري وابن الاثير والذهبي وابن كثير(65) واللفظ للحاكم ثمّ للطبري.

قال الحاكم: بعث زياد الحكم بن عمرو الغفاري على خراسان فأصابوا غنائم كثيرة فكتب إليه زياد ((أمّا بعد، فإنّ أميرالمؤمنين كتب أن تصطفي له البيضاء والصفراء ولا تقسّم بين المسلمين ذهبا ولا فضّة)).

وفي تاريخ الطبري: إنّ أميرالمؤمنين كتب إليّ: أن أصطفي له كلّ صفراء وبيضاء والروائع فلا تحركنّ شيئا حتّى تخرج ذلك.

فكتب إليه الحكم: أمّا بعد، فإنّ كتابك ورد تذكر أنّ أميرالمؤمنين كتب إليّ أن أصطفي له كلّ صفراء وبيضاء والروائع ولا تحركنّ شيئا، فإنّ كتاب اللّه قبل كتاب أميرالمؤمنين، وإنّه واللّه لو كانت السموات والارض رتقاً على عبد فاتّقى اللّه لجعل له سبحانه وتعالى مخرجا. وقال للناس اُغدوا على غنائمكم فغدا الناس وقد عزل الخمس فقسّم بينهم تلك الغنائم.

قال: كتب إليه زياد: واللّه لئن بقيت لك لاقطعنّ منك طابقا سحتا. انتهت رواية الطبري.

وقال الحاكم: إنّ معاوية لمّا فعل الحكم في قسمة الفي‌ء ما فعل، وجه إليه من قيّده وحبسه فمات في قيوده ودفن فيها وقال: إنّي مخاصم.

وفي ترجمته بتهذيب التهذيب: فأرسل معاوية عاملاً غيره فحبس الحكم وقيّده فمات في قيوده(66).

وقال الطبري وغيره، فقال الحاكم: اللّهمّ إن كان لي عندك خير فاقبضني فمات بخراسان بمرو.

قال المؤلّف: كره بعض العلماء هذا الخبر فأورده ناقصا محرّفا مثل الذهبي، فإنّه قال في تاريخه ((فكتب إليه لاتقسّم ذهبا ولا فضّة فكتب إليه اُقسم باللّه لو كانت السموات رتقا...)) الحديث.

وكتب ابن كثير: فجاء كتاب زياد إليه على لسان معاوية أن يصطفي من الغنيمة لمعاوية ما فيها من الذهب والفضّة لبيت ماله.

وكتب ابن حجر بترجمته في التهذيب والاصابة واللفظ للاوّل: انّ معاوية وجّهه عاملاً على خراسان ثمّ عتب عليه في شي‌ء فأرسل عاملاً غيره فحبس الحكم وقيّده فمات في قيوده.

كانت هذه القصّة للحكم بن عمرو كما ذكرنا، ووهم من قال إنّها كانت للربيع بن زياد الحارثي، فإنّ هذا لمّا أتاه مقتل حجر بن عدي قال: اللّهمّ إن كان للربيع عندك خير فاقبضه. فلم يبرح من مجلسه حتّى مات. راجع ترجمته في أُسد الغابة (2 / 264).

هذا ما كان من شأن الخمس على عهد معاوية، أمّا شأن تركة الرسول على عهده فقد ذكروا من شأن فدك ما رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج قال:

أقطع معاوية بعد موت الحسن بن عليّ مروان بن الحكم ثلث فدك، وأقطع عمرو ابن عثمان بن عفّان ثلثها، وأقطع يزيد بن معاوية ثلثها، فلم يزالوا يتداولونها حتّى خلصت كلّها لمروان(67).

روى ابن سعد في طبقاته أنّ معاوية لمّا نزع مروان عن ولاية المدينة وغضب عليه قبض فدكاً منه فكانت بيد وكيله في المدينة فطلبها الوليد بن عتبة بن ابي سفيان من معاوية فأبى معاوية أن يعطيه، وطلبها سعيد بن العاص فأبى معاوية أن يعطيه، فلمّا ولّى معاوية مروان المدينة المرّة الاخيرة ردّها عليه بغير طلب من مروان وردّ عليه غلّتها في ما مضى فكانت بيد مروان(68).

ووهم بعضهم فظنّ أنّ معاوية كان أوّل من أقطع فدكاً مروان في حين إنّ عثمان أقطعها إيّاه قبل معاوية، ولعل سبب الوهم هو دفع معاوية فدكاً إلى مروان في المرة الاخيرة كما ذكرنا.

 


 

63  طبقات ابن سعد، ط. أوربا 5 / 289.

64  المصدر نفسه 5 / 288.

65  مستدرك الحاكم وتلخيصه بهامشه 3 / 442، وطبقات ابن سعد، ط. أوربا 7 / 1 / 18، والاستيعاب 1/ 118، وأُسد الغابة 2 / 36، والطبري ط. أوربا 2 / 111، وابن الاثير ط. أوربا 3 / 391، والذهبي 2 / 220، وابن كثير 8 / 47.

66  نفس المصدر 5 / 288.

نسب الحكم إلى بني غفار وهو من بني عمّهم، وفي ترجمته بطبقات ابن سعد 7 / 1 / 18 صحب حتّى توفي، أي صحب الرسول حتّى توفي الرسول. وفيه وفي الاستيعاب: أنّه روى عن النبيّ، أخرج حديثه اصحاب الصحاح عدا مسلم. تقريب التهذيب 1 / 192، وجوامع السيرة ص306.

67  شرح نهج البلاغة 4 / 80.

68  طبقات ابن سعد 5 / 288.