ب ـ على عهد الخليفة عثمان
أعطى عثمان خمس فتوح افريقيا مرّة لعبداللّه بن سعد بن أبي سرح(28)، وأُخرى لمروان
بن الحكم.
قال ابن الاثير في تاريخه: أعطى عبداللّه خمس الغزوة الاُولى، وأعطى مروان خمس
الغزوة الثانية الّتي افتتحت فيها جميع افريقيا(29).
وقال ابن أبي الحديد: أعطى عبداللّه بن أبي سرح جميع ما أفاء اللّه عليه من فتح
أفريقية بالمغرب وهي من طرابلس الغرب إلى طنجة من غير أن يشركه فيه أحد من
المسلمين(30).
وقال الطبري: ((لمّا وجّه عثمان عبداللّه بن سعد إلى أفريقية كان الّذي صالحهم عليه
بطريق أفريقية جرجير ألفي ألف وخمسمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار)).
وقال: ((وكان الّذي صالحهم عليه عبداللّه بن سعد ثلاثمائة قنطار ذهب. فأمر بها
عثمان لال الحكم، أو لمروان))(31).
وروى ابن عبدالحكم في كتاب فتوح أفريقيا، قال: ((غزا معاوية بن خديج أفريقية ثلاث
غزوات، أمّا الاُولى فسنة أربع وثلاثين قبل قتل عثمان وأعطى عثمان مروان الخمس في
تلك الغزوة وهي غزوة لايعرفها كثير من الناس))(32).
وروى البلاذري في ذكر ما أنكروا من سيرة عثمان، والسيوطي في تاريخ الخلفاء قال:
وكتب لمروان خمس أفريقية(33).
وروى عبداللّه بن الزُّبير أنّه قال: أغزانا عثمان سنة سبع وعشرين أفريقية فأصاب
عبداللّه بن سعد بن أبي سرح غنائم جليلة فأعطى عثمان مروان بن الحكم خمس
الغنائم(34).
وروى أنّ مروان لمّا بنى داره بالمدينة دعا الناس إلى طعامه، وكان المسور في من
دعا، فقال مروان وهو يحدّثهم: واللّه ما أنفقت في داري هذه من مال المسلمين درهما
فما فوقه، فقال المسور: لو أكلت طعامك وسكتّ لكان خيرا لك لقد غزوت معنا
أفريقية وإنّك لاقلّنا مالاً ورقيقا وأعوانا، وأخفّنا ثقلاً فأعطاك ابن عفّان خمس
أفريقية وعُمِّلتَ على الصدقات فأخذت أموال المسلمين... الحديث(35).
وقال في ذلك أسلم بن أوس بن بجرة الساعدي من الخزرج وهو الّذي منع ان يُدفن عثمان
بالبقيع:
اُقسم باللّه ربّ العبا
د ما ترك اللّه خلقاً سدى
دعوت اللعين فأدنيته
خلافا لسنّة من قد مضى
(يعني باللعين: الحكم).
وأعطيت مروان خمس العباد
ظلماً لهم وحميت الحمى(36)
وفي الاغاني: وكان مروان قد صفق على الخمس بخمسمائة ألف فوضعها عنه عثمان فكان ذلك
ممّا تكلّم فيه بسببه وقال فيه عبدالرّحمن بن حنبل بن مليل... الابيات(37).
كان ذلكم اجتهاد الخليفة عثمان في أمر الخمس، أمّا اجتهاده في ما تركه الرسول فقد
قال أبو الفداء وابن عبد ربّه واللفظ للاوّل: وأقطع مروان فدكاً وهي صدقة النبيّ
الّتي طلبتها فاطمة من أبي بكر(38).
وقال ابن أبي الحديد: وأقطع عثمان مروان فدكاً وقد كانت فاطمة (ع) طلبتها بعد وفاة
أبيها صلوات اللّه عليه تارة بالميراث وتارة بالنحلة فدفعت عنها(39).
وروى في سننه كلّ من أبي داود والبيهقي عن عمر بن عبدالعزيز أنّه قال في ذكره شأن
فدك: ((فلمّا ولي عمر عمل فيه بمثل ما عملا حتّى مضى لسبيله ثمّ أقطعها ـعثمانـ
مروان...))(40).
وقال البيهقي بعد إيراده تمام الحديث: ((إنّما أقطع مروان فدكا في أيّام عثمان بن
عفّان(رض) وكأنّه تأوّل في ذلك ما روي عن رسول اللّه (ص) : إذا أطعم اللّه نبيّا
طعمة فهي للّذي يقوم من بعده، وكان ـ أي الخليفة ـ مستغنيا عنها بماله فجعلها
لاقربائه ووصل بها رحمهم...)).
وقال ابن عبد ربّه وابن أبي الحديد واللفظ للاوّل:
وتصدّق رسول اللّه بمهزور ـ موضع سوق المدينة ـ على المسلمين فأقطعها ـ عثمان ـ
الحارث بن الحكم أخا مروان(41).
* * *
كان هذا ما انتهى إلينا من اجتهاد الخليفة عثمان في أمر الخمس وتركة الرسول على
عهده، أمّا سبب نقمة الناس عليه فيعود لامرين:
أوّلاً: لانّ الخليفتين قبله كانا يضعان تلك الاموال في النفقات العامّة وخصّصها
عثمان لاقربائه.
ثانيا: موضع أقربائه من الاسلام وأهله وبيان ذلك كما يلي:
سيرة أقارب عثمان المذكورين أعلاه:
أ
ـ عبداللّه بن سعد بن أبي سرح العامريّ القرشيّ ابن خالة عثمان(42) وأخوه من
الرضاعة(43).
قال الحاكم: كان كاتبا لرسول اللّه فظهرت خياناته في الكتابة فعزله رسول
اللّه(ص)(44) فارتدّ عن الاسلام ولحق بأهل مكّة
(45) فقال لهم: إنّي كنت أصرف محمّدا
حيث أُريد، كان يملي عليّ ((عزيز حكيم)) فأقول أو ((عليم حكيم)) فيقول: نعم كلّ
صواب(46) فأنزل اللّه فيه: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ
كَذِبا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيٌْ وَمَن قَالَ
سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي
غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا
أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى
اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) سورة
الانعام، الاية 94(47).
فأهدر الرسول دمه ولمّا فتح مكّة أمن الناس كلّهم إلاّ أربعة نفر وامرأتين، ولو
وجدوا تحت أستار الكعبة، أحدهم عبداللّه، ففرّ إلى عثمان فغيّبه عثمان حتّى أتى به
رسول اللّه بعدما اطمأنّ أهل مكّة فاستأمنه له فصمت رسول اللّه (ص) طويلاً ثمّ قال:
نعم. فلمّا انصرف عثمان، قال رسول اللّه (ص) لمن حوله: ما صمتّ إلاّ ليقوم إليه
بعضكم فيضرب عنقه، فقال رجل من الانصار: فهلا أومأت إليّ يا رسول اللّه، فقال: انّ
النبيّ لاينبغي أن تكون له خائنة الاعين(48).
هذا هو عبداللّه بن سعد
(49)، ولمّا استخلف عثمان كان عمرو بن العاص على مصر فعزله
عن الخراج وأقرّه على الصلاة والجند، واستعمل عبداللّه على الخراج فتداعيا فعزل
عمرا وأضاف الصلاة إلى ابن أبي سرح. وبعد مقتل عثمان اعتزل عبداللّه وكره معاوية
وقال: لم أكن لاُجامع رجلاً عرفته إن كان يهوى قتل عثمان، وتوفّي في خلافة عليّ
بالرملة، قال الذهبي: له رواية حديث.
ب و ج ـ
مروان والحارث ابنا الحكم بن أبي العاص عمّ عثمان:
روى البلاذري أنّ الحكم بن أبي العاص كان جارا لرسول اللّه في الجاهليّة، وكان أشدّ
أذىً له في الاسلام، وكان قدومه المدينة بعد فتح مكّة وكان مغموصا عليه في دينه
فكان يمرّ خلف رسول اللّه يغمز به ويخلج بأنفه وفمه، وإذا صلّى قام خلفه فأشار
بأصابعه، فبقي على تخليجه وأصابته خبلة، واطّلع على رسول اللّه ذات يوم وهو في بعض
حجر نسائه فعرفه وخرج إليه بعنزة وقال: من عذيري من هذا الوزغة اللعين، ثمّ قال: لا
يساكنني ولا ولده.
فغرّبهم جميعا إلى الطائف فلمّا قبض رسول اللّه كلّم عثمان أبا بكر فيهم وسأله
ردّهم فأبى ذلك وقال: ما كنت لأُؤوي طرداء رسول اللّه، ثمّ لمّا استخلف عمر كلّمه
فيهم فقال مثل قول أبي بكر، فلمّا استخلف عثمان أدخلهم المدينة(50).
ويوم قدم المدينة كان عليه خزر خلق، وهو يسوق تيسا والناس ينظرون إلى سوء حاله وحال
من معه حتّى دخل دار الخليفة، ثمّ خرج وعليه جبّة خز وطيلسان(51).
وكان إذا أمسى عامل صدقات المسلمين على سوق المسلمين أتاه عثمان فقال له:
ادفعها إلى الحكم(52)، ثمّ ولاه صدقات قضاعة فبلغت ثلاثمائة ألف درهم فوهبها له حين
أتاه(53)، ولمّا توفّي ضرب على قبره فسطاطا(54).
وكان مروان صهر عثمان من ابنته أُمّ أبان، والحارث صهره من ابنته عائشة.
وقد وردت عن رسول اللّه (ص) أحاديث كثيرة في لعنهم وذمّهم. لعن رسول اللّه (ص)
الحكم وأولاده(55)، وقال: ((ويل لاُمّتي ممّا في صلب هذا))(56).
وقال: لعنة اللّه عليه وعلى من يخرج من صلبه إلاّ المؤمنين وقليل هم.
وقال: إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتّخذوا دين اللّه دغلاً، وعباد اللّه
خولاً ومال اللّه دولاً.
وقال: إنّي رأيت في منامي كأنّ بني الحكم بن أبي العاص ينزون على منبري نزو القردة.
فما رُئي النبيّ (ص) مستجمعا ضاحكا حتّى توفّي(57).
وروى الحاكم عن عبدالرّحمن بن عوف قال: كان لايولد لاحد مولود إلاّ أتى به النبيّ
(ص) فدعا له فادخل عليه مروان بن الحكم فقال: هو الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن
الملعون.
هذا بعض ما جاء عن رسول اللّه فيهم، وفي ما سبق ذكرنا بعض منح عثمان إيّاهم.
* * *
إلى هنا ذكرنا اجتهاد الخلفاء قبل الامام عليّ في الخمس وفي تركة الرسول فماذا فعل
الامام فيهما على عهده؟
28 راجع تاريخ الذهبي 2 / 79 و 80.
29 تاريخ ابن الاثير 3 / 71 ط. أوربا وط. مصر الاُولى 3 / 35.
30 شرح النهج 1 / 67.
31 الطبري ط. أوربا 1 / 2818، وابن كثير 7 / 152.
32 فتوح أفريقيا لابن عبدالحكيم 58 ـ 60.
33 أنساب الاشراف للبلاذري 5 / 25، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص256.
34 أنساب الاشراف للبلاذري 5 / 27.
35 أنساب الاشراف للبلاذري 5 / 28.
36 أنساب الاشراف 5 / 38، وسمّى الشاعر الخمس: خمس العباد، لانّهم اعتادوا في عصر
الشيخين أن يحسبوا الخمس: خمس العباد وليس للّه ولرسوله ولذوي قرباه!
37 الاغاني 6 / 57، وفي لفظ الابيات عنده بعض الاختلاف مع رواية البلاذري، والصفق:
التبايع.
وكذلك رواه أبو الفداء في تاريخه 1 / 233، وراجع المعارف لابن قتيبة ص84، والعقد
الفريد 2 / 283.
38 تاريخ أبي الفداء 11 / 232 في ذكر حوادث سنة 34، والعقد الفريد 4 / 273، كتاب
العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم، وإنّما قالا: وهي صدقة النبي تبعا لرواية
أبي بكر ((ما تركناه صدقة)).
39 شرح النهج 1 / 67.
40 سنن أبي داود 2 / 49 و 50، باب صفايا رسول اللّه من كتاب
الخراج، كتاب قسم الفئ والغنيمة، وسنن البيهقي 6 / 310.
41 العقد الفريد 4 / 283، وشرح النهج 1 / 67، وفي لفظ شرح النهج ((بهزور)) تحريف.
وراجع محاضرات الراغب 2 / 211، والمعارف لابن قتيبة ص84، وقال القاضيان الماوردي
وأبو يعلى في باب بيان تركة الرسول: إن عثمان أقطع مهزوراً لمروان.
42 ذكر ذلك الحاكم في المستدرك 3 / 100.
43 ذكر ذلك جميع مترجميه.
44 أجمع مترجموه على ذلك.
45 مستدرك الحاكم 3 / 100.
46 ترجمته بأُسد الغابة 3 / 173.
47 تفسير الكشاف 2 / 35، وأنساب الاشراف 5 / 49.
48 أجمع مترجموه على ذلك، واللفظ بترجمته من أُسد الغابة وسنن أبي داود 4 / 128،
وراجع تفسير الاية بتفسير القرطبي والرازي والبيضاوي والخازن والنسفي والشوكاني.
49 من هنا إلى آخر ترجمة عبداللّه نقلناه بإيجاز من ترجمته بسيرة النبلاء للذهبي 3
/ 23 و 24.
50 أنساب الاشراف 5 / 27.
51 تاريخ اليعقوبي 2 / 164.
52 تاريخ اليعقوبي 2 / 168.
53 أنساب الاشراف 5 / 28.
54 أنساب الاشراف 5 / 27.
55 أنساب الاشراف للبلاذري 5 / 126، ومستدرك الحاكم 4 /
481.
56 ترجمة الحكم بأُسد الغابة 2 / 34.
57 مستدرك الحاكم 4 / 479 ـ 481.