ج ـ مخاصمتها إيّاهم في سهم ذي القربى

لمّا منعوا ابنة الرسول من إرث أبيها بحديث أبي بكر، طالبتهم بسهم ذي القربى كما روى أبو بكر الجوهريّ ذلك في ثلاث روايات:

1 ـ عن أنس بن مالك أنّ فاطمة (س) أتت أبا بكر فقالت: لقد علمت الّذي ظلمتنا أهل البيت من الصدقات(1) وما أفاء اللّه علينا من الغنائم في القرآن الكريم من سهم ذوي القربى. ثمّ قرأت عليه قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَي‌ْء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى. .)(2)، فقال لها أبو بكر: بأبي أنتِ وأُمّي ووالد ولدك، السمع والطاعة لكتاب اللّه ولحقّ رسول اللّه (ص) وحقّ قرابته، وأنا أقرأ من كتاب اللّه الّذي تقرئين منه، ولم يبلغ علمي منه أنّ هذا السهم من الخمس مسلّم إليكم كاملاً، قالت: أفلك هو ولاقربائك؟ قال: لا، بل أُنفق عليكم منه وأصرف الباقي في مصالح المسلمين، قالت: ليس هذا حكم اللّه... الحديث.

2 ـ عن عروة قال: أرادت فاطمة أبا بكر على فدك وسهم ذوي القربى فأبى عليها وجعلها في مال اللّه تعالى.

3 ـ عن الحسن بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب (ع) أنّ أبا بكر منع فاطمة وبني هاشم سهم ذوي القربى، وجعله في سبيل اللّه، في السلاح والكراع(3).

وفي كنز العمال عن أُمّ هاني قالت: انّ فاطمة أتت أبا بكر تسأله سهم ذوي القربى، فقال لها أبو بكر: سمعت رسول اللّه يقول: ((سهم ذوي القربى لهم في حياتي وليس لهم بعد موتي))(4).

وفي رواية أُخرى لاُمّ هاني جمعت في الذكر بين مخاصمتها إيّاهم في الارث ومخاصمتها في سهم ذوي القربى كما يأتي:

وفي فتوح البلدان، وطبقات ابن سعد، وتاريخ الاسلام للذهبي، وشرح النهج واللفظ للاوّل، عن أُمّ هاني قالت: إنّ فاطمة بنت رسول اللّه أتت أبا بكر (رض) فقالت:

من يرثك إذا متّ؟

قال: ولدي وأهلي.

قالت: فما بالك ورثت رسول اللّه دوننا!؟

قال: يا بنت رسول اللّه! ما ورثت أباك ذهبا ولا فضّة.

فقالت: سهمنا بخيبر و((صدقتنا))(5) فدك.

ولفظ طبقات ابن سعد: ((قال: ما ورثت أباك أرضا ولا ذهبا ولا فضّة ولا غلاما ولا مالاً)).

قالت: فسهم اللّه(6) الّذي جعله لنا وصافيتنا بيدك.

قال: يا بنت رسول اللّه! سمعت رسول اللّه يقول: ((إنّما هي طعمة اطعمني اللّه حياتي فإذا متّ فهي بين المسلمين))(7). وفي لفظ ابن أبي الحديد وتاريخ الاسلام للذهبي:

قال: ما فعلت يا بنت رسول اللّه (ص) .

فقالت: بلى، إنّك عمدت إلى فدك وكانت صافية لرسول اللّه (ص) فأخذتها، وعمدت إلى ما أنزل اللّه من السماء فرفعته عنّا!

فقال: يا بنت رسول اللّه! لم أفعل، حدّثني رسول اللّه (ص) أنّ اللّه تعالى يطعم النبيّ (ص) الطعمة ما كان حيّا فإذا قبضه إليه رفعت.

فقالت: أنت ورسول اللّه أعلم، ما أنا بسائلتك بعد مجلسي، ثمّ انصرفت.

تقصد من سهم اللّه سهامهم من الخمس، ومن الصافية صوافي رسول اللّه، ومن قولها ((عمدت إلى ما أنزل اللّه من السماء فرفعته عنّا)) سهم ذوي القربى الّذي نزل في القرآن وحكم الارث الّذي يعمّ المسلمين كافّة رسول اللّه ومن عداه.

وذكرت بعض الروايات أنّ العباس اشترك معها في مطالبة إرث الرسول مثل ما رواه ابن سعد في طبقاته، وتابعه المتّقي في كنز العمّال واللفظ للاوّل قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر تطلب ميراثها، وجاء العباس بن عبدالمطلب يطلب ميراثه، وجاء معه علي فقال أبو بكر: قال رسول اللّه: ((لانورث، ما تركناه صدقة)) وما كان النبيّ يعول فعلي. فقال عليّ: (وَوَرِثَ سُلَيمَـانُ دَاود) وقال: (يَرِثُنِي وَيَرِث مِن آل يَعْقُوب).

قال أبو بكر: هو هكذا وأنت واللّه تعلم مثل ما أعلم.

فقال عليّ: هذا كتاب اللّه ينطق! فسكتوا وانصرفوا(8).

نرى في هذه الرواية وهما من الرواة وأنّ العباس لم يأت مع علي ليطلبا إرثا، وإنّما جاءا ليعينا فاطمة. ولعلّ العباس طالب بسهمه من الخمس، فالتبس الامر على الرواة، وذكروا أنّه جاء يطلب الميراث.

*             *              *

لمّا أدلت فاطمة بكلّ ما لديها من دليل وشهود وأبى أبو بكر أن يقبل منها ويعطيها شيئا من تركة الرسول ومنحته، رأت أن تبسط الخصومة على ملأ من المسلمين، وتستنصر أصحاب أبيها، فذهبت إلى مسجده كما رواه المحدِّثون والمؤرِّخون.

في سقيفة أبي بكر الجوهري برواية ابن أبي الحديد وبلاغات النِّساء لاحمد بن أبي طاهر البغدادي واللفظ للاوّل: لمّا بلغ فاطمة إجماع أبي بكر على منعها فدكاً، لاثت خمارها على رأسها، واشتملت جلبابها، وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول اللّه (ص) حتّى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والانصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة ثمّ أنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء وارتجّ المجلس، ثمّ أمهلت هنيئة حتّى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم، افتتحت كلامها بالحمد للّه عزّ وجلّ والثناء عليه، والصّلاة على رسول اللّه، ثمّ قالت: أنا فاطمة ابنة محمّد، أقول عودا على بدء: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنّتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) فإن تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم وأخا ابن عمّي دون رجالكم، ثمّ استرسلت في خطبتها إلى قولها:

ثمّ أنتم الان، تزعمون أن لا إرث لنا (أَفحكم الجَاهِليَّة يَبغون وَمَن أَحْسَن مِنَ اللّه حكماً لِقوم يُوقِنُون)، يا ابن أبي قحافة! أترِثُ أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريّا فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم اللّه والزعيم محمّد(ص) والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون. ثمّ انكفأت إلى قبر أبيها(ص) تقول:

قد كان بعدك أنباء وهنبثة... الابيات(9).

قال: ولم ير الناس أكثر باك ولا باكية منهم يومئذ، ثمّ عدلت إلى مسجد الانصار، فقالت:

يا معشر البقيّة وأعضاء الملّة وحضنة الاسلام! ما هذه الفترة عن نصرتي، والونية عن معونتي، والغمزة في حقّي، والسنة عن ظلامتي؟! أما كان رسول اللّه (ص) يقول: ((المرء يحفظ في ولده))؟ سرعان ما أحدثتم وعجلان ما أتيتم، ألاِ ن مات رسول اللّه (ص) أمتُّم دينه!؟ ها، إنّ موته لعمري خطب جليل، استوسع وهنه، واستبهم فتقه، وفقد راتقه، وأظلمت الارض له، وخشعت الجبال، وأكدت الامال، أُضيع بعده الحريم، وهتكت الحرمة، وأُزيلت المصونة، وتلك نازلة أعلن بها كتاب اللّه قبل موته، وأنبأكم بها قبل وفاته، فقال: (وَمَا مُحمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ).

إيها بني قيلة اهتضم تراث أبي وأنتم بمرأى ومسمع تبلغكم الدعوة، ويشملكم الصوت، وفيكم العدّة والعدد، ولكم الدار والجنن، وأنتم نخبة اللّه الّتي انتخب، وخيرته الّتي اختار، باديتم العرب، وبادهتم الاُمور، وكافحتم البهم، حتّى دارت بكم رحى الاسلام، ودرّ حلبه وخبت نيران الحراب، وسكنت فورة الشرك، وهدأت دعوة الهرج واستوثق نظام الدين، أفتأخرتم بعد الاقدام؟! ونكصتم بعد الشدّة، وجبنتم بعد الشجاعة عن قوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم (ققاتلوا أئمّة الكفر إنّهم لا أيمان لهم لعلّهم ينتهون).

ألا وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وركنتم إلى الدعة، فجحدتم الّذي وعيتم ودسعتم الّذي سوغتم، وإن تكفروا أنتم ومن في الارض جميعا فإنّ اللّه لغنيّ حميد. ألا وقد قلت لكم ما قلت على معرفة منّي بالخذلة الّتي خامرتكم، وخور القناة وضعف اليقين، فدونكموها فاحتووها مدبرة الظهر، ناقبة الخفّ، باقية العار، موسومة الشعار، موصولة بنار اللّه الموقدة الّتي تطلع على الافئدة، فبعين اللّه ما تعملون، (وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون).

قال: وحدّثني محمّد بن زكريا، قال: حدثنا محمّد بن الضحاك، قال: حدثنا هشام ابن محمّد، عن عوانة بن الحكم، قال: لمّا كلّمت فاطمة (ع) أبا بكر بما كلمته به، حمد اللّه أبو بكر وأثنى عليه وصلّى على رسوله ثمّ قال: يا خيرة النِّساء وابنة خير الاباء! واللّه ما عدوت رأي رسول اللّه (ص) ، وما عملت إلاّ بأمره، وإنّ الرائد لايكذب أهله، وقد قلتِ فأبلغتِ وأغلظتِ فأهجرتِ فغفر اللّه لنا ولكِ، أمّا بعد فقد دفعت آلة رسول اللّه ودابّته وحذاءه إلى علي (ع) ، وأمّا ما سوى ذلك فإنّي سمعت رسول اللّه(ص) يقول: ((إنّا معشر الانبياء لانورث ذهبا ولا فضّة ولا أرضا ولا عقارا ولا دارا، ولكنّا نورث الايمان والحكمة والعلم والسنّة)) فقد عملت بما أمرني ونصحت له، وما توفيقي إلاّ باللّه عليه توكلت وإليه أُنيب.

وفي رواية بلاغات النِّساء: ثمّ قالت: أيُّها الناس! أنا فاطمة وأبي محمّد(ص) أقولها عودا على بدء لقد جاءكم رسول من أنفسكم... ثمّ ساق الكلام على مثل ما أوردناه إلى قوله:

ثمّ قالت: أفعلى عمدٍ تركتم كتاب اللّه ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول اللّه تبارك وتعالى: (وَوَرِثَ سُلَيمَـانُ دَاودَ)، وقال اللّه عزّ وجلّ في ما قصّ من خبر يحيى بن زكريّا: (رَبّ هَب لِي مِن لَدُنكَ وَلِيّا يَرثني وَيَرِث مِن آل يَعْقُوب)، وقال عزّ ذكره: (وَأُولُو الاْ َرْحَام بَعْضُهم أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّه)، وقال: (يُوصِيكُم اللّه فِي أَولاَدِكُم لِلذكرِ مثلُ حَظِّ الانثيين)، وقال: (إِن تَرَكَ خَيرا الوَصِيَّة لِلوَالِدَين وَالاْ َقْرَبِين بِالمَعْروفِ حَقّا عَلَى المُتَّقِين)، وزعمتم أن لا حقّ ولا إرث لي من أبي ولا رحم بيننا أفخصّكم اللّه بآية أخرج نبيّه (ص) منها؟ أم تقولون: أهل ملّتين لايتوارثون؟ أوَلَست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة؟ لعلّكم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من النبيّ (ص) (أفحكم الجَاهِليَّة يَبغُون)...(10).

قال ابن أبي الحديد: وحديث فدك وحضور فاطمة عند أبي بكر كان بعد عشرة أيّام من وفاة رسول اللّه (ص) ، والصحيح أنّه لم ينطق أحد بعد ذلك من الناس من ذكر أو أُنثى بعد عود فاطمة (ع) من ذلك المجلس بكلمة واحدة في الميراث(11).

 


 

لعل المقصود بالصدقات منها بعض الحوائط السبعة الّتي ذكر في بعض الروايات أنّ الرسول تصدق بها.

الانفال / 41.

الروايات الثلاث في شرح النهج 4 / 81، والرواية الاُولى في تاريخ الاسلام للذهبي 1 / 347.

رواية أُمّ هاني الاُولى بكنز العمال 5 / 367، كتاب الخلافة مع الامارة، قسم الافعال، أُمّ هاني بنت أبي طالب أسلمت عام الفتح وماتت في خلافة معاوية، أخرج لها أصحاب الصحاح الستّة 46 حديثا. أُسد الغابة 5 / 624، وجوامع السيرة ص280، وتقريب التهذيب 2 / 625.

((صدقتنا)) تحريف والصواب ما في طبقات ابن سعد ((صافيتنا)) وذلك لان فدكاً كانت صافية لرسول اللّه قبل أن يمنحها لفاطمة.

فتوح البلدان 1 / 35 و 36، وطبقات ابن سعد 2 / 314 و 315، وشرح النهج 4 / 81، والتتمة في ص87 منه، وتاريخ الاسلام للذهبي 1 / 346.

طبقات ابن سعد 2 / 315، وكنز العمال 5 / 365، كتاب الخلافة مع الامارة من قسم الافعال.

راجع الهامش 4 من الصفحة السابقة.

شرح النهج 4 / 78 و 79، و ص93 منه. وبلاغات النِّساء ص 12 ـ 15.

10  بلاغات النِّساء ص 16 و 17.

11  شرح النهج 4 / 97.