خبر تركة الرسول وخبر شكوى فاطمة
إستولى الصحابيان الخليفتان أبو
بكر وعمر (رض) مرّة واحدة عل كلّ ما تركه الرسول من ضياع من بعده ولم يتعرّضا لشيء
ممّا أقطع منها للمسلمين عدا ما فعلا بفدك الّتي كان النبيّ قد أقطعها ابنته فاطمة
في حياته، فإنّهما استوليا عليها كما استوليا على سائر ضياع النبيّ ومن هنا نشأ
الخلاف بين فاطمة وبينهما على ذلك، وعلى إرثها من الرسول كما شرحته الروايات
الاتية:
أ ـ رواية عمر:
عن عمر: لمّا قبض رسول اللّه (ص)
جئت أنا وأبو بكر إلى عليّ فقلنا: ما تقول في ما ترك رسول اللّه (ص) ؟
قال: نحن أحقّ الناس برسول اللّه
(ص) .
قال: فقلت: والّذي بخيبر؟
قال: والّذي بخيبر.
قلت: والّذي بفدك؟
قال: والّذي بفدك.
فقلت: أما واللّه حتّى تحزّوا
رقابنا بالمناشير فلا(186).
ب ـ رواية أُمّ المؤمنين عائشة
(رض):
في صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد
وسنن أبي داود والنِّسائي وطبقات ابن سعد واللفظ للاوّل: عن أُمّ المؤمنين عائشة:
انّ فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبيّ (ص) في ما أفاء اللّه على
رسوله (ص) تطلب صدقة النبيّ الّتي بالمدينة(187)، وفدك وما بقي من خمس خيبر(188).
فقال أبو بكر: إنّ رسول اللّه (ص)
قال ((لانورث ما تركنا فهو صدقة، إنّما يأكل آل محمّد من هذا المال يعني مال اللّه
ليس لهم أن يزيدوا على المأكل)) وإنّي واللّه لا اُغيّر شيئا من صدقات النبيّ الّتي
كانت عليها في عهد النبيّ (ص) ، ولاعملنّ فيها بما عمل فيها رسول اللّه (ص)(189).
في هذا الحديث سمّى أبو بكر تركة
الرسول: ((الصدقات)) استنادا إلى الرواية الّتي رواها هو عن الرسول بأنّه قال: ((ما
تركنا صدقة))، ومنذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا سمّيت تركة الرسول بالصدقات.
أمّا قوله: ((لاعملنّ فيها بما عمل
رسول اللّه فيها)) وما هو قصده من العمل الّذي قال إنّه سيعمل فيها، فإنّه يعرف من
الحديث الاتي عن أُمّ المؤمنين عائشة:
إنّ أوّل هذا الحديث كالحديث
الماضي إلى قولها: ((... فغضبت فاطمة بنت رسول اللّه (ص) ، فهجرت أبا بكر فلم تزل
مهاجرته حتّى توفيت وعاشت بعد رسول اللّه(ص) ستّة أشهر))، قالت عائشة: فكانت فاطمة
تسأل أبا بكر نصيبها ممّا ترك رسول اللّه من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة(190). فأبى
أبو بكر عليها ذلك، وقال: لست تاركا شيئا كان رسول اللّه يعمل به إلاّ عملت به،
فإنّي أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ.
فأمّا صدقته بالمدينة فدفعها عمر
إلي عليّ وعباس، وأمّا خيبر وفدك فأمسكهما عمر وقال: هما صدقة رسول اللّه (ص) كانتا
لحقوقه الّتي تعروه ونوائبه وأمرهما إلى من ولي الامر، قال: فهما على ذلك إلى
اليوم(191).
في حديث عائشة الثاني هذا: يصرّح
الخليفة بأن ضياع رسول اللّه كانت لحقوقه الّتي تعروه ونوائبه وأمرهما إلى من ولي
الامر من بعده، إذاً فهو الّذي ينفق منها لحقوقه الّتي تعروه ونوائبه وهذا هو معنى
قول الخليفة في الحديث الاوّل: لاعملنّ فيها بما عمل فيها رسول اللّه أي لاُنفقنّ
منها لحقوقي الّتي تعروني ونوائبي.
وإلى هذا ـ أيضا ـ يشير في حديث
عائشة الثالث الاتي في صحيح البخاري ومسلم عن عائشة: أنّ فاطمة (س) بنت النبيّ (ص)
أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه ممّا أفاء اللّه عليه بالمدينة وفدك
وما بقي من خمس خيبر(192) فقال أبو بكر: إنّ رسول اللّه قال: ((لانورث ما تركنا
صدقة، إنّما يأكل آل محمّد (ص) في هذا المال))، وانّي لا أُغيّر شيئا من صدقة رسول
اللّه (ص) عن حالها الّتي كانت عليها في عهد رسول اللّه (ص) ، ولاعملنّ فيها بما
عمل به رسول اللّه (ص) فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا، فوجدت فاطمة على
أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت، وعاشت بعد النبيّ ستّة أشهر فلمّا
توفيت دفنها زوجها عليّ ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر وصلّى عليها، وكان لعليّ من
الناس وجه حياة فاطمة فلمّا توفّيت استنكر عليّ وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر
ومبايعته ولم يكن بايع تلك الاشهر... الحديث(193).
إقتصرت أُمّ المؤمنين عائشة في
ذكرها مورد نزاع فاطمة مع أبي بكر في أحاديثها المطوّلة بذكر مطالبتها إيّاهم إرث
أبيها الرسول بينما كانت خصومتها معهم في ثلاثة أُمور:
أ ـ مطالبتها إيّاهم بمنحة
الرسول، ب ـ مخاصمتها إيّاهم في إرث الرسول، جـمخاصمتها إيّاهم في سهم ذي القربى.
وفي ما يلي بيان ذلك:
-186
مجمع الزوائد 9 / 39، باب ((في ما تركه الرسول (ص) )) عن الطبراني في الاوسط.
-187
تقصد من صدقته بالمدينة الحوائط السبعة اللاّتي وهبها مخيريق للنبيّ كما شرحناه.
-188
تقصد بما بقي من خمس خيبر: أن رسول اللّه أقطع شيئا من سهمه من الخمس إلى بعض
صحابته فما بقي من خمس خيبر يعني ما عدا ما أقطع.
-189
صحيح البخاري 2 / 200، باب مناقب قرابة رسول اللّه من كتاب المناقب و سنن أبي داود
2 / 49، كتاب الخراج، باب صفايا رسول اللّه، وسنن النِّسائي 2 / 179، باب قسم الفي
ومسند أحمد 1 / 6 و 9، وطبقات ابن سعد 2 / 315، و ج8 منه ص28، ومنتخب الكنز، باب
ما يتعلّق بميراثه، 3 / 128.
-190
صحيح البخاري 2 / 124، باب فرض الخمس من كتاب الخمس، وصحيح مسلم، الحديث 54 من كتاب
الجهاد، وراجع تاريخ الاسلام للذهبي 1 / 346، وتاريخ ابن كثير 7 / 285، باب ((بيان
أنّه (ع) قال لانورث))، وسنن البيهقي 6 / 300، ومسند أحمد 1 / 6، وطبقات ابن سعد 8
/ 18.
-191
راجع الهامش 195 من الصفحة السابقة.
-192
راجع الهامش 195 من الصفحة السابقة .
-193
صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب قول النبيّ لانورث، الحديث 52، ص1380، والبخاري
3/ 38، باب غزوة خيبر، وسنن البيهقي 6 / 300، ومشكل الاثار 1 / 47.