بيان ما تملكه الرسول ومنشأه:
أ ـ وصيّة مخيريق:
كان مخيريق أيسر بني قينقاع، وكان من أحبار اليهود وعلمائهم بالتوراة
(137)، وعندما
هاجر رسول اللّه إلى المدينة، ونزل قبا في أوّل الامر، أتى إليه مخيريق وأسلم(138).
وفي يوم أُحد خاطب قومه وقال: ((يا
معشر اليهود! واللّه إنّكم لتعلمون أنّ محمّدا نبيّ وأنّ نصره عليكم لحقّ)).
قالوا: إنّ اليوم يوم السبت!
قال: لا سبت، ثمّ أخذ سلاحه ثمّ
حضر مع النبيّ (ص) فأصابه القتل، فقال رسول اللّه: ((مخيريق خير يهود)) وقد كان
مخيريق حين خرج إلى أُحد قال: إن اُصبت فأموالي لمحمّد(139).
وكانت أمواله حوائط سبعة وهي:
الاعواف والصافية والدلال والميثب وبرقة وحسنى ومشربة أُمّ إبراهيم الّتي كانت
تسكنها مارية جارية النبيّ(140).
وتفصيل قصّة هذه الحوائط في وفاء
الوفا
(141)، وكتابي الاحكام السلطانية للماوردي ولابي يعلى(142)، والاكتفاء(143).
وروى السمهودي عن الواقدي: انّ
النبيّ وقف الاعواف وبرقة وميثب والدلال وحسنى ومشربة أُمّ إبراهيم سنة سبع من
الهجرة(144).
ب ـ ما وهب الانصار من أرضهم
للنبي: عن ابن عباس،
قال: إنّ رسول اللّه لمّا قدم المدينة جعلوا له كلّ أرض لايبلغها الماء يصنع بها ما
يشاء(145).
ج ـ أرض بني النضير:
لمّا قدم اليهود المدينة نزل بنو النضير بطحان من العالية، وبنو قريظة مهزورا منها
وهما واديان يهبطان من حرّة هناك، وكانت تنصبّ منها مياه عذبة
(146) ولمّا أفاء
اللّه على رسوله هذه الارض قال له عمر: ألا تخمّس ما أصبت؟
فقال له الرسول: ((لا أجعل شيئا
جعله اللّه لي دون المسلمين بقوله تعالى (مَا أَفَاء اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ...)
كهيئة ما وقع فيه السهمان للمسلمين))(147).
وأجمع علماء السير(148)
والحديث
(149) والتفسير
(150) على أنّ أرض بني النضير
(151) كانت خالصة لرسول اللّه،
صافية له، يتصرّف فيها تصرّف الملاّك في أملاكهم، ينفق منها على أهل بيته، ولما
ينتابه، ويهب منها ما يشاء لمن يشاء. أقطع منها أبا بكر وعبدالرّحمن بن عوف وأبا
دجانة سماك بن خرشة الساعدي وآخرين وكان ذلك في سنة أربع من الهجرة(152).
د ـ أراضي خيبر:
خيبر على ثمانية برد من المدينة لمن يريد الشام، ويطلق هذا الاسم على الولاية،
وكانت تشتمل على سبعة حصون منيعة أو ثمانية
(153)، ومزارع ونخل كثير
(154) يقطنها
عتاة اليهود وقد تحالفوا مع القبائل العربية.
قصدهم رسول اللّه (ص) بعد عودته من
الحديبيّة في صفر سنة سبع أو هلال ربيع الاوّل منها(155).
ولم يأذن لاحد تخلّف عن الحديبيّة
أن يشهد معه خيبر إلاّ جابر بن عبد بن حرام الانصاري(156)، وكانوا قد تخلّفوا عنه
في الحديبيّة وأرجفوا بالمسلمين(157).
حاصر النبيّ اليهود في حصونهم
بخيبر قريبا من شهر، وكانوا يخرجون كلّ يوم عشرة آلاف مقاتل(158) ففتح بعضها عنوة
وبعضها صلحا
(159)، فخمّس ما أخذها عنوة، وقسم أربعة أخماسها بين المسلمين ممّن كان
شهد خيبر من أهل الحديبيّة
(160). ولمّا لم يكن له من العمّال من يكفيه عمل الارض،
دفعها إلى اليهود يعملونها على نصف ما خرج منها(161).
قالوا: قسّم النبيّ خيبر على 36
سهما، وجعل كل سهم مائة سهم: لرسول اللّه 18 سهما، و18 سهما للمسلمين اقتسموها
بينهم ولرسول اللّه مثل سهم أحدهم(162).
وقالوا: قسم سهما المسلمين بين من
حضر الحديبيّة، ومن قدم مع جعفر ابن أبي طالب من أرض الحبشة(163).
قالوا: وكان سهم الخمس منها،
الكتيبة، وكان الشقّ والنطاة وسلالم والوطيح للمسلمين فأقرّها بيد يهود على الشطر،
ويقسّم ما يخرج اللّه منها بين المسلمين حتّى كان عمر، فقسّم رقبة الارض بينهم على
سهامهم(164).
وفي سيرة ابن هشام والاكتفاء
وغيرهما واللفظ للاوّل: كانت الكتيبة خمس اللّه وسهم النبي وسهم ذوي القربى
والمساكين وطعم أزواج النبيّ وطعم رجال مشوا بين رسول اللّه وأهل فدك بالصلح(165).
وفي فتوح البلدان: وجعل لازواج
النبيّ فيها نصيبا وقال: ((أيّتكنّ شاءت أخذت الثمرة، وأيّتكنّ شاءت أخذت الضيعة
لها ولورثتها))
(166).
وقد جاء في مغازي الواقدي تسمية
سهمان الكتيبة بتفصيل واف(167).
وفي وفاء الوفا: انّ أهل الوطيح
وسلالم صالحوا عليها النبيّ (ص) ، فكان ذلك له خاصّة وخرجت الكتيبة في الخمس وهي
ممّا يلي الوطيح والسلالم فجمعت شيئا واحدا، فكانت ممّا ترك رسول اللّه من
صدقاته(168)، وهو يقتضي أنّ بعض خيبر فتح عنوة وبعضها صلحا. وبه يجمع بين الروايات
المختلفات في ذلك(169).
وقال القاضيان الماوردي وأبو يعلى:
((وملك من هذه الحصون الثمانية ثلاثة حصون: الكتيبة والوطيح والسلالم. أمّا الكتيبة
فأخذها بخمس الغنيمة، وأمّا الوطيح والسلالم فهما ممّا أفاء اللّه عليه لانّه
فتحهما صلحا فصارت هذه الحصون الثلاثة بالفيء والخمس خالصة لرسول اللّه (ص)
))(170).
قال المؤلف: يؤيّد ما ذكروا أنّ
سهام رسول اللّه في خيبر كانت 18 سهما، وهي مثل مجموع سهام سائر الغزاة في خيبر،
وهذا يقتضي أن يكون قسم من خيبر ممّا أفاء اللّه على رسوله بلا إيجاف خيل ولا ركاب،
وأنّ ذلك اُضيف إلى سهم الخمس ممّا فتح منها عنوة وبذلك صار مجموع سهام النبي
مساويا لمجموع سهام
المسلمين منها.
ه ـ فدك:
قال ياقوت: فدك قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان وقيل ثلاثة، وفيها عين
فوّارة ونخيل كثير(171).
بعث رسول اللّه (ص) إلى أهل فدك
وهو بخيبر أو منصرفه منه يدعوهم إلى الاسلام فأبوا(172). فلمّا فرغ رسول اللّه (ص)
من خيبر، قذف اللّه الرُّعب في قلوبهم فبعثوا إلى رسول اللّه (ص) يصالحونه على
النصف فقبل ذلك منهم(173).
وفي الاموال لابي عبيد: كان أهل
فدك قد أرسلوا إلى رسول اللّه (ص) فبايعوه على أن لهم رقابهم ونصف أراضيهم ونخلهم،
ولرسول اللّه شطر أراضيهم ونخلهم(174).
وفي فتوح البلدان: فكان نصف فدك
خالصا لرسول اللّه، لانّه لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب وكان يصرف ما يأتيه
منها(175).
وفي شواهد التنزيل للحسكانيّ،
وميزان الاعتدال للذهبيّ، ومجمع الزوائد للهيثمي، والدرّ المنثور للسيوطي، ومنتخب
كنز العمال، واللفظ للاوّل عن أبي سعيد الخدري: لمّا نزلت (وَآت ذَاالْقُرْبَى
حَقَّه) دعا النبيّ فاطمة وأعطاها فدكاً(176).
وفي تفسير الاية (38) من سورة
الروم عن ابن عباس كذلك(177).
و ـ وادي القرى: وادي القرى وادٍ
بين المدينة والشام، ما بين تيماء وخيبر، وتيماء بليد بأطراف الشام(178).
وسمّي وادي القرى، لانّ الوادي من
أوّله إلى آخره قرى منظومة، وفيه قرى كثيرة على طريق حاج الشام وكان اليهود
يسكنونها(179).
-137
طبقات ابن سعد 1 / 502.
-138
إمتاع الاسماع ص46.
-139
مغازي الواقدي ص 262 و 263، وإمتاع الاسماع ص146، والاصابة 3 / 373.
-140
طبقات ابن سعد 1 / 501 ـ 503، ومادّة ((ميثب)) من معجم البلدان. والحوائط جمع
الحائط: البستان المسيج. والمشربة: الغرفة. وجارية النبي مارية القبطية أهداها
المقوقس صاحب الاسكندرية إلى النبيّ فأسكنها في أحد الحوائط السبعة وولدت لرسول
اللّه ابنه إبراهيم في ذي الحجّة سنة ثمان من الهجرة، وتوفي بعد ستّة أو ثمانية عشر
شهرا ودفنه الرسول بالبقيع. أُسد الغابة 1 / 38. وتوفيت مارية سنة ست عشرة. أُسد
الغابة 5 / 543، ووفاء الوفا 1128 و 1190.
-141
وفأ الوفا ص 944 ـ 988.
-142
كتاب الاحكام السلطانية: للماوردي ص169، ولابي يعلى ص183.
-143
الاكتفاء 2 / 103.
-144
وفاء الوفا ص989. وفي البحار 8 / 108 عن أبي الحسن الرضا: ((ان رسول اللّه خلف
حيطانا بالمدينة صدقة)).
-145
الاموال لابي عبيد ص282، باب الاقطاع من كتاب أحكام الارضين.
-146
معجم البلدان، مادّة ((بطحان)) بضم أوّله أو فتحه وسكون ثانيه، وراجع ((البويرة))
منه.
-147
راجع بحث الفي من هذا الكتاب.
-148
معازي الواقدي ص 363 ـ 378، وإمتاع الاسماع للمقريزي ص 178 ـ 182.
-149
سنن أبي داود 3 / 48، كتاب الخراج، والنِّسائي، باب قسم الفي 2
/ 178، وشرح النهج 4 / 78.
-150
تفسير سورة الحشر بتفسير الطبري 28 / 24 و 25، والنيسابوري بهامش الطبري 28 / 38،
والدرّ المنثور 6 / 192.
-151
في كتابي الاحكام السلطانية للماوردي ص 169 ، ولابي يعلى ص 183 : إلاّ ما كان
ليامين بن عمير وأبي سعد بن وهب فإنّهما أسلما قبل الظفر فأحرز لهما إسلامهما جميع
أموالهما .
-152
فتوح البلدان للبلاذري 1 / 18 ـ 22.
-153
في كتابي الاحكام السلطانية للماوردي ص169، ولابي يعلى ص184.
-154
مادّة خيبر من معجم البلدان، وفيها أن خيبر بلسان اليهود الحصن وسميت خيابر لانّها
كانت تشتمل على عدّة حصون.
-155
مغازي الواقدي ص634.
-156
مغازي الواقدي ص634.
-157
الدرّ المنثور للسيوطي 6 / 192.
-158
مغازي الواقدي ص637.
-159
وفاء الوفا ص1210.
-160
فتوح البلدان للبلاذري 1 / 31.
-161
فتوح البلدان 1 / 26 ـ 28. وفي مغازي الواقدي ص 688 ـ 699: لمّا توفي أبو بكر (رض)
كان وُلْدُهُ ورثته يأخذون طعمته من خيبر مائة وسق في خلافة عمر وعثمان ـ إلى قوله
ـ حتّى كان زمن عبدالملك أو بعده فقطع.
-162
فتوح البلدان 1 / 29. والاموال لابي عبيد ص56.
-163
فتوح البلدان 28 ـ 32.
-164
فتوح البلدان 1 / 28.
-165
سيرة ابن هشام 2 / 404، والاكتفاء في مغازي رسول اللّه، والثلاثة الخلفاء 2 / 268،
وراجع مغازي الواقدي ص 692 و 693، وإمتاع الاسماع ص329.
-166
فتوح البلدان 1 / 32.
-167
مغازي الواقدي ص693، وراجع فتوح البلاذري 1 / 27 وطبعة أُخرى 1 / 33.
-168
إصطلحوا كما ذكرنا على تسمية كل ما ترك رسول اللّه من ضياع بالصدقة أخذا برواية أبي
بكر عن النبيّ ((ما تركنا صدقة)).
-169
وفاء الوفا ص1210، وراجع سيرة ابن هشام.
-170
في كتابي الاحكام السلطانية للماوردي ص170، ولابي يعلى ص 184 و 185، وراجع الاموال
لابي عبيد ص56.
-171
بمادّة ((فدك)) من معجم البلدان.
-172
فتوح البلدان 1 / 31 و 32 ـ 34 منه، وكتابا الاحكام السلطانية للماوردي ص170، ولابي
يعلى ص185.
-173
سيرة ابن هشام 3 / 408، والاكتفاء 2 / 259، وراجع مغازي الواقدي ص 706 و 707،
وإمتاع الاسماع ص331، وشرح النهج 4 / 78.
-174
الاموال لابي عبيد ص9.
-175
فتوح البلدان للبلاذري 1 / 41، ط. دار النشر للجامعيين، بيروت، 1957م.
-176
بتفسير الاية 26 من سورة بني إسرائيل في شواهد التنزيل 1 / 338 ـ 341 بسبعة طرق،
والدرّ المنثور 4 / 177، وميزان الاعتدال 2 / 228 ط. الاُولى، وكنز العمال 2 / 158
ط. الاُولى ومنتخبه 2 / 158، ومجمع الزوائد 7 / 49، والكشاف 2 / 446، وتاريخ ابن
كثير 3 / 36.
-177
شواهد التنزيل للحسكاني 1 / 443.
-178
بمادّة ((تيماء)) من معجم البلدان.
-179
مادّة ((القرى)) و((وادي القرى)) من معجم البلدان.