تحريم الصدقة على الرسول وذوي قرباه

إنّ الاحاديث في ذلك كثيرة، منها ما رواه مسلم في صحيحه: أنّ النبيّ (ص) كان إذا اُتي بطعام سأل عنه فإن قيل هدية أكل منها وإن قيل صدقة لم يأكل منها(125).

ومنها ما رواه مسلم والبخاري في صحيحيهما، وأبو داود والدارمي في السنن:

انّ النبيّ مرّ بتمرة بالطريق فقال: ((لولا أن تكون من الصدقة لاكلتها))، وأنّ الحسن ابن علي أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول اللّه: كخ كخ إرم بها، أمّا علمت أنا لا نأكل الصدقة.

وفي رواية ((أنا لا تحلّ لنا الصدقة))(126).

وكان الرسول (ص) يأبى أن يستعمل بني هاشم على الصدقات، فينتفعوا من سهم العاملين عليها كما رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنِّسائي والترمذي وأبو عبيد وغيرهم واللّفظ للاوّل، قال:

اجتمع ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، والعباس بن عبدالمطلب، فقالا: واللّه لو بعثنا هذين الغلامين ((لعبدالمطلب بن ربيعة(127) والفضل بن عباس)) إلى رسول اللّه(ص) فكلّماه فأمّرهما على هذه الصدقات، فأدّيا ما يؤدّي الناس، وأصابا ممّا يصيب الناس. قال: فبينا هما في ذلك جاء عليّ بن أبي طالب فوقف عليهما فذكرا له ذلك فقال عليّ بن أبي طالب: لاتفعلا فواللّه ما هو بفاعل، فانتحاه ربيعة(128) بن الحارث فقال: واللّه ما تصنع هذا إلاّ نفاسة منك علينا، فواللّه لقد نلت صهر رسول اللّه(ص) فما نفسناه عليك، قال عليّ: أرسلوهما فانطلقا، واضطجع عليّ.

وفي رواية: فألقى عليّ رداءه ثمّ اضطجع عليه وقال: أنا أبوالحسن القرم، واللّه لا اُريم مكاني حتّى يرجع إليكما ابناكما بحور ما بعثتما به.

قال عبدالمطلب: فلمّا صلّى رسول اللّه (ص) الظهر سبقناه إلى الحجرة فقمنا عندها حتّى جاء فأخذ بآذاننا ثمّ قال: ((أخرجا ما تصرّران))، ثمّ دخل ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بنت جحش، قال: فتواكلنا الكلام ثمّ تكلّم أحدنا فقال: يا رسول اللّه! أنت أبرّ الناس وأوصل الناس وقد بلغنا النكاح فجئنا لتؤمّرنا على بعض هذه الصدقات فنؤدّي إليك كما يؤدّي الناس، ونصيب كما يصيبون، قال: فسكت طويلاً حتّى أردنا أن نكلّمه ـ وجعلت زينب تُلْمِعُ علينا من وراء الحجاب أن لا تكلّماه ـ ثمّ قال: ((إنّ الصدقة لاتنبغي لال محمّد، انّما هي أوساخ الناس، أُدعوا لي محميّة ـ وكان على الخمس ـ ونوفل بن الحارث بن عبدالمطلب)) قال: فجاءاه، فقال لمحميّة: ((أنكح هذا الغلام ابنتك)) للفضل بن عباس، وقال لنوفل بن الحارث: ((أنكح هذا الغلام ابنتك)) لي، فأنكحني، وقال لمحميّة: أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا(129).

هكذا أبى الرسول أن يستعمل واحدا من بني هاشم على الصدقات. ومن ثمّ نعرف خطأ من توهم أنّ الرسول بعث عليّا إلى اليمن مصدّقا، والصواب ما قاله ابن قيم الجوزية(130) في: ((فصل في أُمرائه)) من كتاب زاد المعاد قال: ((وولي عليّ بن أبي طالب الاخماس باليمن والقضاء بها)).

وقال قبله في: ((فصل في كتبه ورسله (ص) إلى الملوك)): وبعث أبا موسى الاشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن عند انصرافه من تبوك وقيل: بل سنة عشر من ربيع الاوّل داعيين إلى الاسلام، فأسلم عامّة أهلها طوعا من غير قتال. ثمّ بعث بعد ذلك عليّ بن أبي طالب إليهم ووافاهم بمكّة في حجّة الوداع(131).

ولعلّ سبب الوهم عند بعضهم ما أصبح بعد الرسول وبعد إسقاط الخلفاء فريضة الخمس كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى، فإنّه لم يبق ما يجبى من المسلمين غير الصدقات الواجبة، فحسب أُولئك عصر الرسول مثل عصورهم ومن هنا نشأ الوهم عندهم أنّ الرسول بعث عليّا مصدِّقاً، وقد فاتهم أنّ الرسول كان يمنع مولاه من مشاركة المصدّق في عمله فكيف بابن عمّه وأبي عترته؟

كما رواه أبو داود والنِّسائي والترمذي في سننهم، قالوا:

إنّ النبيّ بعث رجلاً على الصدقة من بني مخزوم ـ قال الترمذي: اسمه الارقم بن أبي الارقم ـ فقال لابي رافع: أصحبني كي ما تصيب منها.

قال: لا حتّى آتي رسول اللّه فأسأله.

فانطلق إلى النبيّ فسأله فقال: مولى القوم من أنفسهم وإنّا ((لا تحلّ لنا الصدقة))(132).

هكذا منع النبيّ أبا رافع أن يصاحب المصدّق فيصيب من سهم العاملين على الصدقة لانّه مولاه، وكذلك فعل أئمّة أهل البيت بعد الرسول فإنّهم امتنعوا من أخذها ومنعوا بني هاشم كافّة عنها.

في دعائم الاسلام: أنّ الامام جعفر بن محمّد الصادق لمّا قيل له: فإذا منعتم الخمس هل تحلّ لكم الصدقة؟

قال: لا، واللّه ما يحلّ لنا ما حرّم اللّه علينا بغصب الظالمين حقّنا، وليس منعهم إيّانا ما أحلّ اللّه لنا بمحلّ لنا ما حرّم اللّه علينا(133).

وفي الخصال عن الصادق عن أبيه (ع) قال: لا تحلّ الصدقة لبني هاشم إلاّ في وجهين: ان كانوا عطاشى وأصابوا ماء شربوا، وصدقة بعضهم على بعض(134).

ومن هنا نعرف أنّ ما كان يقبله أئمّة أهل البيت ممّا يدفعه إليهم حكّام عصورهم من أموال بيت المال، كان من باب بعض حقّهم في الفي‌ء والانفال، وجزي رؤوس أهل الذمّة، وخمس غنائم الفتوح، وليس من باب الصدقات الواجبة كما توهّمه البعض.

أمّا المياه المسبلة للشرب، فجلّها من باب الاوقاف الّتي أوقفها أصحابها لانتفاع عامّة المسلمين، وشأنها في ذلك، شأن المنازل المشيّدة في طرق المسلمين ومساجدهم، فهي وإن كان أصحابها قد تقرّبوا إلى اللّه بإنفاقها في سبيله وبهذه المناسبة قد تسمّى بالصدقات. غير أنّها ليست من باب الصدقات على الافراد موضوع البحث كي لايصحّ ـ لغير الفقير من غير بني هاشم ـ الانتفاع بها بل هي لانتفاع المسلمين كافة سواء فيها الفقير والغني والامير والسوقة والهاشميّ وغيره، فهي لهذا خارجة عن موضع البحث.

*             *              *

 إلى هنا ذكرنا ما وجدنا في مصادر الدراسات الاسلامية من أمر الخمس، وأصحاب سهامه في عصر الرسول، وحرمة الصدقة على بني هاشم ومواليهم وامتناعهم عنها في عصره ومن بعده. أمّا ما فعل الخلفاء في فريضة الخمس وكيفيّة اجتهادهم فيه وفي حقّ ابنة الرسول خاصّة فيلزمنا أيضا لفهمها درس ما خلّفه الرسول من ضياع وعقار، ثمّ درس ما جرى عليها من قبل الخلفاء، وشكوى فاطمة منهم في أمرها وفي أمر الخمس، فإلى دراسة كلّ ذلك في ما يلي: 


 

-125  صحيح مسلم 3 / 121، باب قبول النبيّ الهدية وردّه الصدقة، ومجمع الزوائد 3 / 90.

-126  صحيح البخاري 1 / 181، باب ما يذكر في الصدقة للنبي من كتاب الزّكاة، وصحيح مسلم 3 / 117 باب تحريم الزّكاة على رسول اللّه وعلى آله، وسنن أبي داود 1 / 212، باب الصدقة على بني هاشم من كتاب الزّكاة، وسنن الدارمي 1 / 383، باب الصدقة لا تحل للنبي ولا لاهل بيته، وراجع ص373 منه، ومجمع الزوائد 3 / 89، ودعائم الاسلام ص246، والبحار 96 / 76، باب حرمة الزّكاة على بني هاشم.

-127  روى مسلم في هذا الباب من صحيحه روايتين في هذا الامر جاء في الاُولى منهما خطأ اسم ((نوفل بن الحارث)) بدلاً من ((عبدالمطلب بن ربيعة)) والتصويب من الرواية الثانية.

-128  فانتحاه ربيعة: أي عرض له وقصده. عن النووي شارح صحيح مسلم.

-129  صحيح مسلم 3 / 118، باب تحريم الزّكاة على آل النبي، ومسند أحمد 4 / 166، وسنن النِّسائي 1/ 365، باب استعمال آل النبي، وسنن أبي داود 2 / 52، كتاب الخراج والامارة، باب في بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى، ح2985، وط. دار إحياء السنّة النبويّة 3 / 147 و 148؛ والاموال لابي عبيد ص329، ومجمع الزوائد 3 / 91، وفي ترجمة عبدالمطلب بن ربيعة ونوفل بن الحارث ومحمية بأُسد الغابة، وفي تفسير العياشي 2 / 93، ومغازي الواقدي ص696.

وربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب كان أسن من عمّه العباس، وشريك عثمان في التجارة وأعطاه الرسول من خيبر مائة وسق. توفي بالمدينة سنة 23. أُسد الغابة 2 / 66.

وابنه عبدالمطلب توفي بدمشق سنة 61ه‍‍ . أُسد الغابة 3 / 331.

والفضل بن عباس، كان أكبر ولد أبيه، شهد غسل النبيّ، اختلفوا في سنة وفاته ومكان وفاته في اليرموك أو عمواس أو يوم مرج الصفر، أُسد الغابة 4/ 183، أخرج له أصحاب الصحاح الستّة 24 حديثا. تقريب التهذيب 2 / 110، وجوامع السيرة ص282.

ونوفل بن الحارث آخى الرسول بينه وبين العباس وكانا شريكين في الجاهلية. توفي بالمدينة سنة خمس عشرة، أُسد الغابة 5 / 46.

ومحمية بن جزء بن عبد يغوث الزبيدي، كان قديم الاسلام شهد غزوة المريسيع. أُسد الغابة 4 / 234.

تفسير الالفاظ من النووي شارح صحيح مسلم:

وما تصرران: أي تجمعانه في صدريكما من الكلام وكل شي‌ء جمعته فقد صررته. وتواكلنا: أي وكل أحدنا الكلام إلى صاحبه. وأَلْمَعَ ولَمَعَ أشار بثوبه أو بيده. القرم: السيِّد وقصد منه المقدم في معرفة الاُمور.  وبحور ما بعثتما به: أي بجوابه.

-130  شمس الدين أبو عبداللّه محمّد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية 691 ـ 751ه‍‍،  من تآليفه ((زاد المعاد في هدى خير العباد))، رجعنا إلى ط. الحلبي بمصر سنة 1390ه‍‍ ،  1 / 47.

-131  زاد المعاد 1 / 46، وراجع سنن أبي داود، كتاب الاقضية، باب كيف القضاء 3 / 127.

-132  سنن أبي داود 1 / 212، باب ((الصدقة على بني هاشم)) من كتاب الزّكاة، والنِّسائي 1 / 366، باب ((مولى القوم منهم)) من كتاب الزّكاة، والترمذي 3 / 159، باب ((ما جاء في كراهية الصدقة للنبيّ وأهل بيته ومواليه)) من كتاب الزّكاة، ومجمع الزوائد 3 / 90 و 91، وكنز العمال 6 / 252 ـ 256، وأمالي الطوسي 2 / 17، والبحار 96 / 57، وفي ألفاظ رواياتهم بعض الاختلاف. وسنن البيهقي 7 / 32.

وأبو الارقم، اسمه عبد مناف، وكان الارقم من السابقين إلى الاسلام واستخفى الرسول في بيته بأصل الصفا بمكّة حتّى كملوا أربعين رجلاً، شهد بدرا وما بعدها وتوفي بالمدينة سنة خمس وخمسين ودُفن بالبقيع. أُسد الغابة 1 / 59 و 60.

-133  دعائم الاسلام ص246، والبحار 96 / 76.

-134  الخصال 1 / 32، والبحار 96 / 74.