رواية واحدة تبيّن موضع الخمس في عصر الرسول:

في سنن أبي داود ومسند أحمد وتفسير الطبري وسنن النِّسائي وصحيح البخاري، واللفظ للاوّل في باب مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى من كتاب الخراج، عن جبير بن مطعم، قال:

لمّا كان يوم خيبر وضع رسول اللّه (ص) سهم ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب، وترك بني نوفل وبني عبد شمس فانطلقت أنا وعثمان بن عفّان حتّى أتينا النبيّ(ص) فقلنا: يا رسول اللّه! هؤلاء بنو هاشم لاننكر فضلهم للموضع الّذي وضعك اللّه به منهم، فما بال إخوان بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا واحدة؟ فقال

رسول اللّه (ص) :

((أنا وبني المطلب لانفترق ـ وفي رواية النِّسائي: إن بني المطلب لم يفارقوني ـ في جاهلية ولا إسلام وإنّما نحن وهم شي‌ء واحد)) وشبّك بين أصابعه(120).

وفي رواية أُخرى بمسند أحمد انّ ذلك كان في غزوة حنين(121).

وفي رواية ثالثة بسنن أبي داود وسنن النِّسائي ومسند أحمد لم تعيّن فيها الغزوة(122).

وسبب قول عثمان وجبير لرسول اللّه ما قالا، وجوابه إيّاهما بما مرّ، ان عبد مناف ولد بنين أربعة:

أ ـ هاشم واسمه عمرو.

ب ـ المطلب.

ج ـ عبد شمس.

د ـ نوفل(123).

واجمعت بنو هاشم وبنو المطلب على نصرة رسول اللّه، وحاربتهم قريش جميعا وكتبت عليهم صحيفة بمقاطعتهم، فدخلوا جميعا شِعْب أبي طالب ومكثوا فيه سنيّ المقاطعة خلافا لبني عبد شمس وبني نوفل الّذين شاركوا قريشا في أمرهم، وفي ذلك يقول ابن أبي الحديد:

وكان ممّا بطّأ ببني نوفل عن الاسلام ابطاء إخوتهم من بني عبد شمس، فلم يصحب النبيّ منهم أحد، ولا شهد مشاهده الكريمة خلافا لبني المطلب، فقد حثّهم على الاسلام فضل محبّتهم لبني هاشم لانّ أمر النبيّ كان بيّنا، وإنّما كان يمنع عنه الحسد والبغض، ومن لم يكن فيه هذه العلّة؛ لم يكن له دون الاسلام مانع، وشهد بدرا من بني المطلب بنو الحارث بن المطلب كلّهم: عبيدة وطفيل وحصين، ومسطح ابن أثاثة بن عباد بن المطلب، وقال أبو طالب لمطعم بن عدي بن نوفل في أمر النبيّ لمّا تمالات عليه قريش:

                جزى اللّه عنّا عبد شمس ونوفل

                            اجزاء مسي‌ء عاجلاً غير آجل

الابيات ـ انتهى(124).

ذكر الراوي في هذا الحديث وهو جبير بن مطعم أنّ الرسول (ص) وضع ((سهم ذي القربى)) في بني هاشم وبني المطلب، ونحن نرى أنّ الّذي شاهده الراوي في هذا الخبر، هو أنّ الرسول دفع إلى هؤلاء من سهام الخمس ولم يدفع منها إلى بني أُميّة وبني نوفل. أمّا تشخيص السهم الّذي دفع الرسول منه إلى هؤلاء، فهذا ما ذكره الراوي من عند نفسه ولم يرو أنّ الرسول قال ذلك. ومن الجائز أنّ الرسول قد أعطى بعض أُولئك من سهم اللّه وسهم رسوله، فانّ الرسول كان يضعهما حيث يشاء كما سبق ذكره، أنّه أعطى بعضهم من سهم المساكين فإنّ الصدقة كانت محرّمة على فقرائهم كما يأتي بيانه في ما يلي.

 


 

-120  رواه أبو داود في سننه 2 / 50، والطبري في تفسيره 10 / 50، وأحمد في مسنده 4 / 81، ويختلف لفظهم عن لفظ البخاري في صحيحه 3 / 36، باب غزوة خيبر، وعن لفظ النِّسائي في سننه 2 / 178، وباب قسمة الخمس من كتاب الجهاد في سنن ابن ماجة ص961، والواقدي في مغازيه ص696، وفيه: إنّ ذلك كان بإشارة جبرئيل، وأبي عبيد في الاموال ص331.

وجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف وأُمّ أُمّه أُم حبيب بنت العاص بن أُميّة وكان أبوه أحد من قام بنقض صحيفة المقاطعة. أسلم بعد الحديبية أو بعد الفتح. أُسد الغابة 1 / 281.

-121  مسند أحمد 4 / 85.

-122  سنن أبي داود 2 / 51 و 52، وسنن النِّسائي 2 / 178، ومسند أحمد 4 / 83.

-123  راجع الجمهرة لابن حزم ص14.

-124  ذكرناه باختصار من شرح النهج 3 / 486، وعبيدة ((عبيد في المتن محرف)) وطفيل وحصين أُمّهم سخيلة بنت خزاعي الثقفي، أسلم عبيدة قبل دخول النبي دار الارقم، وكان أسن من النبيّ بعشر سنين وهاجر مع أخوته وابن عمّهم مسطح إلى المدينة في وقت واحد. وفي ربيع الاوّل من السنّة الاُولى للهجرة، عقد له رسول اللّه أوّل لواء عقد وبعثه في ستّين راكبا من المهاجرين فالتقوا بالمشركين ورئيسهم أبو سفيان بثنية المرة، وبارز عبيدة عتبة الاموي ببدر فاختلفا ضربتين أثبت كلّ منهما

صاحبه فذفف علي وحمزة على عتبة وحملا عبيدة إلى رسول اللّه فوضع رأسه على ركبته، وتوفي بالصفراء مرجعهم من بدر وعمره ثلاث وستّون سنة. أُسد الغابة 3 / 356، وتوفي الطفيل سنة إحدى أو إثنتين وثلاثين، وتوفي أخوه الحصين بعده بأربعة أشهر. أُسد الغابة 3 / 52.

روى ابن الاثير بترجمة الحصين في أُسد الغابة 3 / 24 عن ابن عباس أن قوله تعالى (فَمَنج لَجتمالَح يَيْم‌تُميخ‌ثما لِنمبَرتمانزنزنزنز لَم‌بِّحتِح) الاية 110 من سورة الكهف نزلت في عليّ وحمزة وجعفر وعبيدة والطفيل والحصين بني الحارث ومسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب.

ومسطح أُمّه ابنة أبي رهم بن المطلب وأُمّ أُمّه رائطة بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر، قيل توفي سنة 37. أُسد الغابة 4 / 354.