مواضع الخمس في السنّة ولدى المسلمين:

كان يقسّم ـ الخمس _ على ستّة: للّه وللرسول سهمان وسهم لاقاربه حتّى قبض(106).

وعن أبي العالية الرياحي: كان رسول اللّه يؤتى بالغنيمة فيقسّمها على خمسة تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثمّ يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه الّذي قبض كفّه فيجعله للكعبة وهو سهم اللّه،ثمّ يقسّم ما بقي على خمسة أسهم فيكون سهم للرسول وسهم لذي القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل.

قال: والّذي جعله للكعبة هو سهم اللّه(107).

تصرّح هاتان الروايتان أنّ الخمس كان يقسّم ستّة أسهم وهذا هو الصواب لموافقته لنصّ آية الخمس. وما في رواية أبي العالية بأنّ الرسول كان يجعل سهم اللّه للكعبة، لعلّه وقع ذلك مرّة واحدة، وأرى الصواب في ذلك ما رواه عطاء بن أبي رياح قال: ((خمس اللّه وخمس رسوله واحد وكان رسول اللّه يحمل منه ويعطي منه

ويضعه حيث شاء ويصنع به ما شاء))(108).

ومثلها ما رواه ابن جرير قال: ((... أربعة أخماس لمن حضر البأس والخمس الباقي للّه ولرسوله خمسه يضعه حيث شاء وخمس لذوي القربى. . .  الحديث))(109).

الصواب في رواية أبي العالية وابن جريج ما جاء فيهما أنّ أمر سهم اللّه وسهم رسوله من الخمس كان إلى رسول اللّه يحمل منهما ويعطي منهما ويضعهما حيث شاء ويصنع بهما ما شاء. أمّا ما يفهم من الروايتين أنّ ((سهم اللّه وسهم الرسول واحد)) فإنّه يخالف ظاهر آية الخمس حيث قسم اللّه فيها الخمس إلى ستّة أسهم، إلاّ إذا قصدوا أنّ أمر السهمين واحد ولم يقصدوا أنّ السهمين سهم واحد.

وكذلك لايستقيم ما رواه قتادة إذ قال: كان نبيّ اللّه إذا غنم غنيمة جُعلت أخماسا فكان خمس للّه ولرسوله ويقسّم المسلمون ما بقي، وكان الخمس الّذي جعل للّه ولرسوله، لرسوله ولذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. فكان هذا الخمس خمسة أخماس، خمس للّه ولرسوله. . .  الحديث(110).

ويظهر من رواية ابن عباس في تفسير الطبري أنّ جعل السهمين سهما واحدا كان بعد النبيّ قال: ((جعل سهم اللّه وسهم الرسول واحدا، ولذي القربى فجعل هذان السهمان في الخيل والسلاح))(111).

وروى الطبري ـ أيضا ـ عن مجاهد أنّه قال: كان آل محمّد (ص) لاتحلّ لهم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس(112).

وقال: قد علم اللّه أنّ في بني هاشم الفقراء فجعل لهم الخمس مكان الصدقة(113).

وقال: هؤلاء قرابة رسول اللّه (ص) الّذين لاتحلّ لهم الصدقة(114).

وقال علي بن الحسين لرجل من أهل الشام: أما قرأت في الانفال: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَي‌ْء فَأَنَّ للّهِ ِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى. . . ) ؟

قال: نعم، فإنّكم لانتم هم؟

قال: نعم(115).

كان هذا تفسير لفظ ((ذي القربى)) الوارد في آية الخمس وغيرها. أمّا اليتامى والمساكين، فقد قال النيسابوري في تفسير الاية: روي عن عليّ بن الحسين (ع) أنّه قيل له: إنّ اللّه تعالى قال: (وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ). فقال: أيتامنا ومساكيننا(116).

وروى الطبري عن منهال بن عمرو قال: سألت عبداللّه بن محمّد بن عليّ(117)، وعليّ ابن الحسين عن الخمس فقالا: هو لنا.

فقلت لعليّ: إنّ اللّه يقول: (وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ).

فقالا: يتامانا ومساكيننا(118).

إلى هنا اعتمدنا كتب الحديث والسيرة والتفسير لدى مدرسة الخلفاء في ما أوردناه من أمر الخمس، وفي ما يلي مواضع الخمس لدى مدرسة أهل البيت.

 


 

-106  تفسير النيشابوري بهامش الطبري 10 / 4.

-107  الاموال لابي عبيد ص325 و ص14، وتفسير الطبري 10 / 4، وأحكام القرآن للجصّاص 3 / 60، وفي ص61 منه بإيجاز، واللفظ للاوّل.

وأبو العالية الرياحي هو رفيع بن مهران مات سنة تسعين أو بعدها، أخرج حديثه أصحاب الصحاح. تهذيب التهذيب 1 / 252.

-108  الاموال لابي عبيد ص14.

وعطاء بن أبي رباح واسم أبي رباح أسلم المكّي مولى قريش، أخرج حديثه أصحاب الصحاح مات سنة 114ه‍‍ ، تهذيب التهذيب 2 / 22.

-109  تفسير الطبري 10 / 5 بسندين.

وابن جريج هو عبدالملك بن عبدالعزيز المكّي مولى بني أُميّة، أخرج حديثه أصحاب الصحاح توفي سنة 150ه‍‍  أو بعدها. تهذيب التهذيب 1 / 520.

-110  تفسير الطبري 10 / 4.

-111  112 ، (113) ، (114) ، (115)  تفسير الطبري 10 / 5.

-116  تفسير النيسابوري بهامش الطبري، وتفسير الطبري 10 / 7.

والامام عليّ بن الحسين زين العابدين توفي سنة 94ه‍‍ ، أخرج حديثه أصحاب تهذيب التهذيب 2/ 34.

-117  والمنهال بن عمرو الاسدي ـ مولاهم ـ الكوفي من الطبقة الخامسة، أخرج حديثه أصحاب الصحاح عدا مسلم. تهذيب التهذيب 2 / 278.

وعبداللّه بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب توفي في الشام سنة 199ه‍‍ ، أخرج حديثه أصحاب الصحاح. تهذيب التهذيب 2 / 448.

-118  الطبري 10 / 7.